من هو الملحد في مشروع الخلق الإلهي؟

يبيّن المعجم أنّ الملحد هو الطاعن في الدين، المائل عنه.

وحيث تشكل هذه الدلالة (الإلحاد)، الشغل الشاغل لرجل الدين، سنتعقبها بمتابعة تكليف البشر لتحقيق مصالحهم في المشروع الإلهي حسب البيان القرآني، حيث يتأسّس التكليف هنا على مرتكزين استراتيجيين:

الإيمان بالله
العمل الصالح
كما هو مبين في (سورة النور/آية55): وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض.

إنهما إذن شرطان لازمان لمهمة منوطة بالبشر(جميعهم)في تنفيذ التكليف الإلهي بإعمار الأرض وحفظ الكليات في (الدين، النفس، النسل، العقل، المال) التي تقوم عليها الحياة وجودا ً واستمرارا ًوتتحقق عندئذٍ مصالح البشر(العباد)، بما هو دين الله.

وبالتالي فتخلّف تحقيق هذين الشرطين (أحدهما أو كليهما)، يعني تخلف تنفيذ المشروع الإلهي، على حساب دين الله، ما يعني استتباع شيوع الإلحاد والكفر كمحايثة ومباطنة للمشروع الإلهي خلقا ً وتكوينا، وسنعثر بتعقبنا لمسار هذا المشروع على ثنائية(دين/إلحاد) أو(دين الله/دين الكافرين)، ملازمة له في مرحلتين:

{{1- المشروع الإلهي وخلق آدم:}}
لقد أسكن الله آدم الجنة مع زوجته مطلق المشيئة في العيش والرغد، لكن آدم ( كادر وعماد) المشروع الإلهي، قد قام بثاني خرق تاريخي لأوامر الله ونواهيه، حينما اقترب من الشجرة التي نهاه الله عنها، واستلزم عندئذٍ تنفيذ ثاني عقاب، بأن طرد الله آدم وأهبطه على الأرض وصيّره ظالماً (سورة البقرة/آية35 و36 ، وسورة الأعراف آية 24)، وذلك بعد أن طرد الله الشيطان من الجنّة (رجيما، ملعونا ً إلى يوم الدين سورة الأعراف آية13و18 ). كأوّل عقاب على خلفية الخرق التاريخي الأوّل لأوامر الله ونواهيهه بعدم سجوده لآدم
وهنا،واجه المشروع الإلهي من بدايته، تحدّيين مهدّدين:

اهتزاز ثقة الله بمخلوقه البشري(آدم)، الذي عصى ربه فغوى(سورة طه آية121).
المقاومة والمشاغلة الشيطانية للمشروع كما جاء تحديا على لسان الشيطان بأنه سيغوي البشر أجمعين(سورة ص/آية 82)
وهذان التحديان شكّلا المادة الأولية التي تركّب منها (الإلحاد والكفر)، ولا بدّ من حلّ إلهي ليعاد إطلاق المشروع، وهنا اجتبى (استخلص)الربّ آدم وتاب عليه وغفر له وهداه(سورة طه آية 122).

{{2.المشروع الإلهي وذرية آدم: لقد استغرق المشروع الإلهي في هذه المرحلة فترتين:}}

2-1 : منذ بداية خلق آدم وحتى انقطاع الوحي بنزول آخر آية قرآنية على النبي محمد: حيث قيّم الله المشروع الإلهي من خلال إحصائية تفيد بأنّ كثيراً من ذرية آدم فاسقون، وذلك كما بيّنته الآيات التالية:
-(ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون). سورة الحديد/آية26

-( ثم قفّينا على إثرهم برسلنا وقفّينا بعيسى ابن مريم وأتيناه الإنجيل، وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون) سورة الحديد/آية 27.

لم يكن المشروع الإلهي ليصل إلى هذه النتيجة (كثرة الفاسقين في ذرية آدم) لولا امتلاك الشيطان، واستحواذه على إمكانية إغواء البشر تحت سمع وبصر الله ورسله وأنبيائه، ذلك أنّ ذرية آدم (قوم نوح وعاد وثمود ولوط وموسى وعيسى ومحمد….الخ) الغاوين، قد واجهوا أنبياء الله ورسله بالسخرية والتكذيب والتشكيك والمناورة والمحاججة والأبلسة والقتل، وبالتالي فإن ما عزم عليه الشيطان في نهاية المطاف وقاله في سورة ص/آية 82 (فبعزتك لأغوينهم أجمعين)قد نفّذه، وصار نهجه الشيطاني حينئذٍ حالة تنظيمية نوعية( حزباً) في مواجهة حزب المؤمنين(حزب الله)، ليتبيّن لنا بأنّ ثنائية المواجهة الأولى في بداية خلق آدم (إبليس /الله)، المعادل الموضوعي لثنائية(إلحاد/إيمان)، أو ثنائية(كفر/دين)، آلت بعد زمن طويل من انطلاق المشروع الإلهي إلى ثنائية(نبي/عدو) حيث جعل الله لكل نبي عدوّا وقام بتحديد وتقييد صلاحيات الرسل والأنبياء في حدود التبليغ والتبشير، كما آلت إلى ثنائية مواجهة مستمرة(حزب الشيطان/حزب الله)، تموضعت فيها قوى فاعلة في ميزان العصيان الشيطاني وذلك على أرضية المعطيات والخيارات التي يملكها الله معرفة وفعلاً في مشروعه وهي:
قدرته على جعل الناس أمّة ً واحدة وهداية وتضليل من يشاء، لكنه(هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن(سورة التغابن/آية2) .
التمييز الذي خص الله به بني آدم عن سائر خلقه(لقد كرمنا بني آدم، حملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير مما خلقنا تفضيلا. سورة الإسراء/آية70)
قدرته على حفظ وحيه وكتبه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون. سورة الحجر /آية9)
العقاب والبطش والانتقام(يوم نبطش البطشة الكبرى، إنا منتقمون. سورة الدخان/آية16) وتغيير الذرية واستبدالها برمتها( ألم تر أن الله خلق السموات والأرض بالحق، إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ٍ جديد. سورة إبراهيم/آية19
ويبدو أن الله أمام هذا الوضع الذي يغشاه الفسق والضلال لن يتدخل لإحداث التغيير الإيجابي المطلوب في ذرية آدم (تحقيق مصالح العباد) ما لم تقم هذه الذرية نفسها والتي تنطوي طبيعتها على الظلم والكفر،(وأتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار، سورة إبراهيم آية34) بالتغيير الذاتي في نفسها وذلك حسب منطوق الآية 11 من سورة الرعد(….إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم….)، وسيجد البشر أنفسهم بهذا الشرط الإلهي على أبواب المرحلة الثانية من مسيرة الحياة وقد ساد الكفر والإلحاد تحت سمع وبصر الله ورسله وأنبيائه.

المرحلة الثانية: منذ انقطاع الوحي والرسل والأنبياء وحتى الآن: ستتابع ذرية آدم منذ الآن الحياة البشرية في حالة مستقلة ومحفوفة بالمعطيات التالية:
عدم تدخل الله لصالح البشر ما لم يغيروا ما بأنفسهم
عدم وجود أنبياء ورسل ووحي
تنزيل الله الكتاب تبيانا لكل شيء وإتمام الدين، ما ينزع الحجج والذرائع من أيدي البشر إذا ما أرادوا ربط تنفيذ التكليف الإلهي بغموض ما أو نقص في الرؤية والتصورات.
والآن بعد مرور مئات السنين على إتمام الله لدينه وانقطاع الوحي، لم يستطع البشر تنفيذ المشروع الإلهي المرتكز على الإيمان بالله والعمل الصالح، وتحقيق النتيجة المطلوبة والوعود المقطوعة في منطوق الآيات التالية:

إن الأرض يرثها عبادي الصالحون(سورة الأنبياء/آية105)
وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض(سورة النور/آية55)
– ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين(سورة القصص/آية5)

الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية(سورة البينة/آية7)
ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين(سورة آل عمران/آية85)
وإذا أخذنا الظاهرة الدينية على الأرض (2009) من حيث تعداد المنتسبين لكل دين نجد أنه يوجد:

2 مليار مسيحي، و 1.5مليار مسلم، و900مليون هندوسي، و400 مليون بوذي، و24 مليون سيخ، و16مليون يهودي وغيرهم.

وداخل هذه الظاهرة نجد تردي الحالة الآدمية حيث شيوع واستفحال الفقر والجوع والأمية والجهل والمرض، والموت الجماعي وخراب البيئة الطبيعية، ما يجعل الأغلبية الساحقة المستضعفة من هذه المليارات البشرية(ومنهم المسلمون) محرومة من أبسط مقومات الحياة، ولم يجعلهم الله أئمة ً ولم يجعلهم الوارثين، كما وعدهم الله، في حين يصول الذين يكنزون الذهب والفضة(أغنياء الأرض) في طول الأرض وعرضها وينعمون.

والآن أمام هذه النتيجة الثالثة لحالة البشر في المشروع الإلهي، بعد النتيجتين(الأولى، عصيان آدم لأوامر الله ونواهيه، والثانية، كثرة الفسق بين البشر)، فما عسانا مستنتجين(منطقيا ً) سوى أنه إذا كان البشر لم يفلحوا في الإيمان والعمل الصالح مع وجود أنبياء ورسل بين ظهرانيهم، ووجود وحي إلهي ينزل من أجل هدايتهم ومصالحهم، فكيف سيفلح البشر بذلك، مع غياب الوحي والرسل والأنبياء من جهة ووجود رجال دين على الأرض ارتكبوا الأفعال التالية من جهة ثانية:

مارسوا الوصاية والوكالة والسيطرة الدينية والدنيوية على أتباع الدين(كل في دينه وطائفته)، وكرّسوا تذرير المجتمعات والطائفية من خلال مؤسسات دينية تبوّؤوا رئاستها، دافعين الناس غصبا إلى التدين متجاهلين أن الله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء ومتجاوزين بذلك حتى الحدود والصلاحيات المقيدة التي خصها الله برسله وأنبيائه(تبليغ، تبشير…..الخ)
وضعوا العناوين العريضة والشعارات الدينية الكبرى وقدموا الرايات والغطاء الإيديولوجي للمعارك الكبيرة والمزمنة التي خاضها السياسيون تاريخيا ولا يزالون باسم الدين، فتمّ سفك الدماء والدمار والخراب وهدر الكليات الخمس، والحياة.
قدموا الإفتاء المطلوب لتكفير من يشاؤون واتهامه بالإلحاد وهدر دمه.
والآن فإنّ رجال الدين والحالة هذه يعتبرون أنفسهم مؤمنين ويعملون الصالحات، والسؤال الذي يطرح نفسه من أين لهم هذا الإيمان؟ ومن أغدقه وأنعمه عليهم؟ في ظل غياب الوحي والرسل مصدر المعرفة الديني الأساس، وفي ظل فشل البشر في تنفيذ المشروع الإلهي، ما يعني عدم تمكن البشر من تغيير ما بأنفسهم وعدم إيمانهم وعدم قيامهم بالعمل الصالح.

فرجال الدين بشر ككل البشر، لم يكلفهم الله ولا رسله وأنبياؤه سوى أن يغيروا ككل البشر ما بأنفسهم(تحت طائلة كفرهم وإلحادهم) حتى يتدخل الله ويغيرهم.

فرجال الدين لن يكونوا رسلا ً أكثر من الرسل الذين كلفهم الله بصراحة النص في مشروعه وبقي الفسق كثيرا ً، فكيف برجال الدين الذين لم يرسلهم أحد لا مبشّرين ولا منذرين؟!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This