من ينتصر.. التكفير أم التفكير؟ / كرم الحلو

أي فرقة هي الناجية؟ هل العقل هو مؤجج الخلاف بين البشر؟ هل النص وحده هو سبيل الوفاق والاتفاق؟ من كان على حق، ارنست رينان أم الأفغاني؟ هل صحّت توقعات الأول حول التطرف الديني الإسلامي؟ لماذا ازداد النبذ للآخر؟ أيبقى التعامل مأزوماً بين حضارتين مختلفتين، شرق من جهة وغرب من جهة؟ متى ننتقل من مجتمع التكفير الى مجتمع التفكير؟ وأسئلة أخرى تجيب عليها مراجعة كتاب الدكتور محمد الحداد.

لا يزال الفكر الديني في عالمنا العربي حتى هذا القرن عالة على الغزالي وابن تيمية، ولا يزال المثقف بالمعنى الحديث يواجه بفتاوى التكفير والهرطقة، أو ينتهي إلى الصمت والتهميش تعبيرا عن يأسه وإحباطه في مجتمع لا يقدّر المعرفة المبدعة.

وكي لا تظل تطاردنا لعنة التوحيدي الذي انتهى به الأمر الى إتلاف كتبه والعيش غريبا بين الغرباء، لا بد من تحقيق نقلة نوعية من مجتمع التكفير الى مجتمع التفكير، وتوسيع دائرة الحوار داخل المجتمعات العربية الإسلامية، باعتبار أن الحوار هو القدرة على تحمل الرأي المختلف والمخالف، وهو المواجهة السلمية بين إمكانات تأويلية مختلفة تسعى إلى تضييق فرص اللجوء إلى الصدام سبيلا لتغليب معنى على آخر وأطروحة على أخرى، بما يفضي في نهاية الأمر الى تحقيق بعض الوفاق بين البشر.

على أساس هذه المقدمات الأولية، عرض محمد الحداد في كتابه «قواعد التنوير»، لإشكاليات أساسية كبرى تشكل القواعد المؤسسة لبنية الفكر العربي الإسلامي ولا تزال إلى الآن تضغط على توجهاته الايديولوجية.

تناول المؤلف عقيدة الفرقة الناجية التي تحولت على مرّ الأزمنة والعصور إلى بنية ذهنية تتحكم في طريقة التفكير السائدة. وقد ترتب عليها اعتبار الاتباع الموقف الأفضل لضمان صحة الرأي، وتاليا، ضرورة انصهار الفرد في الرأي الغالب بين الجماعة، والتعامل مع العقل بوصفه مؤججا للخلاف بين البشر، فيما النص هو سبيل الوفاق والاتفاق. واستعاد في هذا السياق رد محمد عبده على عقيدة الفرقة الناجية، شاهدا على تهافت هذه العقيدة من داخل المنطق الديني والعقل التراثي، وعلى أنه لا تجديد ولا حوار ولا تنوير ما لم يتم التخلص منها، ومن انعكاساتها على العقل العربي والمسلم في تعامله مع قضايا الفكر والسياسة والمجتمع.

اتخذ المؤلف من المناظرة التاريخية بين الفيلسوف الفرنسي أرنست رينان وجمال الدين الأفغاني نموذجا للقراءة الأبوية للنصوص، والتعامل معها باجتزاء مخلّ بمضمونها الحقيقي. فالشائع أن رينان وجه الاتهامات للإسلام، فانبرى الأفغاني للرد عليه. لكن من حق القارئ العربي أن يطلع على نص المناظرة الأصلي، بعد أكثر من قرن عليها، خصوصا أن ما يحدث اليوم يشبه كثيرا المناخ الذي حدثت فيه تلك المناظرة. فالأشخاص الذين وصفهم رينان ما زالوا موجودين بأعداد مهولة. وقد كادوا يحولون أقطارا عربية حمامات دماء لا تنتهي.

بالفعل تحدث رينان عن انغلاق المسلمين ومعاداتهم للعلوم الحديثة ولروح العصر واتهامهم الفلسفة بأنها نشاط دخيل على الحضارة الإسلامية. وقال إن الخلفاء الذين شجعوا العلوم والفنون لم يتخذوا قدوة للخلف من المسلمين، وأن الأفكار الفلسفية العظمى التي نشأت مع الإغريق لم تلق الخطوة في العالم الإسلامي، وعُدّ معتنقوها خارجين عن الدين الحق.

مما لا شك فيه أن محاضرة رينان تحتوي على أخطاء كثيرة، وهي تقوم على تفسير عرقي كان سمة العصر الذي عاش فيه، وقد ساقه الى معاداة الجنسين العربي واليهودي. وإذا كان الأفغاني قد أبطل في رده نظرية العجز الهيكلي عن الإصلاح في الحضارة العربية الإسلامية، إلا أنه لم ينف وجود التعصب الإسلامي في الماضي والحاضر. فتوقعات رينان حول حدة التطرف الديني الإسلامي قد صحّت. ولكن السؤال المطروح هو لماذا تواصل التطرف حتى اليوم بالدرجة نفسها التي وصفها رينان، بل انه ازداد عمقا وقوة؟

إن القرن الذي يفصلنا عن تاريخ المناظرة بين رينان والأفغاني يقدم لنا بعض الجواب. فالثقافة الغربية سارت باتجاه تعديل صورتها عن نفسها وعن الآخرين والتخلص من غلوائها ومركزيتها، فأبرز مؤرخون ومفكرون غربيون عديدون مثل غوستاف لوبون وبروكلمان وميتز وغيرهم الدور الكبير للحضارة العربية الإسلامية في التاريخ البشري. بينما نجد الثقافة العربية الإسلامية في المقابل تتجه الوجهة النقيض، فتحولت المطالبة بالإنصاف في قراءة تراثها وماضيها الى نبذ قوي للآخر، وضاعت قضية الإصلاح في خضم الحملات المسعورة ضد الغرب والغزو الثقافي الغربي، ولم نستفد من التعاطف الذي حظينا به بعد التحرر الوطني لنبني خطابا يمكن أن يقنع الآخر.

وإذا كانت المناظرة بين رينان والأفغاني في القرن التاسع عشر قد قدمت صورة للتعامل المأزوم بين موقفين حضاريين مختلفين، فإن محاضرة البابا بيندكت السادس عشر عام 2006 في جامعة ألمانية، حيث ربط بين الإسلام والعنف، ثم مظاهر الاستياء التي أثارتها في المجتمعات الإسلامية، تقدّم مثلا آخر راهنا لأزمة عميقة في الرؤية الحضارية وفي قراءة الوقائع التاريخية التي لو راجعها قداسة البابا لوفّر كثيرا من الجدل والاحتجاجات.

ذلك ان كل ما ورد على سبيل الإشارة والتلميح بشأن التاريخ الإسلامي يمكن سحبه أيضا، في رأي المؤلف، على المسيحية. فكل الديانات تحمل تاريخا يمتزج فيه السلم والحرب والعقل والانغلاق والتسامح والعنف. ومن الواقعي الإقرار بأن تاريخ الإسلام هو مزيج من ذلك جميعا، ومؤرخو المجتمعات المسيحية لا يقلون تأكيدا على الأمر نفسه، فيتعين على رجال الدين من الطرفين أن يتقيدوا بنتائج التاريخ وأن لا يشتطوا في توظيف الذاكرة في المجالات العقدية. وقد بيّنت المعطيات التاريخية في الجانبين المسيحي والإسلامي خطأ الرؤية الجوهرانية التي تربط القضايا بجوهر دين ما أو ثقافة ما. ومن هنا لا يصح القول إن الفكر الإسلامي كان يرفض الفلسفة دائما والفكر المسيحي قد قبلها دائما، إذ عرفت الفلسفة تعاقب الازدهار والانحسار في كلتا الحضارتين الغربية والإسلامية.

فكان الأجدى إذاً تشجيع المسلمين على تأويل ماضيهم بما يناسب الحداثة، والأفضل تجاوز ما يمكن تجاوزه من القضايا الخلافية في إطار دورات جديدة من الحوار المسيحي الإسلامي.

يصل المؤلف في خاتمة كتابه إلى ما يشكل ملخصا لقواعد التنوير الضرورية للانتقال من مجتمع التكفير الى مجتمع التفكير. وأولها التخلي عن عقيدة الفرقة الناجية، والإقرار بأن الاختلاف بين البشر هو القاعدة. وثانيها أن الذات لا تدرك إلا في مرآة الآخر. وثالثها أن صحة الرأي تقاس بقوة الاستدلال فقط، وأن الجموع ليست مصدرا للحقيقة. ورابعها أن كل فتوى تتضمن التكفير أو تؤدي اليه هي فتوى باطلة. وخامسها أن الإبداع ليس ضلالة، فكل مألوف في أول عهده كان جديدا.

لا يسعنا أخيرا، إلا أن نقدّر الجهد البحثي الذي بذله المؤلف بإماطته اللثام عن خفايا إشكالين إيديولوجيين كبيرين بين الفكرين المسيحي الغربي والعربي الإسلامي، بما أسقط كثيرا من الأوهام الايديولوجية الشائعة والفاعلة في الحراك السياسي الجماهيري. بيد أن هذا لم يعف المؤلف من أخطاء كبيرة انساق إليها. فقوله ان «قضية تحرير المرأة أو حرية الاعتقاد قد اعتبرتا ثانويتين وهمّشتا في كل الخطاب النهضوي» يكشف عن قصور فادح في الإلمام بهذا الخطاب. إذ لو كان المؤلف ملماً بخطاب بطرس البستاني «في تعليم النساء» عام 1849 أو بآراء أحمد فارس الشدياق في «الساق على الساق» عام 1855 أو بآراء فرنسيس ومريانا مراش في ستينيات القرن التاسع عشر، ثم قاسم أمين وغير هؤلاء أواخر ذلك القرن، لأدرك تسرعه في أحكامه. ولو كان قد اطلع على مواقف البستاني والشدياق والمراش وفرح أنطون من حرية الاعتقاد، لكان تراجع، أو عدّل على الأقل، في هذه الأحكام.
كما لو كان قد وصل اليه كتابا فرنسيس المراش «دليل الحرية الإنسانية» 1861 و«غابة الحق» 1865 لأيقن أن مسألتي «الحرية الفردية» و«حكم المؤسسات» كانا في صلب تفكير هذا الرائد النهضوي.

وكذلك قول المؤلف ان «فكر النهضة العربية يفتقد الى العقلانية، وانه كان رد فعل على فكر آخر ولم يكن إنتاجا ذاتيا» يطمس الوجوه الإبداعية والأصيلة في فكر النهضة، والمكانة التي أولاها بعضهم للعقل، وصولا الى القول بمرجعيته حتى في الأمور الدينية واللاهوتية مع النهضويين أحمد فارس الشدياق وفرنسيس المراش وقد دفعا ثمن موقفهما تكفيرا وتشريدا وتهديدا بالقتل.

الكتاب: قواعد التنوير
المؤلف: محمد الحداد (تونس)
الناشر: دار الطليعة 2009 ـ بيروت

عن جريدة السفير 21/6/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق