من هم الولدان المخلدون في القرآن؟

لم يكن في نيّتي أن أعود إلى الكتابة عن مثليّة الإسكندر ذي القرنين، لذلك اكتفيت بالتعليقات القليلة التي أرفقتها بترجمة فصل من معجم التربية الجنسية في فرنسا الذي ألّفه ثلاثة دكاترة في الطبّ وهو أحد مراجع التربية الجنسية في فرنسا منذ سبعينات القرن الماضي. هذه التربية الجنسية الضرورية لا وجود لها في برامج التعليم في الدول العربية. (أنظر مقالي : “اللّواط من سقراط إلى فوكو، ومن ذو القرنين إلى بومبيدو” الصادر في إيلاف في 28 شباط 2008). لكنّ تعليقات القراء الأفاضل خاصّة تلك التي لاذت كالعادة بالإنكار، إنكار وجود المثلية في الإسلام تماما كما فعل الرئيس أحمدي نجاد الذي أجاب في ندوته الصحفية في نيويورك على هامش اجتماع الأمم المتحدة بأنّه : “لا وجود للمِثْليّين في إيران” وهم فيها أكثر من أيّ بلد علمانيّ آخر. وكان الإمام الخميني أعطى فتوى شرعية لشابّ مسلم إيرانيّ لإجراء عملية للتّحوّل إلى امرأة طبقا لرغبته. لذلك وجدتني مضطرّا إلى طرح موضوع المثليّة في القرآن والسنّة لتوضيح الأمر للقرّاء الأفاضل حتى يكونوا على بيّنة من هذا الأمر. فكفانا سكوتا عن المسكوت عنه، وهو الجنس والدين، نعمل كلّ شيء في الستر وننكر كل شيء في العلانية رغم أن العلم قد أزاح اللثام على كلّ مستور وأنطق كلّ مسكوت عنه.

هنا سأكتفي أوّلا بتأكيد أنّ ذا القرنين هو مائة بالمائة الإسكندر المقدوني المثليّ الشهير، ردّا على تعليقات بعض القرّاء الذين أفزعهم أن يكون هذا الرجل الذي سمّاه القرآن “ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا. إنّا مكّنّا له في الأرض وآتيناه من كلّ شيء سببا” (الكهف 18، الآيتان 83، 84). فقد أثبت المفسّرون المسلمون بما لا يدع مجالا للشّك أنّ ذا القرنين هو عينه المثليُّ السلبيُّ الإسكندر المقدونيّ الذي كان تلميذ المثليّ السلبيّ المازوشي الفيلسوف العظيم أرسطو (أنظر مقالنا آنف الذكر). اكتفيتُ بهذه الشواهد القليلة التي تثبت بما لا مجال للشكّ فيه أنّ ذا القرنين هو “الإسكندر العظيم” Alexandre le Grandكما دخل اسمه التاريخ. وها هو الباحث التونسيّ الكبير يوسف الصدّيق يثبت بشكل دقيق استنادا للمؤرخ بلوطارس Plutarque بأنّ المقصود بذي القرنين هو الإسكندر المقدونيّ. وإليكم ما قاله في حديثه مع الأسبوعية التونسية “حقائق” في عددها 79 – من 2 ديسمبر 2008 إلى 4 جانفي 2009 – وقد أجراه معه الصحفي التونسي رشيد زعفران : “… والأمثلة على التداخل اليوناني [في القرآن] عديدة جدّا. لنأخذ مثلا أوّلا: سليمان (…)، فنحن في ما يتعلق بالقرآن، بخلاف اليهودية، نعتقد أنّ سليمان نبيّ وملك، والتوراة تعتبره ملكا فقط. الإسلام أراد أن يبيّن لنا أنّ البعدين يلتقيان، البعد النبويّ والبعد الملكيّ يلتقيان في شخص واحد، ولكن يختلطان ويهدّد أحدهما الآخر، والعلاقة على هذا النحو تهدّد بميلاد طاغية. هذه الشخصية في التاريخ اللاديني موجودة، لذلك، وفي تقديري على الأقلّ، كان القرآن يخبرنا لفظا عن سليمان، ولكنه في الحقيقة يشير إلى طاغية أكبر حسب أنه سيملك العالم، وأنّ له من الله طغيانا وملكا: إنه الإسكندر الأكبر. لذلك استقى القرآن على الأقلّ في موضعين حياة الإسكندر حرفيّا من نصوص موجودة 8 قرون قبل محمد أقصد نصّي “لبلوطارس” وهو المؤرخ الذي أخذ عنه. النصّ الأوّل الآية “ووضعنا على كرسيّه جسدا ثم أناب”، هذه الآية يقابلها نصّ لبلوطارس ورد فيه أنه عندما مرض الإسكندر مرض الموت، رأى على عرشه رجلا يشبهه فتقدّم له هاذيا بالحمّى وسأله عن سبب وجوده على عرشه فأجابه بأنه بعثه هرمس للجلوس. النصّ الثاني من سورة (ص) كذلك: “وطفق مسحا بالسوق والأعناق”. هذا النصّ أيضا من تاريخ حياة الإسكندر، إذ كان له خيل عديدة، وقلق جنوده من الحرب، فأخذ أجمل الخيل وقتلها حتى يرضى الجنرالات ويغنموا، ولضمان درجة نسبية من الديمقراطية … ونجح. نفس الصورة نجدها عند سياق هذه الحادثة … وأخذها القرآن على علاّتها”. ناسبا إيّاها لسليمان، بينما المؤرخ بلوطارس ينسبها للإسكندر ذي القرنين كما هو ثابت في حقائق التاريخ.

والجدير بالذكر أنّ البحث العلمي التاريخي أثبت أنّ سليمان شخصية أسطورية ليس لها أيّ وجود تاريخيّ ونسبة الهيكل، الذي تدّعي إسرائيل اليوم أنه مبرّر للاستيلاء على كامل القدس الشرقية، إليه، أكذوبة قامت الأدلّة الأركيولوجية على تكذيبها وآخرها ما كتبه الأركيولوغ Israël Finkelstein في كتابه La Bible dévoilée (التوراة وقد أزيح عنها اللثام)، والذي يؤكد فيه أنّ علم الإركيولوجيا ينفي نفيا كاملا وجود شخصية تاريخية اسمها سليمان. أما الملك داوود فهو شخصية شبه تاريخية أي أنّ الأساطير حولها تتغلّب على الحقائق فيها.

وفي هذه المقالة سأقتصر على دلالة “الولدان المخلدون” في القرآن والسنّة ووظيفتهم في الجنة. فمن هم؟ وما هي وظيفتهم الأساسية في خدمة المؤمنين؟

تحدّث القرآن الكريم عن “الولدان المخلّدون” في ثلاث سور هي الواقعة والطور والإنسان: “على سرر موضوعة، متكئين عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مُخلّدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين” (الواقعة، 15-18)، “ويطوف عليهم غلمان لهم كأنّهم لؤلؤ مكنون” (الطور، 24)، “ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا” (الإنسان، 19). قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية : “ولدان مخلدون” أي باقون على ما هم عليه من الشباب والنضارة، والغضاضة والحسن، لا يهرمون ولا يتغيّرون ويكونون على سنّ واحدة على مرّ الأزمنة، إذا نظرتهم منتشرين في الجنّة لخدمة أهلها، خلتهم لحسنهم وصفاء ألوانهم وإشراق وجوههم كأنّهم اللؤلؤ. وقال الرازي في تفسيره :”أن هؤلاء الولدان ليسوا من أبناء المؤمنين، بل من أبناء الكفّر” وضمنا يتمتّع بهم المسلمون في الجنة كما يتمتعون بجواريهم في الدنيا. ومما يدلّ على أن الله قد خصّصهم للاستمتاع الجنسي يقول الرازي مضيفا : “وقوله (لهم) [ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون] أي مِلْكهم إعلاما بقدرتهم على التصرّف فيهم بالأمر والنهي والاستخدام”. و”التصرّف فيهم والاستخدام” ملاحظة الرازي هذه تأتي قياسا على أزواج المؤمنين الذين “يتصرفون” فيهنّ أيضا كما يشاؤون كما ورد في عدّة آيات من القرآن الكريم وتأكيدا لأن الولدان المخلدين مخصّصون للاستخدام الجنسي.

يقول الإسلامي والباحث المعروف محمد جلال كشك في كتابه “خواطر مسلم في المسألة الجنسية” (الطبعة الثالثة 1992، مكتبة التراث الإسلامي ، القاهرة، وهو منشور على مواقع الأنترنت): “ولا أظنّ أن أحدا يستطيع المجادلة في أن “الولدان” هنا هم غلمان وأنّهم يعرضون في مجال النعيم والتلذّذ … بجمالهم، كجزاء حسن للمؤمنين، مثلهم مثل الأباريق والخمر والفاكهة والطير وحور العين، كلّها للمتعة بما فيها من حُسْن. وإذا كان الولدان و”حور العين” هما الكائنان العاقلان، وحور العين ثابت في الأثر وبنصّ القرآن أنّهن للاستمتاع الجنسي. وكلّ الفَرق في الآية بينهنّ وبين الولدان هو أن حور العين لؤلؤ مكنون والولدان “لؤلؤ منثور” (ص 202). من الواضح من هذه الاستشهادات أن المسلمين قديما وحديثا فهموا أن الولدان المخلدبن يقومون بنفس وظيفة الحوريات في الجنّة. وقد ذهب المفكر الإسلامي علي شلق إلى أن القرآن أراد استمالة عرب شبه الجزيرة بمن فيهم المثليين، فوعدهم بالاستمتاع بالغلمان في الجنة أيضا إذا هم دخلوا الإسلام، مع العلم أن الدكتور جواد علي أكّد أن اللواط كان معروفا “عند الجاهليين أيضا كما هو عند جميع الأمم منذ القدم، وليس من المعقول استثناء الجاهليين من ذلك، بدليل ورود النهي عنه والتحذير منه في القرآن الكريم والحديث” (تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 5، ص 142)، كما ترجّح بعض الدراسات انتشار هذه الظاهرة بين الأرستقراطية القريشية (أنظر تركي علي الربيعو : العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية، المركز الثقافي العربي،1995، ص 119)، حتّى أن شاعرا مثليّا قال متغزّلا في غلامه :

لا شيء أحسن منه حين تبصره كأنه من جنان الخلد قد سُرقا

يدل هذا البيت على أن الشعراء ورجال الحديث والمفسرين متفقون كلهم على أن وظيفة “الولدان المخلدون” شبقيّة.

وإذا كان الولدان المخلدون يلبسون أساور من ذهب، والأساور لا تلبسها إلا النساء فهذه أيضا إشارة واضحة على أن وظيفتهم هي تمتيع المؤمنين باللذّة الجنسية في الجنة. وهذا موافق لمنطق القرآن الكريم، فقد وعد الذين يحرمون أنفسهم من خمر الدنيا بأنهار من خمر الآخرة. وكما قال الشيخ كشك: “كلّ المحرّمات في هذه الأرض تسقط في الآخرة” (نفس المصدر). فقد أخرج الطبراني عن أبي هريرة قال رسول الله (ص) : “من سرّه أن يسقيه الله عزّ وجلّ الخمر في الآخرة فليتركها في الدنيا ومن سرّه أن يكسوه الله الحرير في الآخرة فليتركه في الدنيا”. وهناك حديث نقله الغزالي عن علي بن أبي طالب (ض)، أخرجه الترمذي قال رسول الله (ص) : “إن في الجنة سوقا ما فيها بيع ولا شراء إلاّ الصُور من الرجال والنساء فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها”. يعلّق الشيخ كشك في كتابه : “وهو حديث عجيب معناه أن الرجل أو المرأة كلاهما يستطيع أن يغيّر صورته أو صورتها إلى نفس النوع ولكن أجمل وأبهى، وأيضا أنّ الرجل الذي يشتهي أن يكون امرأة أو يحسّ بأحاسيس المرأة يستطيع إن كان من أهل الجنة تحقيق رغبته بزيارة هذه السوق، والعكس صحيح للمرأة … فهنيئا للصابرين والصابرات والمتعفّفين في هذه الدنيا والمتعفّفات” (ص 210). ويضيف جلال كشك: “فالذي كبح شهوته وصان عفته وحفظ فرجه، ألا يستحق الجزاء؟ (…) فكما أن “حور العين” جزاء من اشتهى الزنا ولم يقربه من خشية الله، فكذلك “الولدان” جزاء من اشتهى [الغلمان] وعفّ” (ص 214). فتفسير الشيخ كشك لآيات “الغلمان المخلدون” دقيق لأنه يتماشى مع منطق القرآن الذي ينهى المؤمنين عن بعض لذائذ هذه الدنيا الفانية ويحلّلها لهم في الجنة. ومع محمد جلال كشك الحقّ كلّ الحقّ عندما كتب: “إن قضاء الوطر ونيل اللذة والتمتع بها، هذه وحدها هي الفائدة التي في الجنة… تحديد اللذة في حدّ ذاته وجعلها هي الأصل وهي المنتهى. ففي الجنة تنعدم الأهداف الأخر… ولا يبقى إلا اللذة للّذة…” (ص 32). وهذا القول مرادف لما كتبه قبله بقرون ابن القيم الجوزية: “فمن ترك اللّذة المحرمة للّه استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون” (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ص 166)

ونختم باقتباس ما جاء عند الحافظ جلال الدين السيوطي في كتابه “نواظر الأيك في فوئد النيك” ص 64 : “قال ابن عقيل الحنبلي: جرت مسألة بين أبي علي بن الوليد المعتزلي وبين أبي يوسف القزويني في إباحة جماع الولدان في الجنّة، فقال ابن الوليد: لا يمتنع أن يجعل ذلك من جملة اللذات في الجنة لزوال المفسدة …”.

وها قد أثبتنا بالشواهد القاطعة أن المثليّ الإسكندر المقدوني الذي مجّده القرآن هو نفسه الفاتح اليونانيّ الكبير الذي دخل اسمه في التاريخ العالمي باسم الإسكندر العظيم، كما أثبتنا أن المثليّة مباحة في الجنة كأحد ألوان النعيم التي ينعم المؤمنون فيها. كل ذلك خدمة للعلم والثقافة الإسلامية وفهم تاريخنا الإسلامي على حقيقته، بعيدا عن الأساطير والتشويه المتعمّد الذي يمارسه عليه البعض لحاجة في نفس يعقوب. على من يتوهمون القدرة على ستر حقائق النصوص والشخصيات الدينية أن يفيقوا من أوهامهم، فقد وفّر البحث العلمي المعاصر أسبابا هائلة لم تعرفها البشرية في كل تاريخها، لفهم ما كان يُعتبر ألغازا دينية وأوجد لها هذه المعجزة السحرية التي اسمها الأنترنيت لجعلها في متناول كل إنسان. والحق مع الباحث المصري سيّد ياسين الذي قال: “بإمكان كل إنسان أن يصبح عالما موسوعيّا بفضل الأنترنيت”. فكفانا سياسة النعامة ولنقرأ قرآننا الكريم وسنّتنا الشريفة كما نقرأ في كتاب مفتوح.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق