مواجهة حاسمة لسياسات اليأس! / السيد يس

الأحداث الدامية التي وقعت أمام مقر جماعة «الإخوان المسلمين» في المقطم بكل ما سبقها وما دار فيها، تعبر تعبيراً بليغاً عن تفاقم سياسات اليأس التي بسطت رواقها على المجتمع المصري على مستوى النخب السياسية وعلى مستوى الجماهير على السواء.

وسياسات اليأس Politics oF Despair -كما يعرفها علم السياسة- تظهر وتسمم المناخ الاجتماعي في بلد ما حين يمر بأزمة بالغة الحدة، نتيجة عجز النخبة السياسية الحاكمة عن اتخاذ القرارات الصائبة في الوقت المناسب، وفشل النخب السياسية المعارضة في تقديم بدائل مدروسة لحل الأزمة.

ومن هنا تسود مشاعر الإحباط، التي تؤدى بالضرورة إلى سلوك عدواني موجه ضد السلطة بشكل عام. وقد يتطرف هذا السلوك العدواني ويتخذ ممارسة أشكال من العنف غير مسبوقة، حيث تدور المعارك بين الأطراف المتصارعة إلى درجة تؤدي إلى وقوع الضحايا بالعشرات والمصابين بالمئات.

ولعله قد آن أوان طرح السؤال الأساسي: ما هي طبيعة الأزمة الحادة التي يمر بها المجتمع بعد ثورة 25 يناير؟ والإجابة أن هذه الأزمة مركبة ومتعددة الأبعاد.

فهي أولاً أزمة مجتمعية تشمل المجتمع كله بكافة طوائفه، لإحساس الجماهير بأن ثورة 25 يناير بشعاراتها الشهيرة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية لم تحقق أياً من أهدافها. بل ويمكن القول -ويا للتناقض- إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تدهورت إلى حد خطير لدرجة تفوق الأوضاع المتردية التي سادت في عهد مبارك.

وهي ثانياً أزمة سياسية مفادها أن الشباب الثائر الذين أشعلوا فتيل الثورة ونجحوا في حشد ملايين المصريين لتأييدها والمشاركة الفعالة فيها، تم إقصاؤهم بعنف شديد عن المشاركة الإيجابية في بناء النظام السياسي الجديد، لأن خطايا المرحلة الانتقالية التي شارك فيها كل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة وجماعة «الإخوان المسلمين»، والتي تمثلت في الاستفتاء على الدستور أولاً أو الانتخابات أولاً، أدت من خلال تزييف وعي الجماهير العريضة ورفع الشعارات الدينية المزيفة إلى أن تكون نتيجة الاستفتاء الانتخابات أولاً.

وهكذا جرت انتخابات مجلسي الشعب والشورى على عجل وبطريقة تقليدية، أدت في النهاية إلى إقصاء أعضاء الائتلافات الثورية لضعف علاقتهم بالشارع السياسي، وحصول جماعة «الإخوان المسلمين» والسلفيين على الأكثرية في مجلس الشعب الذي حكم القضاء ببطلانه ومجلس الشورى. وهكذا نجحت التيارات الدينية التقليدية في السيطرة على المجالس النيابية وإقصاء الثوار منها، وكذلك أحزاب المعارضة الليبرالية واليسارية. وهي أيضاً أزمة اقتصادية بالغة الحدة والعنف لأن مشكلة البطالة وخصوصاً بين خريجي الجامعات والمعاهد لم تواجه بحلول فعالة، بل إن معدلاتها زادت عن المستوى الذي بلغته قبل الثورة، وساعد على ذلك تردي الأحوال الاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة، وانخفاض معدلات التنمية وزيادة العجز في الموازنة، والفشل في توفير سيولة نقدية لاستيراد الأساسيات مثل المواد البترولية والقمح وغيره من المواد الغذائية الضرورية.

وهي أيضاً أزمة اجتماعية بحكم الانقسام الطبقي للمجتمع إلى سكان المنتجعات التي تعيش فيها الطبقات المترفة التي استفادت بشكل عام من فساد النظام السابق وما ساد فيه من نهب أراضي الدولة والمضاربات غير المشروعة، وسكان العشوائيات الذين يتجاوز عددهم عشرات الملايين الذين يعانون البؤس والحرمان من أساسيات الحياة الكريمة. وصاحبت هذه الظواهر زيادة أعداد أطفال الشوارع الذين أصبحوا بعد الثورة وقود المظاهرات والاعتصامات الفوضوية التي تبارت في تنظيمها -بدون أي مسؤولية سياسية أو أخلاقية- كافة الفصائل السياسية، ثورية مزعومة كانت أو أحزاباً سياسية تقليدية، بما فيها أحزاب «الإخوان المسلمين» والأحزاب السلفية.

وعاش المجتمع المصري في ظل أوهام باطلة أخطرها على الإطلاق الحق في التظاهر والاعتصام في أي مكان، وفي أي وقت، تحت شعار خادع «سلمية سلمية». مع أن التجربة أثبت أن شعار «السلمية» سقط منذ بداية الثورة، وأصبح الشعار بكل أسف «دموية دموية»!

وضاع المجتمع في الانقسام بين الجبهة الثورية والليبرالية والجبهة الدينية، وخصوصاً بعد الإعلان الدستوري الديكتاتوري الباطل، الذي كان إعلاناً جهيراً بأن جماعة «الإخوان المسلمين» قد قررت مصادرة المجتمع المصري بكل مؤسساته وموارده الاقتصادية لحسابها، مع التصميم على إقصاء الائتلافات الثورية وأحزاب المعارضة عن أي مشاركة في عملية صنع القرار.

ونتيجة للفشل السياسي الذريع لجماعة «الإخوان المسلمين» في إدارة الدولة ومواجهة المشكلات الجسيمة والعجز عن اتخاذ القرار، دفعت الشرطة لمواجهة المتظاهرين، وزادت بذلك الهوة عمقاً بينها وبين الشعب.

ولابد لكافة الأطراف السياسية لو كانت لديها أدنى ذرة من الإحساس بالمسؤولية السياسية والاجتماعية أن تقف وتعترف بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها.

وعلى أحزاب المعارضة وفي مقدمتها «جبهة» الإنقاذ أن تعترف بأنها ارتكبت خطأ جسيماً حين دعت لمظاهرات أمام مقر جماعة «الإخوان المسلمين» في المقطم، فقد كان ذلك -في ضوء التجارب المماثلة السابقة- وكأنه تخطيط محكم لوقوع معركة دموية بين أعضاء «الإخوان المسلمين» الذين من المنطق أن يدافعوا عن مقرهم، وبين المتظاهرين الذين ادعوا أنهم «سلميون» مع أنهم صعدوا إلى المقطم وهم يعرفون يقيناً أن معركة كبرى ستنشب، ومع ذلك فإن قادة جبهة الإنقاذ لم يبذلوا أي مجهود في إقصائهم عن التظاهر هناك.

كما أن حرق مقرات جماعة «الإخوان المسلمين» يمثل جرائم خطيرة، تماماً مثلما كانت محاولة حرق مقر حزب «الوفد» بواسطة بعض الجماعات الدينية.

لقد أثبتت النخب السياسية على تنوعها جبنها الأخلاقي الفاضح، لأنها شاركت في إذكاء العنف عن طريق الدعوة إلى مظاهرات فوضوية، كما فعلت جماعة «الإخوان» في حصارها للمحكمة الدستورية العليا، وكما فعلت حركة حازم أبو إسماعيل في محاصرة مدينة الإنتاج الإعلامي، وكما فعلت الائتلافات الثورية في محاصرة قصر «الاتحادية» ومحاولة اقتحامه وكذلك قصر «القبة».

ومن هنا فلابد من أن تصدر القيادة السياسية عدة قرارات حاسمة في أقرب وقت، وفي مقدمتها تشكيل لجنة لتعديل الدستور، وإقالة حكومة هشام قنديل الفاشلة، وتشكيل حكومة ائتلافية برئاسة شخصية عامة غير حزبية، وإيقاف مجلس الشورى عن إصدار القوانين المتعجلة التي تهدف أساساً إلى تمكين جماعة «الإخوان المسلمين»، ووضع قانون جديد للانتخابات بالاتفاق مع كل الأحزاب السياسية. وإعلان سياسة اقتصادية واضحة لا تقوم على أساس الاقتراض، وتلبية الحد الأدنى من المطالب الشعبية في مجال العدالة الاجتماعية، والبدء فوراً في حل مشكلة البطالة.

ولابد من التطبيق الصارم للقانون، ووضع عقوبات رادعة للتظاهر الفوضوي والاعتصام العشوائي و«البلطجة» السائدة.

وبغير هذه الحلول الحاسمة ستدخل الدولة المصرية في النفق المعتم للدول الفاشلة، وسيصبح ذلك إعلاناً بفشل ثورة 25 يناير في تحقيق أهدافها في حدها الأدنى، هذه الثورة التي ضحى العشرات من الشباب بحياتهم في سبيل أن تكون بداية ديمقراطية جديدة للشعب المصري الذي ناضل طويلاً في سبيل تحقيق الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.

عن جريدة الاتحاد الإماراتية

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق