موضة الروحيّ، أم روح الموضة؟ (موبايل غالٍ، ولكنه مريح!)

كثيراً ما يسمع المرء في المدّة الأخيرة كلمتين مترابطتين، هما: “الموضة” و”الدين”. فقد راح هذان المفهومان اليوم يتقاطعان غيرَ مرة، ومن وجهات نظر مختلفة. ذلك أنّ رموزاً دينية شتّى اقتحمت، منذ مدّة طويلة، عالم الموضة الرفيعة، بل والمتدنّية أحياناً. ولعلّ الصليب أكثر تلك الرموز بساطة، إذ يستخدمه الجميع، ابتداء من Dolce & Gabban وحتى الصنّاع السذّج في أسواق البضائع الفيتنامية.

قبل أيام قليلة عثرت على خبر بدا لي طريفاً، لأنه يعبِّر بوضوح شديد عن نزعات العلاقات المتبادلة بين الموضة والدين. فهناك شركة أجنبية مشهورة بصناعة مختلف أنواع الأجهزة الإليكترونية، عرضت قبل مدّة قصيرة مسطرة جديدة من بضاعة تبدو شديدة التميّز للوهلة الأولى، وذكية للوهلة الثانية. والمقصود هو أجهزة موبايل (وظيفيتها عالية، ولكن إمكاناتها محدودة) مخصّصة للمستهلك المسلم. واللافت أنّ جميع هذه الأجهزة الجديدة التي تنتجها الشركة المعنية لا تختلف في شيء عمّا تنتجه منافساتها من تقنيات الاتصال، ولا تمثِّل ثورة في التكنولوجيا، ولا في الأحجام. إلا أن منتجيها راهنوا على الوظائف التي يُفترَض أن تحظى باهتمام المتديّنين.

يختزن كلّ جهاز موبايل من هذه الأجهزة في ذاكرته عدداً من النصوص القرآنية، ليس كنصوص فقط، بل وكتسجيلات صوتية أيضاً. وبذلك فإنّ كلّ من يحمل هاتفاً (موبايل) من هذا النوع قادر بكلّ بساطة أن يقرأ القرآن أينما طاب له، أو أن يستمع إلى تلاوة آيات منه. وأعترف صراحة أنني لا أعتقد أنّ المسلم المؤمن إيماناً عميقاً سوف يُعجَب بهذه الإمكانات. إنه، بالطبع، (موبايل) مريح، من حيث أنه يجنِّبك ضرورة حمل كتاب بحجم “القرآن” ووزنه، ولكنه في الوقت نفسه يذهب بقدسية التلاوة والدعاء. فالقرآن، في نظر المسلم، كلامُ الله، وإذا بالمرء يستطيع تلاوته دون القيام بأيّ استعدادات أوّلية وأينما اتُّفِق، بل ويمكن قطْعُ تلاوته إذا لم تكفِ ذاكرة (الموبايل)، مثلاً. غير أنّ تلاوة القرآن ليست موسيقى دارجةً يمكن التعامل معها بهذه الطريقة!

إنّ مدراء هذه الشركة المنتجة أحسنوا التفكير حين رأوا أنّ القرن الحادي والعشرين هو عصر السرعاتِ العالية وإيقاع ِ الحياة الجنوني، فزوّدوا بضاعتهم بجملة “ميزات” تمكِّن المسلم من معرفة أماكن المساجد في أيّ مدينة كبيرة في العالم، ومن ضبط برنامجه اليوميّ وَفقاً لأوقات الصلاة التي يطلق (الموبايل) رنّات تذكِّره بمواعيدها، فضلاً عن أنّ بعض هذه الأجهزة مزوَّد ببوصلة تحدّد جهة القِبلة (موقع مكة المكرَّمة) من أجل أداء الصلاة. وهكذا، يكون المسلم، في نظر المنتجين، قد ضمِن استيفاء جميع الشروط التي يتوجب عليه مراعاتها. وباختصار، عندما يرتفع صوت الأذان من هاتفه الموبايل، لا يكون عليه إلا أن يفترش سجادة الصلاة ويصلّي.

هذه هي النتيجة عندما يريد أحدٌ أن يجنيَ من التديُّن مالاً. والحقيقة هي أنّ هذا “الاهتمام” بالمسلمين ليس أكثر من لعبة تجارية ذكية. فالشركة المعنية حدّدت جمهور زبائنها الذين يزيد عددهم عن 20% من سكان المعمورة. والشيء الرئيس هو أنّ الشركة ما تزال، في غياب المنافسين المؤقّت، تحتكر عملياً هذا الجزء من السوق. وأهمّ من ذلك كله أنّ البضاعة تتحدّث عن نفسها، وما من سبب، إذن، لوجع الرأس!

هذه “الميزات الإسلامية” جميعها موجّهة للكسالى (على أن أكثر من نصف البزنس اليوم قائم على هذا الأساس)، ذلك أن تطور التقنيات في عصرنا، وسهولة الوصول إلى الإنترنيت يجعلان من تسجيل تلاوة القرآن، أو الأذان وأوقات الصلاة مسألة دقائق لا أكثر.

ورغم أنّ هذه البضاعة لا تناسب المسلمين بالقدْر الذي ترغبه الشركة المنتجة، فإنّ الطلب عليها سيكون كبيراً، كما أعتقد. فهي تجمع بين موضة امتلاك التكنولوجيات الحديثة وموضة حمْلِ رموز التدين، ما يضمن لـ (موبايل) من هذا النوع أن يغدوَ علامة جديدة من علامات التدين اليوم.

ولكنْ لا يجوز أن نظنّ أنّ هذه “الألاعيب” باسم الدين تستهدف البيئة الإسلامية وحدها، إذ أنّ السوق تجبِر الجميع على تقبُّل هذا “الإغراء”. فالمرء يستطيع اليوم أن يشتري ما يستخدمه البوذيون في صلواتهم من طبول صغيرة ليعالج بها إرهاقه العصبي، وأن يقتني أدوات سحر غريبة أخرى يزيّن بها بيته! ولعلّ أيقونات القديسين المسيحيين تتعرض لأبشع ابتذال، إذْ كثيراً ما يعلِّق أناس صفوفاً منها في سياراتهم لا لشيء إلا لتحميهم من الحوادث وشرطة المرور! إلا أنّ علينا أن نتذكر أن المسيحية ناضلت وقتاً طويلاً ضدّ هذه المعتقدات البالية في الأماكن التي قصدها المبشرون. لكن الماضي يطالب بحقّه دوماً! إذ ما إن خفَّت الرقابة على الرعية حتى عادت المعتقدات البالية تعلن عن نفسها مكتفية بإدخال قليل من التغيير على وجهها.

على أنّ المسيحية صديقة للتكنولوجيا العالية (هاي تِك) أيضاً. فحين استقصيتُ ما إذا كان يُعرَض على المتدينين المسيحيين شيء من قبيل “الموبايلات الإسلامية” وجدتُ بكلِّ يُسر ٍفي الإنترنيت مجموعة كاملة من الخِدمات المطروحة على مستعملي الموبايل، مثل: “الجليس الروحي”، واقتباسات من الكتاب المقدس، و”يوم الحساب”، وتقاويم تتضمن الأسماء وأسماء الأعياد وتواريخها، وغير ذلك… وطبعاً، ليست تلك الخِدمات مجّانية.

نستطيع أن ننصح منتجي هواتف الموبايل بصنع أنواع منها للمسيحيين أيضاً، “يسكبون” فيها الكتاب المقدس، والأدعية، والصلوات، وأنواع التقاويم، وحياة القديسين… فالربح مضمون! ولنسرعْ كي نطوِّب هذه الفكرة بـ “براءة اختراع”! إننا، إذا ما حوَّرنا كلام الفيلسوف الإغريقي هيراقليط كي ينطبق على عصرنا، أمكننا أن نقول: كلُّ شيء يشترى بالمال، والمال يشترى بكلّ شيء. وما القيم الروحية باستثناء، بل هي تخضع اليوم لهذه القاعدة أكثر من أيّ وقت مضى. فإذا ما كانت الطريق إلى الذات (معرفة النفس) في نظر بعض منّا بحثاً روحياً وتطوراً، فإنها في نظر بعضنا الآخر مجرَّد (بزنس) لا غير. واللافت أنه حتى عبارة “الطريق إلى الذات” غدت منذ تسعينات القرن المنصرم شعاراً للزينة.

إنك اليوم لا تكاد تخطو خطوة حتى تجد من يقترح عليك أن تبدأ أو أن تتابع بحثك الروحي، بدءاً من أنصار كريشنا وحتى “شهود يهوه”! ودائماً تجد في الأماكن المزدحمة بالناس من يرتدي زيّاً خاصاً ويجمع المال لبناء كنيسة أو مسجد… غير أننا لا نعرف من هم هؤلاء، ولا إلى أين تذهب تلك الأموال التي يتبرع بها الناس؟ إذْ لمّا كانت الأموال التي يجمعها هؤلاء لا تخضع للضرائب كما تخضع التجارة، راح بعضهم يستغل هذا “النشاط”. فالجميع يعرف أن أنصار كريشنا يعرضون عليك في البداية تقديم أحد كتبهم هدية لك، ولكنْ ما إن يصبح الكتاب في يدك حتى يتمسّك به “الداعية” ويطالبك بتبرّع، ولا يقبل منك مبلغاً رمزياً أو زهيداً.

وختاماً أورِدُ نكتة تعود إلى بداية التسعينات، تقول إنه أُشيع بين أتباع إحدى الطوائف المسيحية أن طبعة غربية من الكتاب المقدس سوف توزع عليهم مجّاناً. وحين جاء أحدهم في الموعد المحدد طالبوه بتبرع، فسأل:

– كم؟

– ما تسمح به النفس.

– ولكنْ كم، كي لا تقولوا إني بخيل؟

نحن لا نبيع الكتاب المقدس، ونكتفي بالتبرع.
كم قيمة التبرع؟
13 روبلاً و 50 كوبيكاً.

{{ترجمة: نوفل نيوف}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق