من عجائب الهند: الرجل الزرافة، الرجل القرد، الرجل الحمار، الرجل الأنثى..والرجل ذو الأجنحة المتكسرة.

تتفوق حديقة (شلبا رمم) بجمالها على حدائق حيدر أباد كلها، ولا سيّما حديقة نهرو الشاسعة التي تتنوّع حيواناتها الطائرة والزاحفة والمفترسة والعاشبة والتي لا يكفي يومان لتحية حيواناتها، مع أن سعر تذكرة دخولها أقل من تاج محل بثمانين مرة، أما المتعة والدهشة التي يجنيها المرء من الحديقة فكثيرة، ففيها تعرض أسواق تراثية مختلف أنواع البضائع القماشية والخشبية والحجرية والزينية، وتتجول في أرجائها فرق شعبية، أعضاؤها حفاة أنصاف عراة، تعرض مسرحيات عن حيوات الآلهة وصراعاتها ورقصات متنوعة.

في الحديقة أخذت صورا تذكاريةً للمرة الأولى مع نساء رحبن بالوقوف معي دقيقة صمت أمام صاحبة الجلالة، سبطانة الكاميرا، فيما بعد عرفت من صديقي السيد أوم سي أن لا أفرح كثيراً، فالصبايا اللواتي تصورت معهن صبايا مزيفات؟

–كيف يا سيد “حمصي”؟

ـ هؤلاء اللائي تظنهن بنات لسن إناثا ولا ذكوراً.. إنهن مخنثات؟

–ولكنّ لهن نهوداً و…

قال بخبث:نهودهن من ورق، يا مستر؟

اعترضنا الرجل القرد في ممرات الحديقة، وقدم عرضاً في ألعاب الخفة، الرجل القرد رجل قصير ربعة مذيل بذيل مستعار وملون الوجه بقناع القرود. الإله القرد هانومان أقوى الآلهة الهندية، وهو بطل أفلام الكرتون وسوبرمان الهنود.. أدخل المقرود كرة تنس الطاولة في فمه، وتقيأها عشر روبيات روبيةً تنطح روبيةً! طلبت منه إعادة الكرة، لعلي أكتشف خدعته، فلم أنجح.

لم يكن الرجل الزرافة أقل إدهاشاً من الرجل القرد. فوجئنا في أحد الأقسام بعوج بن عناق الهندي ينتصب أمامنا احتراماً. هو ثالث أطول رجل في العالم، طوله متران و ثلاثة وخمسون سنتيمراً. الآدمي الأطول في العالم طوله متران وخمسة وخمسون. كان يمكن لصاحبي الزرافة أن يكسر رأس البنغلادشي الذي يحمل لقب أطول رجل في العالم، ويدخل كتاب العولمة المقدس، موسوعة غينيس للارقام القياسية من غير إثم ولا دستور، لو لا أنه زهد بطوله، وخشي أن يموت غرقاً بين الغيوم،فكان بين أمرين :إما أن يضع غلاصم صناعية أو يعمل عملية جراحية تقول لعظامه زمزم.

وقفنا معه دقيقة صمت أمام الكاميرا لصورة تذكارية، صاغ ابتسامةً صناعيةً، انتهت مع فلاش الكاميرا، ثم مدّ يده التي يستطيع رضيع أن ينام في مهدها قرير العين هانيها، فظننت أنه يطلب أجر الصورة، لكني أدركت أنه يطلب مصافحتي ختاماً لدقيقة الصمت وطلقة النور الساطعة أمام الكاميرا. عرفت أنه يعمل في الحديقة بصفة نصب تذكاري حي وبأجر شهري مؤقت يبلغ ثلاثة آلاف روبية (ستون دولاراً). يعيش كاتايا في الحديقة، في إقامة جبرية لأن نقله يحتاج إلى رافعة (كرين) وشاحنة نقل بضائع لحله وترحاله، إذ لا يمكنه الدخول في سيارة أو باص. أما سريره في إحدى مقصورات الحديقة التي كان البريطانيون يقيمون فيها إبان الاحتلال، فكانت مؤلفةً من منصتي تنس الطاولة متلاصقتين، ليس في مقصورة كاتايا سوى لوازم طبخ طعامه، الذي يقتصر على الأرز، ولوازم النوم. كاتايا ينهض من نومه في الثامنة، ويتناول فطوره، ثم يذهب إلى كرسي جليفاروي ليجلس أمام باب بلا بيت (باب زينة) ورسم لفيل كبير يستطيع كاتايا أن يركبه مثل جحيش، وينتظر الزوار وحجاج الصور التذكارية، ثم يرتاح من الساعة الثانية حتى الخامسة، ويعود بعدها إلى (عرشه) حتى الساعة الثامنة، بعدها يتجول في الحديقة بين أشجار النخيل، كما يتجول طفل بين سنابل القمح وسط دهشة الزوار.

يمشي كاتايا بصعوبة حاملاً قدميه، إبهام قدمه اليسرى كانت مجروحة لاصطدامها بحجر بالرغم من أن دربه ممهدة وقصيرة، لا تتجاوز نصف فرسخ إلى مقصورته، وسبب الكلم هو صعوبة تحكمه بجسمه العملاق، فهو يحمل ركبتيه اللتين تخذلانه أحياناً.. تزوره أمه كل ثلاثة اشهر، وله أخ يصل طوله الى خصر اخيه.

ـ ألا تفكر في الزواج، يا سيد قطايا؟

أشار بيده إلى طول أنثى مفترضة متحسّراَ.

أظن أن عمر كاتايا الأطول من النخلة يبلغ ثلاثين ربيعاً- وهو تعبير إذاعي شهير- لا يتجاوز عشرة أعوام، عندما كان يتكلم يتحدث بسرعة كأنه يسمّع درساً حفظه غيبا لمعلمه، فهو خجول. أعطيته في الزيارة الثانية بعض التمر السعودي الفاخر في منديل، فلم يفتح لخجله المنديل إلا بعد غيابي عن ناظريه. كان يمكن لكاتايا أن يصير كومبارساً محترفاً أو مروج بضائع ورجل إعلانات إلا أن الهنود يفضلون الأمتعة التي يروجها نجوم السينما الذين يأتي في مقدمتهم أميتاب باتشان، أشهر نجم في تاريخ بوليوود وأكثرهم حظاً في ترويج السلع وتوزيع اللكمات على الأشرار على الشاشة. لا ينافسه في نجوميته إلا نجم الكريكت (ساجين تاندولكر) معبود الهندوس البشري الأول.

{{تاج محل}}

يعدّ تاج محل رائعةً من روائع العمارة في العالم، يدفع فيها الأجنبي ثمانمئة روبية والهندي عشرين روبية! وصلنا ليلاً، فلم نر منه شيئاً. وسبب تأخّرنا هو حماقة السائق الهندي الذي تذكّر بعد أن خرج من زحام دلهي أنه نسي رخصة القيادة، فعاد، وأهدر ثلاث ساعات ثمينة، فأوصلنا بعد أن غادرت الشمس مكتبها في نهاية الدوام. لم نلحق الشمس رغم تضحيتنا بزيارات جانبية تقوم بها شركات السياحة إلى معابد هندوسية وإلى القلعة الحمراء.. كان يمكن أن نرى بعض بدائع هذه العمارة لولا أن الإنارة ممنوعة في المبنى العريق، وذلك حتى لا يتأثر الرخام بأنفاس الإنارة الصفراء. وقد عرفت أن معظم زائري تاج محل يمرون بالتذكارات نفسها: كالدب الأدرد الذي ينتظرهم لالتقاط صورة تذكارية في منتصف الطريق إلى كوجرات وكالأفعى ذات القبعة الطبيعية، الكوبرا.

نزلنا من الحافلة، فقال صاحب الدب الأدرد: تفضل خذ صورة معه؟

سألته: هل الصورة مجانية؟

فقال: خمسون روبية.

قلت: يمكن أن أقبل لو فكرت في أن تدفع لي خمسمئة روبية.

قال: لا تخف..إنه دب طيب.

لكني لم أجازف بدقيقة صمت وابتسامة مع الدب ولا مع حية الكوبرا ذات القبعة التي تجني لصاحبها من كل صورة عشرين روبية، وتتلوى جوعاً على أنغام لا تسمعها من ناي صاحبها الهندي.

لا يفهم كثيرون سبب روعة عمارة تاج محل الهندسية، عظمة تاج محل تكمن في دراما العمارة لا في العمارة نفسها. وفي عشق شاه جهان ممتاز محل زوجته لا عشيقته. أنجبت أم العيال الولود له ثلاثة عشر ولداً، فأراد الرابع عشر، فماتت في سبيله. وأنا هنا أتساءل: كيف كان شكلها بعد فريق كرة القدم الذي أنجبته مع لاعبي الاحتياط ؟ أليست معجزة عمارة بشرية؟!

تتابعت دراما تاج محل المأساوية: أسْر السلطان أورنغزيب ابن شاه جهان لأبيه في القلعة إلى أن مات فيها، وكانت مدة بناء العمارة اثنتين وعشرين سنة. ثم قطع شاه جهان أيدي المعماريين، فكان جزاؤهم كجزاء نمرود لسنمار، ومن مآسي تاج محل أن شاه جيهان لم ينعم بتحفته المعمارية ولا بإمبراطوريته، فقد مات في الأسر كظيماً. هذه التراجيديات هي وراء عظمة تاج محل وطيران شهرتها في الآفاق. يروي لنا دليل سياحي فرض نفسه علينا بسيف الحياء أنّ كبير المعمارين طلب من شاه جيهان أمنيته الأخيرة قبل قطع يديه، وهي جولة انفرادية حول تحفته المعمارية، وأثناءها عمل حيلة هندسية، فجعل مياه الأمطار كلما هطلت تجمعت في مصب واحد، فحفظ ذكره بذلك، وهو لغز هندسي لم يصل أحد إلى حله حتى الآن.

عجيبة الشاعر جو

لسنا قصيري حربة، نحن أبناء سورية؟ فبلادنا مليئة بالعجائب أيضاً مثل أعجوبة الشاعر الجزيري (جو): وجدت لجو قصيدة في دورية ثقافية، تصدرها السفارة الهندية في دمشق ويرثي فيها غاندي! العجيب أنها كانت نفس القصيدة التي كرّر نشرها في الصحف السورية والسعودية مغيراً اسم المرثي أو الممدوح حسب المناسبة، ولاحقاً وجدت القصيدة نفسها في صحيفة إيرانية، اسمها المرصد، وقد مدح فيها أحد أئمة آل البيت.. الشاعر جو نفسه أسرَّ لي أنه جنى من قصيدة واحدة مئة ألف دولار، نشرها في مجلة سعودية ممجداً بطولة خالد بن الوليد موقعاً تحتها باسمه المسيحي، ثم استجار برئيس التحرير على مساعدته في تحمل ظلم الكنيسة التي تضايقه، ليرتد عن الإسلام، فهبوا لنجدته هبة المعتصم في وقعة عمورية!

قال الشاعر العيّار خاتماً حكايته:لكل مجتهد نصيب وحلال على الشاطر.
عجيبة رامز إبراهيم أو الرجل الحمار
رأيت في الهند كثيراً من العجائب: بقرة لها جنين يتدلى من ظهرها كالثؤلول، جثث بشرية طافية على المياه كالفلين! هندي تتدلى من عنقه ربطة عنق لحمية تتلوى، وكانت في الواقع ثعباناً.. رأيت هندياًآخر عاكفا متضرعا لبعوضة! رأيت امرأةً تفتش في رماد عجلة مطاطية محترقة عن هيكلها العظمي! رأيت قروية هندية تتبول واقفة! رأيت ممثلاً هندياً مسلما اسمه قادر خان مختصاً بأدوار الشر ويقدم برنامجاً أسبوعياً في الدعوة الإسلامية!! لكن أغرب ما رأيت في الهند سوري، اسمه رامز.

رامز طالب يدرس علوم الكومبيوتر، مشغول في دراساته بإعداد الأسئلة الصعبة لطلابه في جامعة حلب الذين ينوي تعذيبهم بأسئلته السادية.. سيجعلهم في الامتحانات يئنّون من التعذيب وربما ينتحرون مثل السفنكس الإغريقي، ويتذكرونه ما عاشوا. وضع رامز الطعام، فمددت يدي إلى ملعقة، ورفعتها إلى فمي، فامسك رامز بمعصمي، وقال: أنت تأكل بملعقتي؟ أنزلت اللقمة من فمي، وناولته الملعقة وسط دهشة الضيفين عامر وبوشن.

قال: أنا لا اقصد إهانتك لا سمح الله، ودليل ذلك أني لن أغسل الملعقة، لكنني لا أغير ملعقتي السورية. أنا لا أكل بملاعق الهنود.

اعتبرت ما حدث هفوة فارس وخطأً مطبعياً.. لا أدري كيف جرنا الحديث إلى السياسة، من الأفضل القول إن حديث السياسة هو حديثنا الأثير والدائم الذي لا ينقطع. حاولت ما استطعت عدم إثارة رامز الذي كان يفور وطنيةً على الطريقة التقليدية في سورية، كان سورياً نموذجياً، والسوري النموذجي هو الذي يؤمن أن الدولة هي التي تطعمه، وتكسيه، وردّ المعروف لا يكون إلاّ بأن يقول نعم ومليون نعم بمناسبة وبلا مناسبة، أو هو الذي يتصرف كاللاجئ السياسي في بلده، ويعتقد أن أعضاء القيادة من المبشرين بالجنة إلا إذا ظهرت خيانتهم، كما حصل مع رئيس الوزراء المرحوم المنتحر. رامز ” كاسم علم” بطل في دروس المرحلة الابتدائية بعد علمنتها في مرحلة ما بعد السبعينيات (يرفع العلم، ويحفظ النشيد الوطني، ويحضر دروس الطلائع، ويحفظ الخطب، ويعرف “علوما” عجيبة مثل: الوحدة، الفرقة، المنطقة، الطليعة، الفرع، المنظمة). في المرحلة التي كنت فيها تلميذاً كان بطل دروس القراءة والحساب اسمه أحمد (يقبل يد بابا وماما، ويساعد العميان على عبور الطريق، ويشفق على الحيوانات، ويتصدق على الفقراء الذين انقرضوا بعد الثورة العلمانية)، فسبحان مغير الأحوال!

سألني شريكنا في الجلسة السيد بوشن عن بلدنا، وأشار إلى أنّه سمع بعض الأخبار التي تتهمنا بالكبت السياسي والإرهاب، فقلت مبشراً، وعيني على السيد رامز صاحب الأحجيات الامتحانية: نحن – السوريين – على موعد مع جرعة من الديمقراطية، وهنا نهض رامز، وقال:أنا لا أسمح لك بهذا؟

قلت عفواً: لماذا تتصرف كشرطي؟ ولا تسمح لي بماذا؟

قال متهماً: بقولك هذا تتهم سورية بخلوها من الديمقراطية!

أنا رجل “لا عنفي” مثل غاندي، تجنبت الجدال مع مضيفنا قائلاً: هذا رأيي.

تابع هجومه قائلاً: أنت تسيء إلى سمعة سورية في الهند برأيك الفاسد؟

قلت: كما ترى لست مذيعاً في قناة فضائية، كما لا أمسك بمكبر صوت، وأتجول في الشارع الهندي مندداً بسورية الصمود والتصدي باللغة السنسكريتية؟ ثم إن هذا رأيي، يقول فولتير: أنا مستعد أن..

هنا خلع رامز حذاءه، وهجم علي ما إن سمع اسم فولتير صائحاً: فولتير وأنور البني والغادري وأمثالكم من المعارضة يخربون البلاد، ويتآمرون مع الخارج على الوطن! فحال بيننا عامر حتى لا نتعارك، وهربت من داره في حارة تارناكا إلى نيودلهي التي تبعد 2000 فرسخاً.

{{النجمة كويلا}}

في حديقة “القبور السبعة” التي بناها قطب شاه لضم رفات الملوك المسلمين، كانت إحدى شركات راموجي سيتي تصور فلماً بنغالياً. النجوم البنغاليون “مشوربون”… عدد البنغاليين سبعون مليون نسمة، ومنهم انحدر نوبل الهند الشاعر طاغور.

توجهت إلى الحشد الذي شكل حلقةً حول مجموعة تصوير أحد الأفلام، كانت النجمة كويلا الوسيمة السمراء بلون الكاكاو تستريح، وتشرب الشاي بالحليب، وهو مشروب الهنود الأساسي. رفت نفسي بها، فرحبت بي وسط حسد الجماهير المحتشدة حولها ورافعات التصوير، فجلسنا نتحدث عن فلمها الثامن ترتيباً، الفلم يروي حكايةً لا تختلف عن حكايات الأفلام الهندية المعروفة في بوليوود: شاب من طبقة غنية يغرم بشابّة فقيرة تمثل دورها كويلا، النجم كان مشغولا إبان حديثنا بضرب مجموعة من الأشرار ضرباً يجعل دماء البندورة تتطاير من فكوكهم. المخرج الساحر كشف للجمهور أسرار الصنعة السينمائية وألعاب خفة الفن السابع، فشاهدوا بأعينهم كيف تقذف لكمات البطل الأشرار بعيداً بواسطة حبال مربوطة على بكرات، وكيف تجندلهم رفساته دون أن تمسهم! بوليوود هي الأسوأ في صناعة مشاهد القتال. كاتب السيناريو الشاب الذي لم يبلغ الأربعين أخبرني أنه فلمه السادس والخمسون، من بينهم فلم مثّله النجم المعروف بطل فلم راقص الديسكو الشهير شاكرا بورتي.

{{منوعات}}

صحون الهنود مسطحة بلا عمق، لأنها مهيأة للأكل باليد، الأبواب فراملها، أي: دقارتها منها وفيها، أقفال الأبواب هندية مستقلة، تقفل، وتفتح بالمفتاح، فهي ليست مثل الأقفال الصينية الرائجة في بلادنا المعطاء، والتي تقفل بلا مفتاح، حبات النفتالين تباع في الشوارع بكثافة، الشحاذات مزينات أنوفاً وأصابع يدين وقدمين وآذاناً، الشحاذون المخنثون حظهم أكبر في التسول من هياكل عظمية تزحف من الجوع. في كل فلم هندي مشهد تنكر البطل في هيئة أنثى غالباً. حرف السين مفقود في اللغة الهندية. لشجرة الفرقد عضلات وأشجار أوراقها بسعة الرغيف المشروح، الهنود يفرشون أسنانهم طويلاً، وقد يخرج الرجل منهم، ليتابع فرشاة أسنانه في السوق أو في الباص في طريقه للعمل، وهذا يشبه استعمال المسلمين الملتزمين السواك، وربما كان جمعاً بين عادة السواك الإسلامية و الفرشاة الغربية.

تقول صلاة هندية

قلب بوذا

دماغ شانكر

جسم محمد

طهرانية زارادشت

تضحية عيسى

شجاعة فيف غانندا

دماغ راماندا

“لا عنف” مهاتما غاندي

ولوعة أحمد عمر..

تقول حكاية

أشعل الهنود الشموع من أجل لاكشمي إلا هندية فقيرة ذهبت إلى أحد النساك متضرعة إليه، كي ينجدها، فقال لها: عودي إلى البيت، وستجدين زيتاً في قنديلك، فعادت، وأشعلته.

قلت لبوشن: هذه حكاية معروفة في تراثنا أيضاً، تروى عن متصوفة، اسمها رابعة العدوية، ولو فضلت لرويتها لك بأسلوب أخر: تعود الفقيرة إلى البيت، فتشعل قنديلها من دون زيت.. تلك هي المعجزة.

علق بوشن في سجال طويل مع عامر حول الإرهاب. بوشن يعتقد أن المسلمين إرهابيون، وهو يدلل على ذلك بحركات كشمير الانفصالية: جيش محمد وعسكر طيبة..عامر يدرس علوم الكومبيوتر مثل رامز، وقد أسلمت هندوسية على يديه بعد أن أهداها كتاباً لمؤلف هندي مسلم اسم الكتاب (مقارنة أديان)، كان عامر يجادل ببراعة إلاّ أنه كان محروماً من هوامش وعمق استراتيجي، أو كان يحرم نفسه من ذرائع يدافع بها عن الإرهاب المتفشي في العراق وفلسطين، أطروحته كانت ترتكز على الكرامة، الإهانات التي توجه إلى العرب المسلمين، احتلال البيوت، تدميرها، التعذيب، تعرية النساء.. كل هذا يصنع العنف..

يعود بوشن، ويقول: العالم كله نشرات الأخبار كلها تقول: إنكم إرهابيون.

–ماذا وجدت منا؟ هل نحن إرهابيون.

كان بوشن يكره المسلمين المغول والغزنويين والباكستانيين الذي اقتطعوا باكستان عن جسد الهند، ويؤمن أن مسلمي الهند متخلفون بسبب كثرة الإنجاب لا بسبب الظلم الهندوسي كما يروج المسلمون. كنت أريد توجيه السجال باتجاه آخر من أجل الانتصار في المساجلة لا من أجل الإقناع الذي كان بوشن بعيداً عنه.. كنت أريد أن أركز على الاحتقان الديمقراطي وحكومات الغلبة كأسباب أخرى للعنف، لكني لم أجرؤ خشية إغضاب رامز وربما عامر أيضاً.

قلت لبوشن: أ تعرف أن الإرهاب الإسلامي سببه رجل هندي؟

استغرب بوش ما أقول: هندي!

قلت: نعم هندي، ولكنه صار من بعد باكستانياً، اسمه أبو الأعلى المودودي.

–لم اسمع به.

–خرجت من عباءة هذا الرجل كل الحركات الإسلامية. سيد قطب كان واحداً من مريديه الثقافيين والفقهيين، يا سيد بوشن. إرهابنا بضاعة من صنعكم.

تابعت مؤازراً عامراً: هناك في كل دولة إسلام، ليس هناك إسلام واحد.

لم يوافق عامر على تداخلاتي واعتبر كلامي تجديفا وتحول السجال بيننا بعد أن كان بيننا وبين بوشن، وضايقه رأيي عن وجود إسلامات كثيرة. كنت أقصد تلون الإسلام بالمكان وبالجغرافيا، وكان هذا أول الوهن في السجال الذي لم ينته بإسلام بوشن! بوشن يخجل من متشردي الطرقات الهنود وأوساخها، ويعتذر عنهم دوماً، وكأنهم بوهيميون: لا ادري لماذا يتركون قراهم الوادعة، و يهجمون على المدن؟

سجالاتنا الجمالية كانت أحسن حالا: تباهى بوشن بالمغنية لاتا منكيشكار، وهي مطربة ومغنية هندية دخلت سجل غينس، لها أكثر من خمس وعشرين ألف أغنية بثلاث وعشرين لغة! لسنا قصيري حربة، يا مستر بوشن: أم كلثوم كانت تغني ثلاث ساعات متواصلة، ومكبر الصوت يبعد عنها متراً.

توقف حوارنا عندما ظهرت روبي في آخر النشرة الهندية التي راحت تعرض خبراً عن المغنية (الكليبية) المصرية، فتفاخرت بها: هذه واحدة من مغنياتنا اللاتي غزين العالم، هل هناك في الهند امرأة «تداري كده”؟

هزّ بوشن رأسه معجباً بقيادة روبي دراجة واقفة، تحرك روبي دواساتها، فتدور استدارتان مدملجتان في وركيها بدلا من عجلتي الدراجة، كانت تشبه حداثتنا التي ترواح مكانها، وأعجب أكثر بها كربّاعة ترفع أثقالها بسهولة، فقلت: لا تنس أغنية ( تملي معاك) للمطرب عمرو دياب.

كانت كل محلات الهنود وقنواتها ترقص على لحن عمرو، وتتمتع به بعد دبلجته إلى كلمات هندية، يغنيها مطرب هندي تحفل فيديو كليباته بمشاهد هائجة مهيجة، اسمه حسان عمران.
تساجلنا أنا وبوشن أيضاً حول الصفر الذي زعم أن مخترعيه هم أجداده، لكني حاولت عبثاً إقناعه بأننا نحن “بتوع الصفر”، زيرو أصلها صفرو العربية، فخرجت معه من النقاش “زيرو” اليدين إلا أنه يجب الاعتراف أنهم فطاحل في الحساب، وعندهم مصطلحات حسابية كثيرة، فكل مئة ألف هي (لك) وكل مئة لك هي (كرور) وكل مئة كرور هي (أرب) وكل مئة أرب هي (كرب) وكل مئة كرب هي (نيل) وكل مئة نيل هي (بدم) وكل مئة بدم هي ( سنك )، وهي دليل ضخامة ثرواتهم، ثروات الفاتحين العرب لم تكن قليلة إلا أنهم لم يقدروا على اختراع أرقام أكبر من (مئة مئة ألف) للتعبير عن المليون إلا أن بعض أحفاد العرب أصحاب الكراسي اخترعوا نسبة لم يسبق لإنسان أن قاربها، وهي نسبة مئة في المئة في “الاستفتاءات” العربية، فأنعم بها وأكرم!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق