من وحي 8 مارس: هل تستكثرون علينا جمعية واحدة للدفاع عن مكتسباتنا؟ / عادل الحاج سالم

أربع سنوات مرت على المطلب الذي تقدّمت به نخبة من المثقفين التونسيين لإنشاء جمعية ثقافية للدفاع عن اللائكية في تونس دون أن يحظى مطلبهم بأدنى جواب..والحقيقة أنّ هذا الصمت المتواصل من الإدارة التونسية يطرح أكثر من سؤال، لا حول الموقف من اللائكية وحده بل وأساسا حول قانون الجمعيات.

لقد عبّرنا في الوحدة وعلى مرّ السنوات على أولويّة إصلاح القوانين المنظمة للحياة العامّة في تونس، باعتبار هذا الإصلاح مدخلا أساسيا ولا غنى عنه لتطوير الحياة السياسية في البلاد، وهو الإصلاح الذي لا تتردّد التشكيلات الحزبية المختلفة بما فيها الحزب الحاكم وهيئاته القيادية على التنويه بضرورته.. كما عبّرنا عن أولويّة قانون الجمعيات بين هذه القوانين، لأنّ حياتنا الجمعياتية للأسف الشديد تفتقر إلى الحيوية المطلوبة والتي يستحيل في غيابها أن نطمح إلى حياة سياسية متطوّرة.

فلا يغيب عن المتابع للنشاط الجمعياتي في تونس أن العدد الأكبر من الجمعيات المرخّص لها لا وجود فعليا لها إلا على الورق، وإن وجد بعضها ففي شكل هيئة تكاد تكون صورية أو في شكل مكتب وسكرتيرة وجهاز فاكس..وأن العديد القليل من الجمعيات ناشط فعلا ومشعّ، وعدد من هذا العدد القليل يمكن أن ننعتها بأنها جمعيات مستقلة فعلا، وتدفع ثمنا لاستقلاليتها بأشكال مختلفة. ولا يغيب عن المتابعين أنّ عديد الهياكل الجمعياتية والمنظماتية غائبة عن الفعل- على أهميتها نظريّا- لأنها لم تنشأ عن مبادرات شخصية واهتمامات فعليّة بقدر ما كانت “مفروضة”، فصار وجودها عائقا عوضا عن أن تكون فاعلة، فمن يتأمّل مثلا تزايد حالات العنف في الوسط المدرسيّ، لا يمكنه إلا أن يتساءل عن منظمات وجمعيات يفترض أن تكون فاعلة في هذا الوسط ممثلة للأولياء وواسطة مع سلك التدريس والإدارة، لكن ما هو موجود فعلا منظّمة ؛ الانخراط فيها مفروض على كلّ الأولياء- ومنهم أنا- لكنّ نشاطاتها وندواتها وهياكلها كأنها في كوكب آخر.. وهي منظّمة مقتدرة ماليا بحيث يمكن لها تشغيل عشرات الاختصاصيين النفسانيين ليتولوا تأطير التلاميذ وحتى المدرسين في الوسط المدرسي..لكنها لا تفعل، بل حتى المدرّسون الذين تنتدبهم هذه المنظمة في المدارس المقامة بأموال “منخرطيها الإجباريين” يحظون بسوء المعاملة من حيث التّأجير والترقيات …

ومن يتأمّل وضع طلبتنا وطالباتنا في الجامعات والصعوبات التي يلاقونها في السكن أو العمل الجزئيّ او تدبّر المصاريف الدراسية، لا يملك إلا أن يتساءل لماذا لا توجد جمعيات ومنظمات خيرية تتولى تأطير وتبنّي هؤلاء أو جزء منهم على الأقلّ تخفيفا على الدولة من أعبائهم، وتمكينا للمواطنين من الإسهام في عمل خيريّ؛ باسم المواطنة كان هذا الإسهام أو باسم الصدقة أو حتى الزكاة، فالأهمّ هو توظيف تلك الأموال عن طريق متطوّعين.. وأن تحلّ إشكالا حقيقيا بإسكان الطلبة والطالبات والإسهام في مصاريف دراستهم، وصيانتهم من أيّة تداعيات اجتماعية ونفسانية وسلوكية خطيرة..لكنّ الإطار القانونيّ لا يتّسع لمثل هذا، وإن اتّسع فلا نستغرب تضييقه من بعض الإداريين هنا وهناك الذين “تعوّدوا” أن لا يعطوا تأشيرات الجمعيات إلا لمن “يأمنون” جانبه من أنصار حزب واحد أوحد…

إنّ المواطنة قيمة ليست للمراجعة، ولا نتصوّر إمكانية لإحراز مكان تحت شمس الحداثة والتطوّر إذا ما بقيت الجمعيات على الحال التي هي عليه، ولا يمكن لنا الطمع في تطوير نسيجنا الجمعياتي إذا بقيت التأشيرات امتيازا يسند إلى “المتحزّبة قلوبهم”، وإذا بقيت السلطة التنفيذية صاحبة اليد الطولى في التأشير لهذه الجمعيّة دون تلك بالمعايير نفسها التي كتبت بها نصوص قانون الجمعيات سنة …1959، والحلّ كما قلنا في أكثر من مقال وندوة في كراسات شروط ، ولا يمكن إلا للسلطات القضائية منع نشاط ؛ ندوة كان أو لقاء، أو حظر جمعية إلا بحكم قضائيّ.

لم لا يرخّص لجمعيّة للدفاع عن اللائكية؟

نحتفل في الأسبوع القادم باليوم العالمي للمرأة، ومن الغريب أنّ الاحتفال بهذه لم يعد إلا احتفاء يستمرّ طيلة يوم في بعض المنابر والصحف، لننسى الأمر بقية أيام السنة..ونواصل في مسلسلاتنا وبرامجنا الرياضية وصحافتنا الصفراء أو المصفرّة الحديث عن المرأة بصفات وعبارات تعود إلى عهود غابرة، ونعود في شأننا اليومي إلى تمجيد الذكورة والتعامل مع المرأة كعار اجتماعيّ محتمل أو وليمة محتملة، أو كائن نال “حقوقا” قانونية لا يستحقّها، أو ربّما يمتعنا بعض مرضى الخيال بإشاعة قديمة متجدّدة عن احتمال عودة الزواج بأكثر من واحدة…

إنّ مكاسب المرأة التونسية تستحقّ أكثر من يوم واحد للاهتمام سنويا، وتستحقّ خطابا متطوّرا في إعلامنا خاصّة الرسمي منه أعلى من خطاب “نريدكم رجالا” الذي يتصدر صفحاتنا عند مقابلات كرة القدم، وتستحق نماذج في مسلسلاتنا غير نماذج المرأة التابعة الوفية “الصابرة الحاشمة”، أو المستهترة بكل أخلاق..ويمكن أن ندّعي بكل فخر واعتزاز أنّ مجلّة الأحوال الشخصيّة مكسب وطنيّ..لائكيّ..وأنّ هذه اللائكية اليوم مهدّدة وتحتاج إلى جمعية وجمعيات للدفاع عنها..

كما يمكن أن نعتبر أنّ الاختلاط في مدارسنا وجامعاتنا وإداراتنا من المكاسب، التي تعكس عقلية لائكية صارت اليوم مهدّدة، تحتاج جمعيات وأحزاب للدفاع عنها..أمام فيض الفتاوى المغرية لشبيبتنا بتحريم، بل وتحليل دماء دعاة الاختلاط، كما أتحفنا أحد الشيوخ في الأسبوع الماضي..

ويمكن أنّ نعتبر أنّ أمهاتنا وأخواتنا وزوجتنا وبناتنا نزعن الحجاب بمعناه التقليدي أي البقاء في البيت، وبمعناه “المستجدّ” أي الاتقاء بخمار أو برقع، دون أن يصرن مستهترات..وهذا إنجاز لعقلية لائكية تستحق منا رعاية وعناية ودفاعا في ظلّ دعوات تخترق علينا بيوتنا ، وتجعل ملائكة من بناتنا في السادسة أو السابعة من أعمارهنّ يتساءلن غن كانت أمهاتهنّ “كافرات” لأنهن لا يلبسن حجابا..

إنّ التخلّف المتحجّب والمتبرقع بالخطاب الديني لا يكلّ ولا يملّ من اختراق حياتنا اليومية، مشكّكا أبناءنا وبناتنا في مسار اختارته البلاد منذ استقلالها، ونفخر كما قال أستاذنا عبد المجيد الشرفي بأنّنا متقدّمون فيه على اليابان نفسها،ألا وهو تحرير المرأة التونسية من الوضعية الدونية قانونا وممارسة.إنّ أبناءنا مستهدفون عبر القنوات التلفزية والمواقع الاجتماعية على الأنترنت، وفي مدارسنا وإداراتنا وحتى على صفحات جرائدنا والمسلسلات التي نقتنيها بأموالنا العمومية..ومستهدفون بالأصولية المعولمة التي تأتيهم من الأرض والجوّ صانعة” أبطالا” من نوع بن لادن والزرقاوي والطواهري، الأصولية التي فتحت وتفتح لنفسها نوافذ في مجتمعنا، لا ندعو إلى قمعها، ولكن …هل تستكثرون علينا جمعية واحدة تدافع عن العلمانية، وتؤكّد في الوقت ذاته على احترام الدين والمتديّنين؟؟؟

عن جريدة الوحدة- تونس- العدد680- 07مارس2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق