موسم الحبّ

 

 بكت بحرقة…كانت الدموع تنزل على وجنتيها ثم تسيل لؤلؤاً مشرقاً على ذقنها الحاد…بدا وجهها الصغير شاحباً ونحيلا، توسلت إلي بصوت مبحوح أن أتركها…أن أغادر…أن أذهب إلى حيث لا يوجد شيء يذكرني بها..نظرتُ إلى ملامحها..ثم تأملتُ الأرض قرب قدميها بتيه…عندما نظرتُ إليها مرة أخرى كانت إبتسامة باهتة قد غطت وجهها البريء، أدارت ظهرها وغادرت بمشيتها الرشيقة المعتادة…اعتصر قلبي ألم شديد…وددت لو أمسكت يدها…لو رجوتها أن تبقى بجانبي.

 تأملت باطن كفي بيأس، استرعت إنتباهي كومة أوراق أشجار صفراء وأخرى باهتة عند قدمي…تأملت تدحرجها على الأرض بتيه…لم أستطع رفع رأسي عن الأرض…اختلطت أحاسيسي علي وسرت ببدني برودة قاسية قبل أن توقظ شرودي لفة نسيم بارد…تأملت شجرة التوت على يميني…بدت كئيبة وجرداء، موسم الخريف موسم الموت بحقّ…لماذا نفقد كل ما ومن نحب عند الخريف؟

 تساءلت بحنق ثم رفعت عينيّ إلى السماء …وددت لو صرخت…لو بكيت حتى ابتل قميصي وحنت لبكائي الأشجار الجرداء والورود الذابلة حولي، لكن غمرني إحساس بأن كل ما حولي ميت…بدا الجو ثقيلاً و كئيباً كمعظم أمسيات الخريف، غيوم بأشكال مخيفة بدت أطرافها الخلفية المشبعة بأشعة الشمس كقطع جمر عظيمة عند الأفق.

 ****

 ما الذي يحدث فيملأ القلوب حباً لبعضها ويجعلها تنبض لغير الجسد الذي ولدت بين أضلعه، ما الذي يحدث فعلا فيجعل ابتسامة غريب تشعرنا بدبيب الحياة في أبداننا؟

“لو لم أخرج ذلك اليوم لكنت في راحة الآن” …ضربت جبهتي براحة كفي غيظاً قبل أن أستدرك و بمخيلتي ابتسامتها الفرحة وهي تحوم حولي بدلع الأطفال كفراشة “لا…لا تقل ذلك، لو لم تخرج دلك اليوم لما احلوّت مرارة حياتك بدونها، ولما انْجلى مفْرق حاجبيك المتشائم فرحا”.

 ****

 ! قد تنصفنا الرغبة والصدفة أحيانا.

 كان يوم جمعة من أواخر أبريل، كان الوقت عصرا كما اليوم…إلا أن الموسم كان ربيعاً عندما رأيتها أول مرة.

  لماذا يملأ الربيع قلوب الناس مودة بينما يقنعها الربيع بلا جدوى مودتها تلك؟…حتى شمس الخريف لا تبدو كشمس الربيع…تشرق من جهة الشرق اليمنى بخجل، تقضي يومها القصير بين الغيوم، ثم تغرب بسرعة كقطة مذعورة..

  مرت من أمامي وعلى شفتيها الرقيقتين ابتسامة خفيفة، نظرت إلي، إبتسمت بتلقائية وتابعت خطوها المرشيق مبتعدة حتى أقرب منعطف حيث وقف رجلين كانا بانتظارها، كان أحدهما قصيراً ممتلأً في خمسينياته، بينما بدا الآخر أصغرسناً وأكثر حفاوة بمقدمها، ما إن إقتربت منه حتى مد يديه هاشّاً ببلاهة…صافحته بخجل ثم غادروا.

 علق مرورها وابتسامتها بذهني، غمرني إحساس بالسرور، تبسمت ثم غادرت بدوري أعد خطواتي فرحاً.

 ****

 قد نعيش دهراً وحيدين ومع ذلك سعيدين أو هكذا نظن، ثم تهب نسائم موسم الحب فندرك فقط آنذاك أننا كنا بئيسين ووحيدين ولا حياة بنا.

 التقينا بعد دلك بأسابيع، كان الجو أكثر سخونة، بدت مختلفة مختلفة هده المرة، أقل نشاطا من ذي قبل تحديداً، كانت تلبس فستانا خفيفا أبيضا مزينا بورود حمراء صغيرة منسوجة عليه بعناية مع قميص مزرر خيط بعناية ليناسب مقاسها الرفيع، كانت تمشي بارتخاء ممسكة بيد صغير إلى جانبها…عندما وازيا متجر ألعاب أمسك رجلها اليسرى بعناد محاولا إيقافها وهو يشير إلى كتكوت لدائن معروض على واجهة المتجر، إنحنت بتعب محاولة إقناعه بمواصلة السير، لكنه أصر على الحصول عليه بغضب… عندما يئست حاولت حمله قسراً، لكنه رفس بطنها وحملها على وضعه أرضاً بإحباط.

إذ ذاك إقتربت منها، حييتها بإبتسامة خفيفة ثم قرفصت وأمسكت بيد الصغير سائلا إياه “فيم بكاؤك يا صديقي؟” مسحت دموعه بإبهامي وأحطت وجهه الصغير بيدي ثم أضفت بنبرة جادة:

 “أنت رجل والرجال لا يبكون، أليس كذلك؟”

نظر إلي بارتياب ثم هز رأسه موافقا، فسألته “ما إسمك؟”

إستدار صوبها كأنما يستأذنها فتبسمت له بعتاب.

أجاب بتردد “عبد المجيب”

تظاهرت بعدم سماعه ثم سألته محاولا استدراجه للحديث أكثر “لم أسمعك جيدا، هل اسمك عباس؟”

تطلع إلي بقلق محبب وهو يقضم أظفاره، ثم أجاب “لا، عبد الموجيب”.

“مرحبا عبد المجيب، أنا مالك”، صافحت يده بحبور الأطفال فبدا أكثر إرتياحا، تطلعت إليها خلسة فبدت على وجهها إبتسامة رضى محببة، إستعذبتها للحظة قبل أن يصرخ الصغير في وجهي بقلق:

“أريد ذلك الكتكوت”.

حسناً يا صديقي، لنحضره معا” أخذت بيده ودخلنا المتجر، ناولته الكتكوت فقهقه بسرور، ثم سألت البائع “كم ثمنه؟”

فأجاب: “أربعون درهما”.

 أخرجت حافظة نقودي ووضعت على الكونطوار الزجاجي أمامه ورقة من فئة خمسين درهما، تراجع خطوة وفتح درج النقود ليعيد لي العشرة دراهم المتبقية، عندما نظرت إليها أشارت إلي بسبابتها ألا أفعل، فابتسمت بكرم مشيراً بدوري أن لا ضير في ذلك.

 دسست الدراهم في جيبي ولحقت بالصغير، ربّتُّ على رأسه سائلا إياه “هل أنت راض الآن؟”

أجاب بسرعة “اه، نعم” بينما كان يتأمل لعبته بانشغال.

عندما نظرت إليها إبتسمت بامتنان قائلة “شكرا”

فأجبتها بنبل “لا، من فضلك، ذاك واجبي”.

ثم حاولت استدراجها للحديث فأكملت بمكر” ابنك ظريف جدا، إنه يشبهك”

قطبت جبينها مستغربة وابتسمت بخبث قبل أن تشكرني مجددا وتغادر.

 **** 

الحياة فعلا لا تعطي إلا بقدر ما تأخذ!

 بدت اليوم واجمة أكثر من أي وقت آخر، حاولت استدراجها لتتكلم…أخبرتها مازحا أنني قرأت بجريدة نهاية الأسبوع أن من يصمتون طويلا تصاب ألسنتهم بالصدإ، وتهرأ قلوبهم ثم تنتفخ غيظا قبل أن يموتوا كمدا فابتسمت بفتور… قبل أن تختنق أنفاسها بالدموع وهي تخبرني أن الطبيب قال لها بعد أن أصرت على معرفة نتائج آخر تحاليلها الطبية أنه لا زال أمامها وقت قصير قبل أن …تموت. فقهقهت بتهور ثم قلت لها أن أبريل لم يصل بعد، ولذلك لا يصح أن يكذب الإنسان في نوفمبر، وحدهم القائمون بشؤون البلد مسموح لهم بالكذب في نوفمبر ودسمبر…ومارس أيضا.

 نظرت إلي كيتيمة، بينما امتلأت جفونها دمعا صافيا، رأيت على وجهها نفس النظرة مرة واحدة… كان ذلك قبل عشرة أشهر على أكثر تقدير…

 كنت جالسا على نضد بركن الحديقة الغربي بالجزء الشمالي من المدينة وبيدي رواية وعلى النضد بجانبي علبة سجائر وكأس به قليل من القهوة عندما أتت…توقفت على بعد خطوات مني، حيتني بصوت خفيض، ثم ابتسمت كأنما تستأذن اقتحامها خلوتي علي، إرتبكتُ قليلا قبل أثني دفتي الكتاب وأقف مسلما، صافحتها، سألتها عن حالها فاكتفت بالإبتسام، ثم سألتها عن الصغير فأجابتني أنه بخير، أشرت إلى النضد بيسراي مرحبا ورجوتها أن تجلس، كانت تضع رداء صوفيا على كتفيها، بدت شاحبة وحزينة، وبدا الأخدودان حول فمها أكثر بروزاً.

 دسست علبة السجائرخلسة في جيب جاكيتي الداخلي، فنظرت إلي وعلى وجهها ابتسامة باهتة وسألتني لماذا أدخن، فأجبتها محرجا أنني لست مدمنا قبل أن أضيف بنبرة مازحة أن بحينا بائع سجائر مسكينا له ثلاثة أطفال لا يجد ما يطعمهم به وأنني أساعده بشراء سجائره، لم تقل شيئا للحظة، أحنت رأسها وفركت أصابعها بارتباك، فسألتها عن سبب شحوبها…ترددت قليلا قبل أن تنظر إلي بعينين دامعتين، حاولت أن تتكلم مرتين أو ثلاثا، بدت وكأنها تختنق…أخذت يمناها بيسراي ورجوتها أن تهدأ، قلت لها بنبرة أب حنون أنه سيسرني أن أسمع منها حول ما يبكيها أينما ووقتما شاءت، فتنهدت بارتياح قبل أن تخبرني والحسرة بادية على محياها أن أباها قد توفي، أحنت رأسها ثم أضافت بألم:

 “..كان سيبلغ الثالثة والخمسين بعد أيام”.

 دهشت ولم أعرف بم أجيب، سهوت قليلا قبل أن أستدرك معزيا، أخدت نفسا عميقا وتحدثت مطولا عن الأقدار والغيبيات لجبر خاطرها… ثم ساد بيننا صمت ثقيل.

 سألتها إن كانت تذكر لقاءنا الأول، فترددت قبل أن تومئ برأسها أن نعم، فسألتها إن كان أحد الرجلين اللذين التقتهما يومذاك هو أبوها، قالت إن أسنهما كان أباها، ثم إبتسمت وهزت رأسها بتهكم مخبرة إياي “أصغرهما هو إبن عم لي، كنا آنذاك بصدد الإعداد لزواجنا”.

سألتها مشجعا إياها على مواصلة الحديث “ثم؟”

 فنظرت إلي بعتاب، مسحت دموعها، أعادت خصلات شعرها المنسدلة على وجهها إلى الخلف بأطراف أصابعها ثم استطردت متهكمة:

 “مات أبي فحاول إقناعي إرجاء أمر زواجنا إلى وقت آخر، لكنني رفضت مطلقا، فتزوج ابنة جارنا وحرص على إخباري يوم خطوبته وزواجه”.

فابتسمت قائلا: “ فوتِّ على نفسك عريسا رائعا، لا بد أنك نادمة”

 اكتفت بالتبسم…لبثت على حالها قليلا، حيتني ثم قامت وغادرت، إبتعدت خطوات ثم عادت أدراجها وتأملت وجهي بصدق ناصحة “أرجوك لا تدخن، إنه مضر لصحتك” فابتسمت وأجبتها أنني سأحاول… سألتها إن كانت تريدني أن أرافقها فرفضت مبتسمة..ثم غادرت.

 ****

 يا للحياة…نشيج أحدهم على ميت يقرفك عندما ترى زيفه، بينما نظرة كسيرة على ملامح آخر تغمرك حنانا وتملأ فؤادك عطفا.

 كان وقت المغيب كما اليوم عندما غادرت…تابعت خطوها الخفيف على رصيف الشارع الأيسر حتى اختفت في زحمة المساء، إنتظرت استدارتها الأخيرة لكنها لم تفعل، طفا رأسها وسط الجموع مرتين قرب النافورة حيث خفت الزحمة ثم غابت كأنما ذابت في الأفق…لو اختلقت سببا وجيها لذبت برفقتها…لكن

 أحيانا لا يسعك إلا أن تفعل ما فعلت!

 ****

 مرت شهور…حتى كادت ذكراها تنمحي عندما هاتفتني ذات عصر بارد من أواخر دسمبر، صوتها على الهاتف أقرب إلى الهمس…خافت ومحبب، سألتني بتهذيب إن كنت أستطيع لقاءها فأجبتها على الفور أنني سأفعل…تملكتني رغبة في القفز.

فالأمسيات الباردة الغائمة مقيتة، وتغمر الإنسان بشعور ثقيل بالوحدة…وبالنهاية.

 قضينا معا بقية المساء على دكة مقهى يقع بطرف المدينة الغربي حيث قلت المباني وامتد السهل الواطئ حتى امتزج بغيوم الأفق ورائحة التراب البليل، حدثتني عن موت أخيها الأصغر قبل ثلاث سنوات، لم تبك هذه المرة، تشنجت ملامحها تحسراً وهي تحكي عن بطش الداء الخبيث بعائلتها الصغيرة، أخبرتني أن أخاها الأكبر مات قبل ثمان سنين، ومند ذلك الوقت وهي تقضي معظم أيامها بين ردهات المستشفيات ومع صيدلانية الحي التي أصبحت صديقة لها، أصبحت تعلم الكثير عن الداء المقيت، لكن لا أحد يعرف له دواءً، قالت لي إنها بكت كثيراً عندما علمت بإصابة أخيها الأكبر وحزنت كثيراً لموته. 

“الوقت يشفي كل الجروح أو هكذا أظن” قالت بمرارة ثم تطلعت إلى الأفق البارد وأكملت “لكن آثار بعضها يرافقنا إلى القبور فعلاً…قد لا أبكي طوال الوقت…قد أضحك مِلء رئتيّ أحياناً…قد لا أخبر الجميع بما يؤلمني…لكنني أحدق بالأرض لساعات أهيم وحيدة والغرفة تعج ثرثرة حولي…قد يفترُّ ثغري ابتساماً أحياناً وتدمع عيناي في أخرى…إنها الذكرى…قد تضحكك وقد تبكيك” أخذت نفساً عميقاً ثم تطلعتْ بامتنان إلى السهل، تأملت وجهها ثم قلت مازحا::

 “أنت صغير فينيق فعلا “.. فضحكت كطفلة.

قبل أن تغادر ذلك المساء عانقتني وقبلت خدي بحرارة. قالت لي إن بي شيئاً يشعرها بالأمان.

 ****

 الأمسيات الباردة لا ترحم الأحبة حقا !

 “الموتى لا حق لهم بالحب يا مالك، إنهم يتعسون بموتهم ويتعسون حياة الآخرين، وأنا ميتة منذ زمن…لقد سبقني الموت إلى كل من أحببت فأصبحت أقضي أيامي أكلم القبور وليالي أهذي مع الأشباح، لقد استوطن الموت قلبي بعد فقدان الأحبة وأصبحت أخاف على كل من أحب”

هكذا أكملت رجاءها لي بتركي لها عندما طرقت باب منزلها ذات أحد، كانت أمها قد أخذت الصغير ورحلت قبل يومين ” لقد قضت الأسبوعين الأخيرين ذاهلة عما حولها، اعتلت صحتها كثيرا، أحاط السواد بعينيها من كثرة البكاء وقلة النوم”

بكت بشدة قبل أن تكمل:

“عندما عدت من المستشفى عصر الأربعاء وجدتها جاثية على ركبتيها بلباس الحداد وهي تتضرع إلى الخالق طلبا للموت، عانقتها على الفور وبكينا حتى سمعنا طرق الحاضنة على الباب عندما عادت بالصغير من المدرسة، كان الظلام قد حل”

تأملت الغرفة بتعب، لفت معطفها حولها ثم تابعت “تعبت يا مالك… تعبت من كل شيء..من الدموع والفراق ورائحة المستشفيات..”

ابتسمت بيأس ثم أضافت ” أخبرت أمي أني سألحق بها بعد آخر موعد لي مع الطبيب… لم تقل شيئا عند وداعنا، عانقتني طويلا وقبلتني بحرارة كما لو كانت لن تراني أبدا… وها أنذي أشعر كأني أنتظر الموت وحيدة”.

 اتكأت على المقعد بارتخاء ونشجت بصمت، أخذت مكاني بجانبها وأحطت رأسها بذراعي فانحنت على صدري باستسلام… ثم نامت. 

 ****

سألني الطبيب للمرة الثانية منذ متى وهي غائبة عن الوعي، بينما رجوته بتلهف أن يفحصها أولا، ترك الأوراق بقلق ثم سابق المسعفين إلى غرفة الفحص، عندما اقتعدت الصوفا الجلدية في بهو الإستقبال تطلعت لأول مرة حولي، كانت الساعة فوق مكتب مسؤول الاستقبال تشير إلى الخامسة والربع صباحا.

عندما استدعاني الطبيب هاتفيا عصر اليوم التالي قدمت مسرعا، قال لي إنها طلبت رؤيتك، طرقت الباب ثم اقتعدت حافة الفراش حيث تستلقي وأمسكت يمناها بكلتا يدي، بدت شاحبة وضعيفة، فتحت عينيها بمشقة، ابتسمت، ثم قالت مازحة:

” ساءت عادات نومي منذ أن نمت على كتفك”

أغمضت عينيها التعبتين، تنفست بصعوبة ثم همست “هل تؤمن بوجود حياة أخرى؟”

داخلني شعور بالخوف والتيه قبل أن أجيبها “لم أعد أدري…لكن أعتقد أنه من العدل أن تعيشي مرة أخرى وبطريقة أخرى”

استجمعت قواها من جديد ثم همست “لا أريد أن أكون وحيدة بعد الآن”

أحطت وجهها الشاحب بيدي ثم همست في أذنها وانا أغالب دمعي “لن تكوني وحيدة منذ الآن، لن تكوني وحيدة أبدا”.

فتحت عينيها ثم ابتسمت بامتنان بينما سالت دمعتان دافئتان على خديها.

 الفراق هو الموت الأصغر!

 قضيت بقية المساء والليل في بهو الاستقبال بعد انتهاء الزيارة، عندما أيقظني مساعد الطبيب كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا، كان الطبيب واقفا عند آخر الرواق.. فتح باب مكتبه ثم أشار مرحبا، سجل عند أسفل ورقة تاريخ اليوم، الخامس عشر من مارس، تطلع إلى ساعة معصمه، دون التوقيت ثم أخبرني بعد صمت أنها ماتت…هرعت مسرعا إلى الغرفة حيث كانت..فتحت بابها بتلهف فطالعني منظرها، كانت ممددة على السرير الطبي بركن الغرفة، اقترب مساعد الطبيب منها، أزاح الغطاء عن وجهها فبدت هادئة، بيضاء وباردة.

 ****

 أية مخاوف وآلام تلك التي تغمرنا عندما نشعر بأننا سنخرج إلى العالم صبح الغد وحيدين وتائهين؟…أية هواجس تسيطر علينا عندما يملأنا اليأس والعجز ونتطلع إلى الشيوخ ونتساءل بإعجاب كيف استطاعوا بلوغ هذه السن، فقط كيف استطاعوا؟.

البشر حقا أعند وأصلب مما نتصور، رغم خسائرهم المريرة يستمرون، يحبون، يكرهون، يتزوجون، ينجبون ويركضون سعيا وراء الحياة حتى يتعب التعب نفسه من ملاحقتهم، وهم يعلمون قطعا أنهم سيموتون. إنهم لجديرون بالتقدير فعلا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق