موت الأمكنة: بيروت بليلين مقلوبين

يصعب على المدن الحديثة أن تهمل ليلها. بل أن بعض المدن تهمل نهارها. كما هي الحال في لاس فيغاس مثلاً. وكثير من المدن الحديثة لا يمكن تحديد إطارها الفوتوغرافي والسياحي إلا ليلاً. فضلاً عن أن بعض هندسة العمارة في المدن الحديثة تولي هندسة الضوء وتشكيلاته موقعاً أول في تصدير صورتها. ولاس فيغاس ليست مثالاً فريداً في بابه على هذه العناية بهندسة الأضواء.

ليل المدن بهذا المعنى ناطق ومعبر. كان ناطقاً منذ ما قبل اكتشاف الطاقة الكهربائية، ومن قبل إنارة شوارع باريس بمصابيح الغاز في القرن الثامن عشر. وبات أقوى تعبيراً في الأزمنة الحديثة. لكن نطق الليل مختلف عن خطاب النهار. ولم يحصل أن انتظم نطق الليل تحت حد القانون انتظاماً تاماً في أي مكان من العالم. إذ ما يزال نطق ليل المدن متحايلاً على القانون ومجانباً له في كل مكان. فمن صفات القانون أنه ينظم السعي والعمل والسياسة والحروب. ومن صفاته أيضاً أنه يلحظ وقت راحته قبل أن يلحظ وقت راحة الخاضعين لسلطته. فالقانون ينام ليلاً ولا يعود ناظماً لحياة البشر. لذا تبدو كل نشاطات الليل في المدن أو معظمها على أقل تقدير نشاطات مجانبة للقانون والأعراف، التي هي أيضاً بمثابة القوانين.

في الليل تستشري الخيانات، وفي الليل ينقلب العالم فيؤخذ من تحت بعدما كان مأخوذاً من فوق. وفي الليل تسود الخفة كما لو أنه عطلة النهار. وفي الليل تنام السياسات ويتخفف السياسيون من أثقال الشؤون العامة ليمارسوا طقوس الخفة والتسامح على نحو لا يبدونه في النهار. وما زالت صورة الرئيس رفيق الحريري وهو يضحك على تعليقات مسرحية لاذعة تتناول سياساته العامة وخططه الإعمارية ماثلة في أذهان اللبنانيين، في حين أنه كان في نهاراته يساجل ويحاجج من دون كلل في الدفاع عن تلك السياسات. على هذا كانت انتقادات الليل تظهر كما لو أنها ضرب من الدلع والغنج الذي تبديه العشيقة لعشيقها، في حين أن الكلام نفسه في النهار يتحول عملاً معارضاً. وعلى نحو ما يكون الكاريكاتير في الصحف اليومية لاذعاً وباعثاً على السخط، لأنه من أعمال النهار، فإن الانتقاد (المسرحي) نفسه يصبح في المسارح الخفيفة ضرباً من الغنج الذي لا يؤذي ولا يخرج من خانة التذمر نحو الانتقاد، لأنه من أعمال الليل.

والأرجح أن محطات التلفزة انتبهت إلى قدرة الليل على تحويل الجد مرحاً والنقاش مساررة والمواقف نوعاً من العتب اللذيذ. لذا عمدت، أي محطات التلفزة، إلى تتويج جد النهار بنشرة الأخبار. فلم يحدث أن لجأت محطة إخبارية محلية إلى عرض نشرة أخبارها عند انتصاف الليل. وما إن تنتهي نشرة الأخبار حتى تدخل التلفزيونات جميعاً في خدر المنوعات. كما لو أنها توحد المواطنين الساهرين خارج بيوتهم بأولئك الذين سمعوا نصيحة زاهي وهبي مقدم برنامج “خليك بالبيت”. فجلسوا في بيوتهم متخففين من جد النهار ليشاركوا أولئك الذين خرجوا إلى ليل المدينة واستسلموا لخفته اللاهية.

لطالما كانت بيروت بين مدن العالم مدينة ليل ناطق. ليس على النحو الذي تظهر عليه القاهرة بوصفها مدينة ليل فقط. بل على النحو الذي تكون فيه المدن ذات وجهين. لكن بيروت ذات الوجهين: الليلي والنهاري، تشبهت بالقاهرة في أوقات معينة وتشبهت بباريس في أوقات أخرى. ففي ليل بيروت سبعينات القرن الماضي تمت صياغة انقلابات المشرق العربي من دمشق إلى عمان فبغداد، وتم في ليلها أيضاً تأسيس بعض المفاصل الأساسية من خطابات وبرامج الأحزاب السياسية الناهضة يومذاك. ليل بيروت المكمل لنهارها في تلك الفترة من الزمن، والذي ما زال اللبنانيون يمدحونه من دون انقطاع، استمر على نحو ما في تسعينات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي. فشهدت بيروت انتشار ظاهرتين متلازمتين ومتزامنتين على نحو لافت في هذين العقدين الأخيرين. كان ثمة برامج “التوك شو” السياسية تنتشر انتشار النار في هشيم أوقات التلفزيونات وكان ثمة برامج المنوعات الخفيفة إلى درجة انعدام وزنها التي تضارع تلك البرامج انتشاراً وتضاهيها في معظم الأحيان.

هكذا خرج من ليل بيروت في هذين العقيدن نجمان: ميشال قزي، مقدم برامج المنوعات العديمة الوزن وجيزيل خوري محاورة الرؤساء والوزراء. وكان في وسع اللبنانيين الذين تعايشوا في بلدهم داخل زمنين مختلفين اختلافاً تاماً أن يتقبلوا وجود هذين النوعين من النجوم. ذلك أن نهاراتهم أيضا كانت على نحو من الأنحاء ترزح تحت عبء زمنين متباينين. فمن جهة أولى كان البلد يستكمل حربه ضد العدو الإسرائيلي بوصفه بلداً متصلاً اتصالاً لا فكاك منه في الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا، بأزمة الشرق الاوسط والقضية الفلسطينية، وكان من جهة ثانية يفصح عن عيش خفيف ولاه كما لو أن المدينة التي يخرج منها هذا اللهو العابث ويفيض بين أرجائها، لم تعرف حروباً أو توترات من أي نوع منذ أن وعت النور، نور الكهرباء اللازم لإنارة ليل المدن. ولم يلبث ليل بيروت المنقسم على نفسه تناحراً وغضباً وحسداً قاتلاً في معظم الأحيان، أن احتل نهارات لبنان، فبات اللهو العابث سنة حياة في بيروت وله مناصروه ومناضلوه ومن يدافع عنه دفاعاً مستميتاً، وكان لليل بيروت المقاوم والمتصل بأزمة الشرق الأوسط اتصالاً زائداً عن حده وعن قدرة البلد على تحمل تبعاته حظه أيضاً من احتلال أوقات بعض اللبنانيين من غير لهو أو سهو من أي نوع. فكثر متفرغو المقاومة ومحترفو القتال الذين لا عمل لهم ولا صفة يعرفون بها غير هذين الصفة والنشاط.

على هذا كان مفهوماً ان يجهل قائد المقاومة السيد حسن نصرالله معالم بيروت هذه جهلاً تاماً وتقتصر معرفته بها على الخرائط والصور وما تبثه الشاشات. وبدا هذا الجهل مفهوماً لعامة اللبنانيين إلى حد بدوا أنهم غير منتبهين لمعناه لشدة بداهته. مثلما كان مفهوماً أن تثير صورة الشاب الملتحي الذي يقود سيارة حمراء مكشوفة، وإلى جانبه فتيات جميلات وأنيقات، وسط ركام الضاحية الجنوبية هذا الكم من الاندهاش اللبناني والعربي والعالمي، مما جعل حصول الصورة هذه على جائزة عالمية جائزاً ومقدراً.

تلك الصورة كانت توضح من غير لبس حدود هذا البرزخ بين عالمين متناقضين، ويفصل بينهما ظلمة ليل لا تنيره أعمدة الإنارة ولا مصابيح البلديات. إذ ما الذي يدعو شابا وثلة فتيات جميلات إلى التجول في ضاحية بيروت الجنوبية إثر انتهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية؟ فهؤلاء بحسب مظهرهم في الصورة يأتون من عالم آخر لا يتصل على أي نحو بعالم الضاحية المنكوبة بالحرب والمتصلة بالمقاومة اتصالاً حاسماً. والأرجح ان الدهشة التي ضربت وجوه جميع من شاهدوا الصورة كانت تتغذى من فكرة بالغة العمق لم يفصح عنها عياناً، وربما عجزت عن تحديدها الأقلام والألسن على نحو دقيق. كان التباين في الصورة بين الركام والسيارة المكشوفة ومن تقلهم يحاول الإيحاء أن هؤلاء الذين يتجولون في وسط الدمار ما كانوا يستطيعون أن يتجولوا بوصفهم أحياء قطعاً في هذا المكان لولا أن شبهة موت المكان الذي يتجولون فيه كانت أقرب إلى الحقيقة منها إلى الخيال.

فمثل هذا التجوال كان يفترض، في ظل الانقسام الحاد بين الزمنين اللبنانيين، موتاً مؤقتاً، على الأقل، للمكان الذي يعيش أو كان يعيش في زمن آخر غير زمن المتجولين بسياراتهم المكشوفة. وواقع أن هذا التجوال قد تم تحت نور الشمس الساطعة يثبت وجود افتراض آخر يريد الإيحاء، أيضاً، بأن هذا المكان في النهار، مثله مثل أي مكان آخر في بيروت، أضعف من أن يقاوم سلطة الفضول أو الرغبة في استكشاف معالمه المدمرة. فالضاحية الجنوبية، معمورة أو مهدومة، في الليل، هي التي تصنع المعنى الذي يريده القيمون على سياساتها وتجلوه على نحو لافت ومن غير لبس. فعلى غرار ما تبدأ ميريام فارس ونانسي عجرم نشاطهما في ليل بيروت كان المقاومون والأمنيون من رجال حزب الله ينشطون في ليل الضاحية الجنوبية ويصنعون صورتها. وهم منذ زمن بعيد احتلوا ليلها تماماً. ففي الليل، ليل الضاحية، لا تشوب سلطتهم على هذا المكان أي شائبة من أي نوع.

من جهة ثانية، وقبل حصول هذا الحدث ببضعة أشهر فقط، زار السيد حسن نصرالله أمين عام حزب الله وسط بيروت. زاره مرة أولى في تظاهرة نصف مليونية حملت عنوان الوفاء لسوريا في 8 آذار من العام 2005، وزاره مرة أخرى اثناء جلسات الحوار. وفي المرتين كانت هذه الزيارة تعطل وسط البلد وتطرد ساكنيه وشاغليه من حيزهم إلى حيز آخر. إذ كانت الأجهزة الامنية تعمد إلى فرض نوع من منع التجول في وسط بيروت أثناء انعقاد جلسات الحوار التي كانت تحصل نهاراً كما هو معلوم ايضاً. وكان يفترض بهذه الزيارات، لتتم على الوجه الأمثل، أن يدخل وسط بيروت في موت موقت يتيح للزائر الذي يأتي من زمن آخر أن يتجول في ما يمكن اعتباره ركام هذا الوسط. فركام وسط بيروت يختلف اختلافاً بيناً عن ركام الضاحية الجنوبية. لأن وسط بيروت يكون ركاماً حين تفرغ ساحاته من اللاهين، أي حين لا يعود قادراً أن يضم في شوارعه الخفة العمومية التي لا تتسع لها البيوت والشقق. أما الضاحية الجنوبية فتصير ركاماً حين يتم تهديم أبنيتها. ففي تلك الأبنية وداخل تلك الشقق تدار شؤون هذه المنطقة في السر والغفلة والكتمان. أما الشوارع والأماكن العامة فمحض تمويه لما يجري في الداخل. وعلى النحو نفسه، فإن دواخل الشقق والأبنية في وسط بيروت كانت أيضاً ديكوراً مناسباً لما يجري في الشوارع.

أتت الحرب الإسرائيلية على لبنان لتهدم سرين متباينين. ففي تلك الحرب انكشف ما كان حزب الله يخفيه، خلف مظهر الشوارع المكتظة، مثلما انكشف ما كان يخفيه وسط بيروت خلف مظهر البنايات المضاءة. فاضطر حزب الله أن يمارس خطته وتكتيكاته التي كان يخفيها عن أعين الفضوليين في حرب قاسية خيضت ضد مناطقه، ووجد وسط بيروت نفسه يفصح عن خواء الشقق التي كانت تموه خواءها بضجيج الخفة الذي كان يصدر من ساحاتها.

بيروت التي عاشت في زمنين ليليين متباينين ومتنافرين، أهملت نهاراتها كثيراً. إلى حد بات المقيم في هذه المدينة اليوم أشبه ما يكون بمن وجد نفسه فجأة خارج الزمنين وخارج أي زمن آخر. فلم يعد ثمة ما يستطيعه حيال احتلال نهاريه، فيما دخل ليلاه في تناقضهما الفادح. احتل مقاومو حزب الله وسط بيروت وليله وبات صخبهم الليلي استعراضاً للنصر واحتفالاً بالمقاومة لا تنتهي فصوله، فيما دخل مستعرضو وسط بيروت سابقاً ليلاً كتوماً وغامضاً ولم يعد ثمة ساحة للهو والخفة، التي صنعت نصف صورة بيروت في التسعينات، ظاهرة لعدسات المصورين. والأرجح أن هذين اللهو والخفة انتقلا إلى موضع السر بخلاف طبيعتهما، فيما خرج المقاومون إلى موضع العلن والاستعراض بخلاف طبيعتهم أيضاً. ولم يعد ثمة صورة يمكن للبنان أن يصدرها إلى خارج يراقب من دون أن يفقه ويفهم ويقعّد، إلا تلك الصورة التي توحي بموت الأمكنة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق