مهرجان كان: عن غياب الأفلام العربية

الآن وقد انتهى مهرجان كان السينمائي ورجع كلّ من حيث أتى، ماذا يمكننا كنقّاد عرب أن نقول عن غياب الأفلام العربية؟ هل نكتفي بما يتردد كلّ سنة على أعمدة صحفنا ومجلاتنا من أن ذلك راجعٌ قطعا إلى إقصاءٍ متعمـَّد لا يستثني إلا من حدّثته نفسُه بالتخلّي الدنيء عن أصول أصالته في مُجاراةٍ رخيصة للثقافة الغربية؟ أو ما يتردّدُ عكس ذلك من أننا انفصلنا بدون رجعة ومنذ زمن طويل عن ركب الحضارة السينمائية؟

حاولتُ بكلّ بساطةٍ أن أتجنـّب هذه المقولات السـّهلة في مقاربة للسّينما العربية اعتمدت فيها ما لمستـُه من تفرّد وطرافة في أبرز الأعمال التي تمكّنت من مشاهدتها.

صحيحٌ أنّ إدارة المهرجان لم تراهن كثيرا هذه السّـنة على المخرجين الشبان، فالجرأة كانت من نصيب قسم “نصف شهر المخرجين” ولكن لا يعني هذا أن المسابقة الرّسمية قد خلتْ من المجدّدين، فيـُعدّ الدانمركي لارس فان ترير، والفيلبيني بريانتي ماندوزا، والهونكنغي تساي مينغ ليانغ، من أكثر المخرجين تفرّدا. كما لا يمكن اعتبار الإسباني بيدرو آلمودوفار والأنجليزي كان لاوتش، والفرنسي آلان ريني، وحتى الأمريكي كوانتين تارنتينو من السينمائيين المحافظين، لا شكلا ولا مضمونا. فالقاسم المشترك لأغلب الأفلام التي تمّ اختيارُها يكمن في تميـّزها مقارنةً مع السائد.

لذلك أعتقدُ أنّ غياب السينما العربية راجع بالأساس إلى انعدام شبه تامّ في التجديد، فإذا كان “الزمن الباقي” لإيليا سليمان الشريطَ العريي الوحيد في المسابقة فلأنه بعيدٌ عن المعهود، وهذا ما تأكـّد لنا عند مشاهدته كما سنبيّن ذلك في ما بعد.

قد لا تصحّ المقارنة مع الأعمال الأوروبية والأمريكية، وإن لم يكن في الأمر ما يثير الغرابة، ولكن يمكننا النظر في الأعمال القادمة من آسيا أو في البعض منها، ولنبدأ بأكثرها إثارةً للجدل، أعني شريط “ليلة سكر ربيعية” للمخرج الصيني لو يي الذي تحصّل على جائزة السيناريو. لا أظن شخصيا أن السيناريو يمثل أبرز ميزة في هذا الشريط، ففي الأمر شيءٌ من المبالغة راجع في تقديري إلى أهمية الموضوع. ينتمي لو يي إلى ما يسمّى بالجيل السادس من المخرجين الصينيين، وكان قد تعرض منذ خطواته الأولى إلى العديد من المضايقات من طرف السّلط الرسمية لتناوله قضايا محظورة، وكان قد تطرّق في عمله قبل الأخير “شباب صيني” 2006 إلى موضوع الانتفاضة الطلابية بساحة تيان آن مان، مما تسبب له في العديد من القلاقل منها منع الشريط، فلا غرابةَ أن تكون هذه الأوضاع قد أثّرت على لجنة التحكيم، فتكون الجائزةُ بمثابة الدعم والتضامن. يروي الشريط قصـّة حبّ بين رجلين، جيانغ شانغ ووانغ بينغ. ينتاب الشكّ زوجةَ هذا الأخير، فتـُكـلِّف مصورا فوتوغرافيا بتتبع زوجـِها إلى أن تتأكد من هويـّة عشيقه، فتثورُ ثائرتها مـُتسببةً في انتحار زوجها، ثم شيئا فشيئا ينساق المصوّرُ بدوره في علاقة مثلية مع جيانغ شانغ، جارّا وراءه زوجتـَه في علاقة ثلاثية تُذكّـرنا بشريط فرانسوا تريفو “جيل وجيم” (رجلان وامرأة) مضيفا البعد الجنسي بين الرجلين. تمّ تصويرُ الشريط في السّرية مما أضفى عليه طابعا خاصا شبيها بأسلوب الهواة، فبقطع النظر عن هذه الاعتبارات الخارجة عن نطاق الفن لا بد من ملاحظة أن في اختيار الموضوع جرأةٌ كبيرة. مهما كانت قيمة الإضافات الشكلية فإنّ ما يسمّى بالمحتوى يبقى أمرا على غاية من الأهمية، فلا يفترض طبعا في السينما أن “تعالج” القضايا الاجتماعية والسياسية، ولكن من الوظائف الأساسية للفنّ تسليط الضوء على الظواهر الاجتماعية الغائبة عن أنظار الناس، فكان تطوّر الفنون مرتبطا دائما وفي كل المجتمعات بقدرته على رصد الفضاء المجتمعي وخاصة الخفي منه. كان الأمر كذلك في كل فترات تاريخ الفنون، في عصر النهضة لما اتسع مجال الرسم إلى الواقع الإنساني أو زمن الرومنسية، عندما اخترق الاختلاج الداخلي فضاء الأدب والفن أو مع الواقعية لما ارتقى العادي إلى مرتبة النبل، وكان الأمر كذلك أيضا في تاريخ السينما غربا وشرقا، يكفي أن نذكر بالتحول الكبير الذي عرفه الفن السابع في مصر في الأربعينات. إن هذا الأمر، مع بداهته، يغيب أحيانا عن الأذهان خاصّة في فترات التراجع الحضاري. ويزيد هذا الغياب خطورة في ظل المجتمعات الخاضعة لأنظمة متسلطة سواء كان هذا التسلط سياسيا بحتا أو سياسيا واجتماعيا في نفس الوقت كما هي الحال في البلاد العربية. وأنْ يتناولَ سينمائيٌّ صينيٌّ مسألةَ المثليّة الجنسية أمرٌ في غاية من الخطورة علما وأنّ القانون في الصين يعاقب عليه، فمجرّدُ تصوير الممارسة الجنسية المثلية وإعطائها المكانة التي تستحقّ في سلسلة الأحداث، هو كسب في مجال حرية التعبير. ولكن لم يتوقف لو يي عند هذا الحدّ، فقد أدرج هذا الغرض ضمن نسيج درامي زادته أصداءُ الموجة الجديدة الفرنسية بـُعدا كونيا راقيا، بل تجاوز ذلك فاتبع نهجا في الإخراج ينأى عن النقاء واللياقة الفنية إذ لم يخشَ التردّد والتذبذب فتناغم المحتوى والشكل معبّران عن هشاشة مفهوم الجنس – في معنييه الإنساني والفني – كضرب من ضروب التحديث.

فوجب الإقرارُ بأهمية الموضوع وإن كان محظورا سياسيا واجتماعيا، لا من باب الإثارة السّاذجة، ولكن لأنّ وظيفة الفن السينمائي الأولى هي التمثيل أي تقديم الأشياء بمثلها، أي نسخها في قالب فني يخضع لقوانين خاصة، وذلك لتمكين المتفرج من الانفصال عن ذاته والابتعاد عنها مؤقتا وعلى مستوى خيالي شبيه بالواقع، ولا بد من الاعتراف بأن السينما العربية لا تزال متأخرة عن الواقع، تخشى التعرض لمسائل ترفضها سلطة المجتمع وسلطة الدولة، والأمثلة كثيرة جدا.

أما المسألة الثانية فتتمثل في اختراق الأشكال الفنية السائدة، ويمكن هنا الاستشهاد أيضا بالسينما الآسيوية. فلنأخذ مثال “كيناتاي” للمخرج الفيليبيني بريانتي ماندوزا، الذي تحصّل على جائزة الإخراج. مع أن الفيلم يتناول موضوع العنف والفقر في مانيلا اليوم، لم ينغلق المخرج في الواقعية أو الطبيعية بل اندفع في مغامرة مُخترقا حدود الشفافية، فلم تعد الصورة قادرة تماما على إظهار الواقع كأنّما أصيبت بعجزٍ في أداء وظيفتها الأنطولوجية، كما اختنق العمود الصوتي بسبب كثافة الضجيج في المدينة. كانت الصورة سوداء قاتمة لا ترى منها إلا القليل كأنما تعطلت أجهزة الأضواء أو نقصت. فكانت النتيجة أنك تلمس الأحداث من داخل ذهن الشخصية، وهذا ما يرمي إليه المخرج: أن يعيش المشاهد ما يشعر به الشاب وهو يرى الوحشية التي مُزّق بها جسمُ تلك الفتاة لا لشيء سوى لكونها أبت أن تسلّم مبلغا ماليا لرئيس العصابة، تدور جل أحداث الشريط في فضاءات مغلقة، لا يخترقها الضوء إلا من حين إلى آخر، ينتاب المشاهد شعور بالملل خاصة إذا كان متعوّدا على نسق الأفلام السائدة. فالزمن في “كيناتاي” يخضع لمنطق ذهني باطني يزيد من حدّة إشكالية التواطئ ومسؤولية الفرد في قبول الجرائم التي ترتكب أمامه.

كما يمكننا ذكر شريط تساي منغ ليانغ «وجوه» حيث تنعدم الخطية السردية انعداما كاملا، فلا تربط بين اللقطة والأخرى سوى خيوط رقيقة خفية، كأنما هي (أي اللقطات) لوحات مستقلة بذاتها أقرب إلى الفن التشكيلي منها إلى فنون الحكي، ولا غرابة في الأمر لأنّ العمل جاء استجابة لطلب تقدّمت به إدارة اللوفر بباريز لعدد من السينمائيين لإنجاز عمل يوحي له به المتحف. اختار تساي مينغ ليانغ شخصية صالومي ابنة هيروديا التي طلبت رأس يوحنا، المعمدان على طبق، وقد صوّرها العديد من الرسّامين، فمزج المخرج الهونكونغي الخرافة بوفاة أمّه التي طرأت أثناء إعداده للشريط، كما أضاف ذكرى فرانسوا تريفو من خلال الممثل جان بيار لييو، فجاء العمل مزيجا غريبا من الخرافة والفن التشكيلي والسيرة الذاتية وتاريخ السينما الفرنسية. يمكن أيضا أن نذكر عددا كبيرا من المخرجين الذين تميزوا هذه السنوات الأخيرة، سواء كانوا قادمين من أوروبا أو من أمريكا أو من آسيا أو من افريقيا.

لا بدّ من الإقرار بأنّ السّينما العربية تشكو من تأخر لا شكّ فيه، فـَلمْ نلاحظ جديدا يـُذكر خلال السنوات الماضية. لقد لمسنا، بعد ما مثّله يوسف شاهين، ظهورَ جيل جديد أبرزهم يسري نصر الله في مصر ومحمد ملص في سوريا والنوري بوزيد في تونس ومرزاق علواش في الجزائر والجيلالي الفرحاتي في المغرب، ولكن لم نر شيئا يذكر منذ النصف الثاني من التسعينات إلا ما قل وندر مثل فوزي بن سعيدي من المغرب و طارق تقية من الجزائر والجيلاني السعدي من تونس. من هنا تأتي في رأيي أهمية ايليا سليمان واختياره في المسابقة الرسمية.

إن “الزمن الباقي”، في شكله ومضمونه، بعيدٌ كل البعد عن المعهود. لا شكّ أنّ لموضوع فلسطين تأثيرا على اختيار الشريط في المسابقة الرسمية، ولكنّ مجرّد التعرض لقضيّة سياسية أو اجتماعية غير كاف في مهرجان كان وهو أمر بديهي. فطبيعة المعالجة السينمائية حاسمة جدا في اختيار الأفلام، وكان ايليا سليمان قد تحصّل بشريطه “يد إلهية” سنة 2002 على جائزة لجنة التحكيم، وجاء “الزمن الباقي” مؤكدا موهبة حقيقية. أوّل ما يلفت الانتباه هو أنّ العمل مبنيّ على مفارقة كبرى: من ناحية، يغطي الشريط فترة تاريخية تنطلق من سنة 48 إلى اليوم ومن ناحية أخرى يرفض التسلسلَ التاريخي “الموضوعي”، مفارقة فيها مخاطرة جسيمة وهي أنّ مشروعية القضية الفلسطينية تتعلق بالتاريخ، فإذا استثنينا “باب الشمس” ليسري نصر الله يعسر وجود فلم روائي يعود إلى النكبة إلا أن “الزمن الباقي” لا يزعم مدّ المتفرج بقراءة في التاريخ تعود إلى الأسباب والمسببات. يخضع العمل بأكمله إلى عملية تذكّر، يبرّرها رجوع الراوي ـ وهو المخرج ذاته ـ إلى فلسطين، ومن هذه الزاوية يكتسي المشهد الأوّل أهميةً قصوى: سائق تاكسي يفتح مؤخرة السيارة ويضع حقيبة الحريف فيها ثم ينطلق في الظلام، لا نرى المسافر أولا فالكامرا موجهة نحو السائق الإسرائيلي وهو يتحدث في الهاتف ويقول إنه بعيد جدا، ثم تفاجئه المطر فيرتبك ويسأل مذهولا المسافر الجالس خلفه إن كان يعرف الطريق، حينها فقط نرى ايليا سليمان ولكن بدون وضوح كامل. مطر وظلام وارتباك، فلسطينيٌّ جالسٌ في الخلف ملفوفٌ في عتمة كادت تكون مطلقة واسرائيلي مرتبك ماسك بالموقد. مشهد يحمل الدلالات الأساسية للشريط كأنما هو استعارة. ثم يرجع بنا إلى الماضي، ماضي احتلال فلسطين سنة 48 بالناصرة. تأتي الأحداث في مشاهد معدودة تتتابع في اقتضاب شديد على نحوٍ أقرب إلى المسرح منه إلى السينما، شابٌّ يقرأ شعرا وطنيا ثم يصوّب مسدسا نحو رأسه ويطلق الرصاص، امرأة تزغرد فرحا أمام عسكر اسرائيلي مُتنكرين ظنت أنهم فلسطينيون، يطلق الجند الرصاصَ صوبها فتسقط ميتة، شاب آخر ينجو من قبضة المحتل رغم إصراره على النضال. نتابع سيرة هذا الشاب وهو أب ايليا سليمان ثم ننتقل إلى زوجته (أي والدة المخرج) إلى حد وفاتها، فتسلسل الأحداث يخضع لسيرة المخرج الذاتية وهذا أمر في حد ذاته مهم لأنه يخلصنا من القراءات العامة والخطابات الجوفاء، وإلى جانب ذلك غلب على الشريط النمط الهزلي القريب من أسلوب باستر كيتن الشيء الذي يضع بين الراوي والأحداث المروية مسافةً تشكل فضاء مفتوحا للمتفرج يتعمق فيه السؤال، فعنصر الهزل لا يـُنقص من خطورة الموضوع بل يزيدها خطورة. واللاّفت للنظر رجوعُ إيليا سليمان المتواتر في موقف بدون حركة وفي صمت دائم كأنما أصبح الكلام عديم الجدوى وباتت الحركة عبثا، تظهر القضية الفلسطينية من خلال وجهة نظر سليمان في شكل غير معهود، ففي ما يخص جمال عبد الناصر مثلا، لا يتعرّض الشريط إلا لِوفاته (وللصمت الذي تلاه) في حين كانت الهزيمة (أعني تصويرها أي الوعي بها) حدثا مؤسّسا للسينما العربية الحديثة، يكفي أن نتذكر أهمية اللحظة التي شكّلها خطاب الاعتراف بالهزيمة في شريط “العصفور”، فإيليا سليمان ينتمي إلى جيل ما بعد القومية و يمكن فهم الفلم بأكمله على هذا الأساس : اقتراح الصمت البصير مقابل اللغو الأعمى.

“الزمن الباقي” بصيص في عتمة السينما العربية؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق