مواطنون فى وطن واحد: «أفق حوارى» من أجل تجديد وطنى / سمير مرقس

-1-

الاستقطاب.. التناحر.. التعصب.. الانقسام.. مظاهر غير خافية على أحد يمكن ملاحظتها بسهولة ويسر فى شتى مناحى حياتنا:فى السياسة، فى الفن، فى الرياضة، فى الشارع، فى العمل.. الخ…والنتيجة: «العصف بالمؤسسات» و«تحدى القانون» و«انسداد أى أفق حوارى»..

وعندما يفقد أفراد مجتمع من المجتمعات قدرتهم على التواصل العاقل فإن هذا يعد بحسب ت.إس. إليوت «علامة على تحلل المجتمع».. وعندما تنتعش المصالح الضيقة على حساب المصلحة العامة، والطائفية على حساب الوطنية، والغيبيات والخرافة على حساب العلم والعقل، فإن هذا نذير خطر حقيقى.

ومع إلحاح الصراعات المتتالية واستمرار الظواهر السلبية وتعقدها مع الزمن، وفشل السياسة فى تقديم الحلول الناجعة، ما يعنى أن الإجابات القديمة التى لدى الذهنية السائدة والتى تتم بها معالجة هذه الظواهر التى باتت مزمنة وقديمة ولا تعكس الأسئلة التى يطرحها الواقع المعاصر.. وعليه تصبح هناك ضرورة إلى قراءة تحليلية جديدة تحاول فهم الواقع بمستجداته وتحاول استشراف المستقبل من دون أن تنسى أن تستدعى لحظات النهوض الوطنى..

قراءة تعمل على تأسيس جديد ينمو ويتطور فى إطار «أفق حوارى رحب»، يستطيع أن يستوعب الجميع على اختلافاتهم، ويفعل الانطلاق من المفاصل الرئيسية التاريخية النهضوية التى ساهم فيها كل المصريين، واكتشاف مصادر الخطر التى تتهددهم فى الحاضر ومحاولة بلورة مستقبل أفضل لهم معا.

-2-
فى هذا السياق، حاولت مجموعة «مواطنون فى وطن واحد»، من خلال وثائق ثلاث أن تقترب من: أولا العلاقات المسيحية الإسلامية، فأصدرت وثيقة بعنوان «الجامعة الوطنية للمصريين» «(الوثيقة الأولى ٢٠٠٧)، وثانيا «كيفية تجديد رابطة المواطنة» (الوثيقة الثانية ٢٠٠٨)، وأخيرا «تجديد كنيسة الوطن» (الوثيقة الثالثة ٢٠٠٩)..

حيث التزمت المجموعة (كما تقول فى مقدمة الوثيقة الثالثة «كجماعة ثقافية مدنية أن تقرأ الأحداث وتتأملها وتحاول أن تسهم مساهمات تعين فى ترطيب الاحتقان وتخفيف المواقف المتشددة والحث على تبنى الحوار الوطنى كسبيل وحيد للخروج من المأزق الممتد عبر عقود».. و«عدم التلكؤ أمام جراح الحاضر ومراراته وسخافاته» بحسب الكاتب الكبير سعد هجرس فى معرض تعليقه على الوثيقة الأولى..

كما حرصت على «ألا تقع فى فخ التجاذبات السياسية فليس لها طموح خاص وهى متحررة من الانحياز المسبق لطرف على حساب آخر،معتمدة على القراءة المتأنية للتاريخ ومحاولة الاستفادة من دروسه وعينها على المستقبل فى أن تبقى مصر وطنا واحدا لكل مواطنيه بغير تمييز.»..

وهنا تحرص المجموعة على ألا تصنف دينيا أو سياسيا لأنها لا تصدر بيانات سياسية، وإنما قراءة تحليلية للظواهرـ وهو تقليد عرفته مجتمعات أخرى من منطلق وطنى يدعم «العقل الحوارى» وليس «العقل السجالى».. وهنا نشير إلى ما كتبه الراحل الذى فقدناه منذ أسابيع المفكر والمثقف الكبير محمد السيد سعيد فى معرض تعليقه على الوثيقة الثانية:«.. إنهم يقولون ببساطة لا يوجد حل للمشكلة الطائفية من داخل منطق الطائفية، بل يوجد حل فقط من داخل مبدأ المواطنة..».

-3-

وحول هذه الأمور حاولت الوثائق تحليل التفاعلات الجارية فى المجال العام بين كل الفاعلين (من نشطاء الأقباط، وعناصر الإسلام السياسى، عناصر من التيار العلمانى، رجال الأعمال، الدولة)، فى الشأن الدينى المصرى، راصدة مجموعة من الملاحظات رأت الوثيقة فى مجملها أنها لا«تفعل» الحركة المشتركة فى المجال العام بين المصريين وإنما تدعم حركة منعزلة لكل جماعة فى إطار مجال خاص تخلقه لتتحرك فيه بمعزل عن الآخرين.. أى « تعطل « المواطنة كرابطة موحدة للمصريين..

وتؤكد المجموعة على الطبيعة الثقافية التحليلية لأفكارها وأن الحوار هو الأفق الذى تسعى إلى تأكيده ولا يمنع هذا من تصويب وتعديل ما تطرحه من أفكار بغية أن يسفر الحوار عن أفكار جدية وجديدة تكون قادرة على التجديد الوطنى فى سماحة.

ترفض الإقصاء وتنبذ الفرقة، وتحترم التنوع وتدين التعصب المقيت.. فى وطن واحد لا ينفرط عقده أبدا. وطن يكون موضعا للسعادة المشتركة لكل أبنائه، ينميه ويستمتع بفضائله كل من شارك مخلصا فى رفعته

وكل من أسهم مبدعا بفكره وعرقه ونضاله فى تقدمه.

عن جريدة المصري اليوم 3/11/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق