من مول دبي إلى الجميرا بيتش

ليس لكَ، صديقي، أن تحرد أو تزعل إذا لم توفّق في الحصول على طاولة ترتاح إليها في أحد المطاعم أو المقاهي الممتدة على ساحل الجميرا بيتش في دبي، فدبي غدت مقصد السياح العرب والأجانب في هذه الأيام؛ يفيئون إليها من أصقاع الأرض قاطبة؛ لينعموا بطبيعتها الخلابة وطقسها الدافئ البديع وخدماتها الرفيعة، بل عليك أن تقنع بما هو متوافر بين يديك؛ فتفترش المدرَّج الحجريَّ المطلَّ على ساحة الجميرا كالمئات من أمثالك، ثم تطلب وجبة سريعة ومشروباً بارداً أو ساخناً، وتجلس مردداً في سرّك ” عصفورٌ في اليد خيرٌ من عشرةٍ على الشجرة “؛ وتروح عيناك تروزان الساحة من علٍ كصقـر يبحث عن طريدة؛ فتشاهد المئات من الصبايا والشباب، وقد افترشوا الأرض أو المدرَّج الحجري دون تحـرُّج، وأقبلوا على وجباتهم السريعة أو نراجيلهم بشهية واضحة يُحسَدون عليها، وجلسوا يتأملون شجرة عيد الميلاد التي ازَّينتْ بحلتهـا القشيبة، ووقفت خجلى تنتظر قدوم عيد الميلاد على أحر من الجمر.

وإذا كنْتَ محظوظاً مثلي؛ فقد تعثر على “مرتبة ” من الإسفنج يؤمِّنها لك نادل مصريٌّ مشفوعة بغمزة خاصة وابتسامة ملغومة تدلان على أنه ينتظر منك ” إكرامية” لقاء فهلوته في تأمين “جلسة ملوكية” خاصة بك؛ فتندفع يدك إلى جيبك بتراخٍ خشية أن يتراجع عن ” مكرمته ” ويمنح ” المرتبة ” لشخص آخـر؛ فتخسر الجلسة الشاعرية المنتظرة وتلوي على نفسك نادماً، إذ الواقفون بانتظار ” شهامته” كثر، وهم على استعداد لمنحه مكافأة تفوق ما جادت به نفسُك ومرتَّبُـك المحدود.

وبعد ذلك تكتشف أنّ جلوسك على المرتبة ليس سهلاً، وأنها تفتقر إلى سطح مستوٍ أملس يمكِّـنك من الجلوس عليها بيسر وراحة، فقد غدا إسفنجها ملتفاً على نفسه لكثرة الاستعمال في مواضع كثيرة، ومتجمعًا ككرات البلياردو؛ وعندئذِ تتمنى لو أن المجال يسمح لك بإحداث شِقّ في ” كََفَــرِها الجلديّ ” السميك لتسوية كُـراتها، وجعْلِ إسفنجها مُسطَّحاً يسهلُ الجلوسُ عليه، وتكتشف أن العيون تحيط بك من كل جانب ، وأنَّ إقدامك على هذه الخطوة قد يُفسَّـر تفسيـراً سيئاً؛ ويسبِّب لك وجع رأس أنت في غنىً عنه؛ فتتراجع عن مغامرتك، وتقنع بما هو موجود، ثم تحاول الجلوس إلى المرتبة فلا تفلح، وتبقى قلقاً تحرك مؤخرتك إلى اليمين واليسار دون جدوى كمن أصيب بالتحسس، وأخيراً تقرر أن تتظاهر بقبول الأمر الواقع، فتطلب شايًا ساخناً يحصِّنك من البرودة اللاذعة التي أخذت تزحف إلى المكان، وتخيم على الساحة؛ فيعتذر منك النادل بلباقة، ويبين لك أن المشروبات الساخنة غير متوافرة في الساحة، وأن عليك أن تختار عصيراً طازجا أو جاهزاً إذا كنت راغباً في البقاء ضيفاً عليه؛ فتقرر الموافقة على الاقتراح الأول، وتطلب منه أن يؤمن لك الشاي من الداخل بطريقته الخاصة، وأنت تعلم أن الإكرامية ستزيد في هذه الحالة؛ ثم تُفاجَـأ بأن الشاي بارد؛ فتشربه على مضض بعد أن تنقد النادل ثمنه، وتتمنى لو أنك تملك القدرة على إعادته إلى النادل لتسخينه؛ فيُقال لك بلطف وكياسة: إن هذا هو المتوافر فقط، فإما أن تقبله أو تغادر؛ عندئذٍ تقرر الانتقال إلى سوق الجميرا القديم لتتخلص من الكآبة التي أخذت تغزوك، وتشعرك بوحشة المكان، وما إن تضع قدمك في المدخل حتى تحس بأن عقارب الساعة عادت بك إلى الوراء قرناً كاملاً، وأنك الآن تحتضن قطعة من التاريخ، وتتنفس هواءً نقيًّا سبق لك أن نعمْتَ بمثله في بلدتك القديمة؛ عندئذ تتمنى لو تفترش الأرض هنا فعلا، وتُترَك لتنعمَ بقيلولة هانئة لم يُتحْ لك الحصولُ عليها في مول دبي؛ حيث الفخامة تطغى على كل شيء، وتتذكّـر أن مرافقيك ينتظرون منك المتابعة للتعرف إلى المكان من الداخل، والاطلاع على معالمه؛ فتتحامل على نفسك، وتقرر استكمال الجولة دون حماسة شديدة.

وتشعر أنّ انعدام رغبتك ليس مرتبطًا بجمالية المكان الجديد، فدكاكين سوق الجميرا الصغيرة المكونة من الخشب الخالص، والتي تحرص على عرض مشغولات يدوية، قماشية وخشبية ومعدنية من عدة بلدان في مقدمتها الإمارات، توحي لك بالألفة والحميمية، وتشعرك بأنك في بيتك، أو في قريتك، وأنك لم تغادر أياً منهما، بل لا تزال تمشي في أزقتهما، أو تسلك زواريبهما الضيقة المتعرجة، ولا تزال تحظى بلقاءات أناسهم الطيبين، وتنعم بتحياتهم الطالعة من قلوب بيضاء صافية، لا تحمل حقــدًا أو كراهية إلا للأفندي أو الآغا أو البيك، أومن لف لفهم من سادة الزمن الآفل، وتتلقى، وأنت تتقدم في السوق، تحيات التجار المبتسمين بلغة عربية مكسَّـرة مشوبة بالرجاء، أو بلهجة شامية عريقة مفعمة بالود المصطنع؛ فيخيل إليك أنك تدرج في سوق الحميدية، أو تسلك السوق المسقوف في باب التبانة، وأنك لم تغادر سوق ساروجة وحي البزورية أو الصالحية أبدًا، ولا تزال تتفيّأ ظلال السنديان في غابات الفرلُّق وكسب، تشعر بأن المكان انداح فجأة، وغدا حضنًا يحتويك، وأنك تنعم بدفئه أنى اتجهْتَ وكيفما سرْتَ، وأنَّ بساطًا سحريًّا حطَّ فجأة على الأرض فلفَّك، وحلَّق بك في الأعالي، ثم سلكَ بك طريقًا سبق أن سلكتْه الجنية عاقصة في سيرة سيف بن ذي يزن، وتستفيق من حلمك فتفاجأ بوجوه التجار المبتسمين الناعسين تدعوك إلى تأمل معروضاتهم، وتتمنى لو أنك تملك القدرة على شراء تذكار أو تحفة خشبية أو مشغولة يدوية من كل أولئك الذين ربضوا أمام دكاكينهم ينتظرون الفرج، وتتذكر متحسراً أن العين بصيرة واليد قصيرة، وأنه ما من مقدرة لك سوى على الفرجة، أما الشراء فمؤجَّل دائماً، وتتعهد لمرافقيك كالعادة بأن تعود في يوم آخر لتشتري لهم كل ما اشتهته العين، ووقع موقعاً حسناً في القلب، وأنت تعلم أنك لن تعود إلا للفرجة من جديد، ثم تغادر وفي النفس حسرة، وفي القلب حزنٌ ضافٍ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This