من كان بلا خطيئة… فليرمِ أثينا الجميلة بحجر! / نهلة الشهال

من كان بلا خطيئة… فليرمِ أثينا الجميلة بحجر! / نهلة الشهال

يقول «الخبراء» بثقة تشبه البديهيات، أن الفساد السائد في البلاد هو مصدر الأزمة. بل ذهب بعضهم إلى تناول، ليس فحسب تلاعب الحكام، بل سوء الناس، كسلهم، وغرقهم في الملذات والتسلية، وتهربهم من الضرائب. وراجت عليهم تسمية «الخنازير» بالإنكليزية، (PIGS)، وهي مختصر مشتق من الأحرف الأولى لبلدان أوروبية معتبرة هشة في شكل خاص، بدءاً من البرتغال.

 

نجحت «النظرية» في الانتشار، لأنها تمثل تفسيراً بسيطاً ومحدوداً، سهل المقاربة، بل يحاكي النميمة، وعلاوة على ذلك، فهو خفيف على القلوب، مطمْئن: لسنا في مأزق شامل، بل ثمة بعض الأشرار الذين تسببوا بالمشكل. وبالطبع، فالاستنتاج سرعان ما يحضر: على هؤلاء دفع ثمن ارتكاباتهم. وانقسم الناس بين مؤيد لألمانيا الجادة، التي رفضت بعناد في بداية الأمر مد يد العون للبلد التعس، وفرنسا التي يحركها دافع فكري وغيري، هو إنقاذ أوروبا ومنع التداعي المحيق ببلدانها. وبعد مفاوضات شاقة، وعظات قاسية للسيد باباندريو الابن، رئيس وزراء اليونان الحالي، على رغم الإقرار ببراءته من التسبب بالأزمة، حيث أسلافه هم المجرمون (ونقاش جانبي حول مسؤولية اليمين، خصوصاً أن باباندريو اشتراكي)، وبعد الاستنجاد بصندوق النقد الدولي (ونقاش جانبي آخر حول الإهانة اللاحقة بأوروبا التي لا تتمكن من تدبر أمرها بنفسها وتعود للاستعانة بالأميركيين – هل الصندوق دولي أم أميركي؟ وهل الأمران سيان؟؟)، جرى أخيراً اعتماد المبالغ الكفيلة بإخراج أثينا من المأزق، على أن توافق على مساعدة نفسها قبل أن يساعدها الآخرون.

 

 

كيف تساعد أثينا نفسها؟ بأن تتقشف! هذه هي الكلمة السحرية. واستطراداً في التفكير البسيط والبديهي، فالتقشف هو مصير «الجميع». ولأن أكثرية الجميع هي من الفقراء أصلاً، فمن الطبيعي أن عليهم المساهمة هم أيضاً. نذكر جميعاً، منذ بضع سنوات، الإضراب في الجامعات اليونانية واحتلال مقراتها لأشهر، والتظاهر، لأنه كانت هناك مشاريع خصخصة لها، ولأن دخل الخريج المؤهل عالياً لا يتجاوز 600 يورو. فكيف يتقشف هؤلاء؟ وما هي النتائج الاجتماعية والاقتصادية لمستوى من البطالة سيدنو من الـ15 في المئة، بحسب التوقعات التطبيقية للخطة المقرة؟ وما هي نتائج الإفقار العام الناتج من تزايد الضرائب غير المباشرة – مع الإبقاء على الإعفاءات الضريبية للأغنى كما في «الدرع» الفرنسية الشهيرة)، وإعادة الهيكلة البنيوية، والخصخصة (بإشراف صندوق النقد الدولي). سؤال جانبي أيضاً وأيضاً: أليس هو الصندوق نفسه الذي شُتم بأقذع الشتائم منذ عامين، أثناء تفجر الأزمة السابقة، وقيل أن توصياته وشروطه أدت إلى الكارثة التي حلت بالعالم، واكتُشف حينها أن ذلك العالم مترابط، وقيل كلام كثير وجميل عن ضرورة العودة إلى رأسمالية تحكمها قيم أخلاقية. هل هي ذاكرتي تخونني، وتصور لي أشياء لا أصل لها، أم يعتمد أصحابنا هؤلاء على قصر ذاكرة الناس؟ وعلى الإدارات العامة اعتماد الترشيق لأن البيروقراطية اليونانية لا تطاق (وتخرج أرقام من الكُم، تماماً كما يفعل السحرة: 40 في المئة من القوة العاملة موظفون في الدولة)، ويجب إعادة نظر في النظام الصحي والتعليمي العام وشبه المجاني، (ما هذا البطر يا إخوان، بينما انتم فقراء؟ ولكن، أليس الفقراء هم من يحتاجون أنظمة صحية وتعليمية عامة ومجانية، لعجزهم عن تلك المرتفعة الكلفة والخاصة؟ انه سؤال البيضة والدجاجة، ولن نجد له حلاً هنا، فلنغلق القوسين).

 

 

وحين يعترض معترض، قائلاً أن اليونان هي الناقل البحري الأول عالمياً، وأن هناك أكثر من أربعة آلاف سفينة عملاقة تستفيد من تقديمات الدولة، وأن معظم الشركات الكبرى تعمل – شُجعت على العمل – وفق نظام «أوف شور» تهرباً من الضرائب، يُجاب أن ذلك طبيعي، فتلك كلها تدير عجلة الاقتصاد، ولولاها لمات الناس من الجوع. فدعوها تعمل، دعوها تمر. وحين يزيد المعترض بأن الكنيسة الأرثوذكسية هي أكبر مالك عقاري في البلاد، وهي معفاة كلياً من الضرائب، يشار إليه بخفض صوته، فهو يمس بالمقدسات. حسناً، وماذا عن البنوك اليونانية التي استفادت من مبلغ 28 بليون يورو مساعدات من الخزينة العامة خوفاً عليها من التأثر بالحلقة السابقة من الأزمة، منذ عامين، حين كان اسمها أزمة الائتمان، أو أزمة بنك كذا الأميركي أو بنك كيت البريطاني؟ وما بال الإنفاق العسكري «يشطح» كما يشاء، فتنفق اليونان في 2006 ما يقرب من عشرة بلايين دولار على شراء أسلحة وطائرات وغواصات، من الولايات المتحدة وفرنسا، لتوازن القوة العسكرية التركية، التي بالكاد تقل عنها إنفاقاً في البند نفسه!

 

 

هل من الإجرام الحديث عن حلول أخرى يمكن أن تمثل خيارات بديلة، وهندسة ممكنة للأولويات؟ لا سيما إذا كان التوقع المرجح أن حالة اليونان ليست في الواقع أسوأ من سواها، وستلحق ببلاد الإغريق البرتغال وإسبانيا وايرلندا وإيطاليا. بينما يضيف آخرون بريطانيا وفرنسا، حيث أرقام الدين العام في تلك البلدان في غاية الارتفاع، وهي جميعها – بما فيها ألمانيا لجأت وتلجأ إلى الاقتراض، بعضه من بنوك كما فعلت اليونان (التي اقترضت خصوصاً من غولدمان ساكس الأميركي) وبعضها على شكل سندات عامة، وجميعها مكياجاً على أرقامها، وما يسمونه «مونتاج» في عمليات الاقتراض، للتمويه على الواقع القائم. فمن كان بلا خطيئة، فليرم أثينا الجميلة بحجر.

 

 

أزمة اليونان هي أيضاً أزمة اليورو (على رغم أن هذه أيضاً محاولة لإيجاد مذنب «تقني»، محدد ومحدود)، ولكنها أيضاً، وخصوصاً، أزمة كاشفة لأزمة أوروبا: غياب قيادة سياسية موحدة، بل وجود عملة موحدة من دون وحدة سياسية، فالسيادة الوطنية ما زالت المرجع الأول لكل من بلدانها. كما غياب مؤسسات إدارة الأزمات، حيث بدا البنك الأوروبي مكبل بنظامه الداخلي المستند إلى الاتفاقات التأسيسية للاتحاد الأوروبي. وهكذا طرحت الأزمة «اليونانية» ضرورات امتلاك رؤيا فعلية لمصير هذا المشروع المدعو «أوروبا»، والذي يُفترض أنه مهندس ليسير بخطى صغيرة، بينما يبدو أنه يدور فحسب في المربع الأول.

 

 

وأخيراً، كشفت الأزمة الحالية، الأوروبية، كما الحلقة السابقة، الأميركية بالأساس، أن مفهوم الزمن أساسي! فثمة فارق هائل بين الاستثمار الصناعي والتجاري والمال الموظف في المضاربة العقارية والمالية، وهذا الأخير بطبيعته يتوخى الربح الفوري أو السريع جداً. لقد بنيت النيوليبرالية على «اللحظة». في مثال الزراعة، هي تقاتل من أجل المنتجات المعدلة جينياً، التي توفر غزارة وربحاً كبيرين لشركات عملاقة تمسك بزمامها، ولكنها ناهيك عن ضررها الصحي، مدمرة للأرض ولدورة الزراعة وللمزارعين.

 

 

مجدداً: ماذا نختار؟

 

 

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق