من عقل القياس إلى عقل المزايدة

كنا نتحدث في العشرين سنة الأخيرة عن عقلية القياس المسيطرة على الفكر العربي، وخاصة أن هذه العقلية لا تستطيع أن تتصور جديدا، وهي بالتالي عاجزة عن تمثل الحداثة، تكتفي بقياس الحاضر على نموذج ناجز من الماضي أو من الآخر. كنا نقول إننا نحتاج إلى عقل مبدع قادر على تفهم الحاضر واستشراف المستقبل. لم نشعر بالحاجة إلى هدا العقل وحسب، بل كنا نظن انه في قيد البروز وفي صدد التشكل. كان أملنا كبيرا في أن نعيش اللحظة الحاسمة التي تنقلنا من عصر يحكمه التقليد والإتباع إلى عصر يتميز بالابتداع وتحرير الفكر من السلطات المسبقة، ولكن!

 

من المرجح أننا كنا شديدي التفاؤل، وغالبا ما يخطئ الناس عندما يظنون أنهم إذا تخلصوا من مشكلة وصلوا إلى الحل. فالغالب أن التخلص من مشكلة إنما يفتح الباب لمشكلة جديدة تعقبها. لم نتخلص بعد من عقلية القياس التي يرى بعض الباحثين أننا ورثناها عن المتكلمين والفقهاء مند قرون حتى نشأت بيننا عقلية ثانية لا تقل غباء وهي عقلية المزايدة. لم نرثها هده المرة عن السلف لكنها من بقايا العصر الثوروي العربي المجيد. العرب حاولوا استنساخ الثورات العالمية الكبرى فلم يفلحوا، من الثورة الفرنسية إلى الثورة البلشفية والصينية، كل ما بقي هو كلام كثير يجعلنا نتبوأ المراتب الأولى في البلاغة الثوروية لا غير. ثورويونا بقيت فيهم نسمة من الواقعية (أو من الانتهازية؟؟) جعلتهم يفهمون أن عصر الثورة قد انتهى بنهاية القرن العشرين. تغيرت الخطابات من النقيض إلى النقيض، لكن هدا ليس المشكلة. إنما المشكل أن القليل منهم قد قام بمراجعة ذاتية ونقدية عميقة وصريحة قبل أن يحاكم الآخرين. من هنا شاءت عقلية المزايدة أن يحتاجوا إلى الهروب إلى الأمام باستمرار وفي الاتجاه العكسي الذي كانوا يسيرون فيه زمن طفولتهم الثوروية، كأنهم يريدون أن ينسوا أنفسهم قبل الآخرين أنهم كانوا في يوم ما دعاة ثورة اشتراكية أو قومية أو إسلامية، كأن المزايدة هروب من الدات وعلاج لعلل الذاكرة. وهم يطالبوننا فوق دلك أن نصدق بأنهم مفكرو العصر الجديد، وقد كانوا في السابق يعتبرون أنفسهم قادة الوعي الثوري الطليعي. من كان يبدي بعض الشكوك في السابق كان يصنف تحريفيا ومن أبدى بعض الشكوك في الحاضر اعتبر متخاذلا عن المساهمة في بناء الشرق الأوسط الجديد. طبعا، ما لم يتغير في عقلية ثورويينا الأشاوس هي اعتقادهم أنهم معيار الحقيقة وأن الحقيقة تنقل حيثما تنقلوا.

 

المشكل أن عقلية المزايدة لا تقل رثاثة عن عقلية المقايسة. تقول: تعال نجمع مائة كتاب تكون نواة لمكتبة، فيجيبك عقل القياس: نحن نحتاج لمشروع مثل بيت الحكمة للمأمون فما ينفع مائة كتاب؟ ويجيبك عقل المزايدة: ما قيمة مائة كتاب أمام ملايين الكتب المتداولة في مكتبات العالم الحديث؟ النتيجة: لن يتوفر كتاب واحد والجميع يشعر بالراحة لأنه ساهم في الإرشاد إلى الحل والباقي ليس من مهامه. وهدا بعض من فضل الكلام على الفعل.

 

هذه العقلية ذاتها هي التي إذا دعوتها للمساهمة في رفع سقف الحريات العامة أجابتك بأنها لا تقبل بأقل من ديموقراطية تامة ناجزة على نمط الديموقراطيات الغربية. وإذا دعوتها إلى دعم إصلاحات اقتصادية تشجع المبادرة والجهد الفردي أجابتك بأنها لا ترضى بغير اقتصاد حر لا يبقى فيه للقطاع العام أثر. تقول لأحدهم: نحتاج الى مراجعة المناهج والمقررات التعليمية في ضوء المعارف الحديثة، فيزايد عليك ويقترح استيراد فروع المؤسسات التعليمية العالمية حلا لأزمات التعليم المحلية. تتمنى أن يتجه إعلامنا لفتح مجال الحوار في القضايا الكبرى كي يتعود المواطن على التمييز فيختارون المتطرفين من كل مذهب يتصارخون بما لا يدع لملكة التفكير والتمييز من مكان. إدا دعوت لرؤية موضوعية وواقعية للقضية الفلسطينية التي أنهكت العرب ولم تقدم للفلسطينيين شيئا قالوا: فلسطين ليست قضيتنا وليذهب الفلسطينيون جميعا إلى الجحيم، وهكذا دواليك.

 

أسلكْ الاتجاه المعاكس تكون الفائز، اقصد الفائز بالإثارة وليس بعمق التفكير. لكن ألم يكن الفكر عندنا في الغالب إثارة وعواطف وخطابات جوفاء؟ لماذا نأمل من عقل المزايدة أن يكون أكثر رصانة من عقل المقايسة؟

 

نشر في جريدة الحياة في 23/3/2008

 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق