موقف الإسلاميين السوريين من تعديل قانون الأحوال الشخصية

الشيخ عبد العزيز الخطيب الحسني الشافعي الدمشقي، نموذجا

في العام الفائت، قامت مجموعة نسائية سورية مرخصة أصولا لدى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل باستقصاء للرأي بين نساء سوريات من مختلف الفئات والطبقات والبيئات حول رأيهن في قانون الأحوال الشخصية وإمكانية تعديل بعض بنوده، وخاصة مسألة تعدد الزوجات والإرث، وكذلك بعض المواد القانونية الأخرى، من مثل تلك المتعلقة بجرائم الشرف، وغيرها.

كان المشروع بمثابة ناقوس الخطر بالنسبة لمعظم الإسلاميين السوريين، الذين رأوا في هذا المشروع تهديدا للدين الإسلامي و”للشام الشريف” (1) ويريد تهديد رفعة هذا البلد ونظام هذا البلد، فبدأ أئمة الجوامع وخطباء الجمعة والدعاة والواعظون في البيوت والمدارس الدينية والمساجد بحملة شرسة على الاستقصاء والجماعة النسائية، ترافقت مع ضغوطات مورست على جهات حكومية في سورية، أدت في النهاية إلى أن أصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهي الوزارة المختصة في قضايا الجمعيات الأهلية، قرارا بحل الجمعية، بدون إبداء الأسباب.

وأعتقد أن الأمر الذي أثار أصحاب الحملة من الإسلاميين ذو شقين: أولهما أن المرأة خط أحمر بالنسبة للإسلاميين. فهم وإن تساهلوا في بعض القضايا كالديمقراطية والعقلانية والمساواة (بعد تجريد كل هذه المفاهيم من محتواها الحقيقي وقصقصتها لتصبح ملائمة لفهمهم الضيق للإسلام) فإن قضية تمكين المرأة ومساواتها كانت ولا تزال مسألة لا تهاون ولا تهادن فيها. والشق الثاني أن الجمعية لم تكتف بالنخبة النسوية التي غالبا ما تلتقي في مؤتمرات يحضرها بضع عشرات أو بضع مئات من الأشخاص (معظمهم من الذكور) وإنما تجاوزهن إلى الشارع النسائي، فقصدت الأحياء الفقيرة والضواحي والقرى النائية، وهو تجاوز آخر، أمر وأدهى، للخط الأحمر. فلئن كانت النخبة النسوية ميئوس منها بالنسبة للإسلاميين، فإن الذهاب إلى الذكور في عقر دارهم وتحريض النسوة عليهم هو خطر داهم كان لا بد من التصدي له ووأده، وهو ما تم فعلا.

-2-

في هذا المقال سنركز على أحد الخطباء الذين استغلوا منبرهم لشن أوسع هجوم على الجماعة النسائية خصوصا وجميع أنصار المرأة بدون استثناء عموما. وتركيزنا على خطيب واحد سببه أن هذا الخطيب يمثل معظم رجال الدين الذين وأدوا الجمعية في مهدها، كما كانت العرب تئد بناتها، وأن له جمهورا كبيرا بين المؤمنين فهو إذن ذو تأثير في المجتمع، وثالثا لأن وجهة نظره قد عبر عنها في تسعة دروس ألقاها في جامع الدرويشية بدمشق، ثم نشرها في كراسة، وزعها مجانا لمن يريد.

يبدأ الشيخ عبد العزيز الخطيب الحسني الشافعي الدمشقي دروسه التسعة بجملة طنانة يلفت فيها نظر سامعيه إلى خطر المحاضرات التي هو بصدد إلقائها. ولكنه في الحقيقة لم يكن يهتم بسامعيه من المتدينين، بل أكثر من ذلك، كان يهتم بأن يصل قوله على السلطة ومركز القرار في سورية. لذلك بدأ محاضرته الأول بهذه العبارة الجزلة والمحذرة:

“دقت ساعة الخطر، معلنة أن الدور وصل إلى سورية: دور التخريب والفوضوية وصل إلى الشام الشريف. بدأ الغرب الكافر بزعامة أمريكا يريد أن يدمر رفعة هذا البلد ونظام هذا البلد. يريد أن يعلنها فوضوية بلا أمن ولا أمان. وهذا ديدن أعداء الإسلام والعروبة، ديدن استنفاذ ثروات العالم العربي والإسلامي عن طريق زرع الفتن الداخلية والضغوط الخارجية، حتى لا تقوم قائمة لدولة الإسلام في بلاده.” (2)

أول ما يلفتنا هنا أن الشيخ الخطيب يحاول أن يهول من حجم المادة التي بين يديه، لأنه يريد أن يعزز مواقعه أمام مستمعيه وقرائه، ولكن أيضا أمام الجهات السياسية التي يحاول إيصال رسالته إليها. ولو افترضنا أن الشيخ بدأ حديثه عن جهد تقوم به مجموعة صغيرة من النساء لمناقشة قانون الأحول الشخصية، لما استطاع أن يلفت إليه الأنظار بالحجم الذي يستطيعه، وهو يوهم البشر أن العدو أصبح على الأبواب، وأن الوطن والدين والأخلاق جميعها في خطر داهم.

على أن البداية ليست وحدها المرة الوحيدة التي يستقوي فيها الشيخ الخطيب على الجمعية النسائية، بل إنه يكرر ذلك في كل صفحة تقريبا. وفي كل مرة يربط بين جهد الجمعية المتواضع و”المواقف الوطنية للقيادة السورية لدرء الهجمة الغربية الكافرة.” وهو يستعدي رئيس الجمهورية نفسه في أكثر من موقع، ففي الصفحة 3 من كراسته، يستشهد بقول لرئيس الجمهورية أن “اللحمة تحمي الوطن بسور ومناعة ضد الضغوط الخارجية.” وفي الصفحة 5، يقول “أنا أرفع التحية للسيد الرئيس الذي لا يحني جبهته لغير الله، وأقول له إن المدافعة عن الدين أهم أسباب النصر، وكما تدافع عن حياض الوطن، أناشدك بالله أن تضع حدا لهؤلاء، لأنهم أول من سيفتحون الأبواب لأمريكا.”

تستقيم ههنا اللعبة. فلكي يتم تحريض القيادة السياسية للبلد ضد تحرك نسائي ثقافي سلمي، لا بد من ربط الأمور بأميركا والعدوان الخارجي. ولذلك نراه يقول في مكان آخر إن التحرك الداخلي جاء بالتنسيق مع التحرك الخارجي، “يرتفع بارتفاعه وينخفض بانخفاضه.” ههنا يرفع الشيخ الخطيب محاولة الجماعة النسائية إلى مرتبة الخيانة العظمى، لذا لا بد للشيخ أن يطلب من السلطة الضرب بيد من حديد على هذه الجماعة “المناصرة للغرب الكافر” والتي تريد “تحطيم آخر قلعة من قلاع المسلمين وهو القرآن، من خلال تطبيق شريعة غير المسلمين على المسلمين،” وذلك من خلال “شطب آيات من القرآن الكريم،” و “وضعها على الرف.” ثم يسال الشيخ الخطيب عن توقيت هذه الهجمة على الدين والأخلاق فلا يجد مناصا من ربطها بوقت “تعبث فيه أميركا بالضغط الخارجي لجر البلاد إلى فوضى عارمة.” وإذن فالجماعة النسائية ليست بريئة من الارتباط بأميركا والغرب، ولذلك ينبغي على الحكومة ضربها.

ولجعل أمر ارتباط هذه الجماعة بالغرب، وهو ما أثبته الشيخ الخطيب ببراعة لا مثيل لها، لا بد أن يرينا الوجه المريع للغرب الكافر وخاصة الرئيس الأميركي جورج بوش. وهو لا يتورع عن التلفيق الرخيص لأقوال يتهم فيها رؤساء غربيين بقولها. من هذا مثلا ما نقله عن الرئيس بوش أنه قال، في خطاب سنة 2002، ” بكل صفاقة: لن نتوقف حتى يصبح كل عربي ومسلم مجردا من السلاح وحليق الوجه وغير متدين ويحب أميركا ولا يغطي وجه امرأته.”

ثم يستشهد في بعض أسطر بتصريح آخر ينسبه للرئيس بوش: “آمل أن أكون حافظت على إرث آل بوش حيا، بمحاربة المسلمين كل عشر سنين لاستمرار الفوضى في بلادهم.” وفي مكان آخر ينقل عن لسان “بوش الحقير قوله في احد خطاباته إن العالم الآن حر في الشرب والتدخين وممارسة الجنس العادي والمثلي، بما فيه اللواط والسحاق، وفي الأوتيلات وغرف النوم وإنتاج الأفلام الإباحية.”

شخصيا، لا أحب جورج بوش وهو بالتأكيد ليس الرئيس المفضل لدي، ولكن الأمانة تقتضي أن نقول أن الصفاقة الحقيقية هي صفاقة رجل الدين الذي لا يتورع عن الكذب، لكي يقنع الناس بصدق روايته وبحجته. اضطررت، دون أن أكون بحاجة إلى ذلك، أن أرجع إلى خطب الرئيس بوش كلها في العام 2002 علني أجد جملة واحدة قريبة من اقتباس الشيخ الفاضل فلم أجد. أما قضية المثلية الجنسية (3)، فالمعروف أن بوش هو من أكثر
المحافظين في هذه القضية، وهو محارب فج ضد كل الحقوقيين المدنيين الأميركيين الذين يطالبون بحرية المثليين في الولايات المتحدة.

غير أن الاستشهاد الكاذب، على أهمية تأثيره في نفوس المؤمنين، لا يكفي للدفع بالشر إلى هاوية التفجر الحاقد ضد الجماعة النسائية، لذلك كان لا بد أن يعطي الرواية دفعة درامية قوية، لإعطائها نكهة مميزة. ومن هنا قرر إن عقوبة الخائن لن تكون أقل من عقوبة سيده الإلهية، ولذلك سترعبنا من دون شك عقوبة الخالق لأميركا. يقول الشيخ الخطيب، مسندا روايته إلى قناة العربية، إن فوهة انفتحت في حديقة عامة بأميركا، “فأسرع حراس الحديقة واستدعوا الجيولوجيين، الذين قالوا هذه فوهة بركانية خامدة… وإذا ثار هذا البركان قضى على ثلثي أميركا.”

والعقوبة الأهم هي بالتأكيد الطير الأبابيل، “طير الإيدز” الذي يقتل يوميا 20000 شخص.”!! من العبث السجال العلمي مع رجل لا يوثق اقتباساته ومعلوماته، ولا يرعوي عن لوي عنق أية معلومة للوصول إلى هدفه. أولا رقم 20000 مبالغ فيه. في أسوأ الإحصاءات، يموت نحو 13000 فرد يوميا جراء الإصابة بفيروس نقص المناعة، ولكن الشيخ الخطيب لا يجد غضاضة في زيادة سبعة آلاف شخص، لكي يضاعف تأثير حديثه على مستمعيه. على أن الموضوعية والأخلاق في البحث العلمي تفترض التدقيق، فمعظم ضحايا الإيدز هم من أفريقيا، وليسوا من الغرب. وتبدو بالنسبة لي فكرة عبثية أن يرسل الخالق طير الإيدز ليعاقب به الأفارقة الفقراء بسبب “فسق الغربيين الكفرة وفجورهم.”

– 3-

على أن المضمون الرئيسي لدروس الشيخ الخطيب هو، بالطبع، المرأة ونشاط الجماعة النسائية الصغيرة التي أشرنا إليها أعلاه. يصدر بعض الإسلاميين (4) في مواقفهم من المرأة عن خوف شديد من احتمال أن تفر ذات يوم من تحت جناهم. ولذلك تراهم يبذلون كل ممكن، لإبقائها تحت سيطرتهم. والخوف هو أكبر محرك للشيخ الخطيب في محاولاته لوأد أي تفكير في تمكين المرأة.

وهو يبدأ محاولته بتبرئة المرأة من تهمة التحرر وإلقاء اللوم على الرجال والنساء “المتشبهات بالرجال” الذين يحاولن إغواء المرأة بالتحرر. وأسهل الطرق وأقصرها لسحب البساط من تحت هؤلاء الرجال والنساء هو إطلاق حكم قاطع بأنهم يخالفون القرآن وأنهم عملاء للغرب.

“إن جهودا منظمة موجهة من قبل الغرب الكافر تبذل لإنشاء موازين وقيم وتصورات للمجتمع غير تلك التي يريدها الله”. هكذا يقدم الشيخ الخطيب لمشكلته، مشددا على المشهد البصري المؤثر، فيضيف “في الوقت الذي لا نشاهد فيه على الفضائيات سوى أعمال القنص والقصف والخراب والدمار ]…[تدوي قنابل وصواريخ الغدر (من خلال) استطلاع خبيث يسأل هل الزواج بثانية يؤثر سلبا على الأسرة؟”. ثم يتابع الشيخ الخطيب فيقول: “أمريكا وأذنابها من أنصار المرأة يريدون هتك القرآن” أما كيف يريدون ذلك؟ فهو أنهم “أخذوا بعض التشريعات وطلبوا من الناس رأيهم فيها”. ونحن لا نستطيع إلا أن نلحظ – أولا – كيف ربط الخطيب، بدون وازع من علم أو موضوعية، بين الاستبيان الذي قدمته الجماعة النسائية وبين “القنص والقصف والخراب والدار” الذي تقوم به “أميركا والغرب الكافر والأمم المتحدة”. ثانيا، يعترف الشيخ الخطيب أن قنابل وصواريخ القصف تأتي من خلال استقصاء، استبيان للرأي، ثم يؤكد أن جل ما فعله “أنصار المرأة أنهم “أخذوا بعض التشريعات وطلبوا من الناس رأيهم فيها”. وهو هنا يقدم لنا خدمة كبيرة، إذ يعترف أن رعبه القاتل يأتي من استبيان للرأي؛ هو يخاف من مجرد أن يكون للنساء رأي مستقل عن الرجال، ومن مجرد أن يعمل النساء والرجال عقلهم للتفكير فيما إذا كان حكم قد نزل على بيئة اجتماعية عاشت قبل أربع عشرة مائة من السنين يمكن أن يسيء إلى الأسرة.

ولكن ما سبق ليس أشد ما في جعبة الشيخ من سواد. فهو سرعان ما يتبع ذلك بدفقة كبيرة من المواقف الأشد ظلامية في الفكر الإسلامي في القرنين الماضي والحالي. ولسوف نرى أنه، مباشرة بعد أن يفرغ من مهاجمة الغرب الكافر وربط الضغوطات الخارجية بنشاط مناصري حقوق المرأة وتحريض السلطة السياسية والأمنية على هؤلاء الناشطين والناشطات، يبدأ بأهم ما يقلقه ويثير أعصابه، فكرة إلغاء (أو حتى مناقشة إلغاء) قانون جرائم الشرف.

يقول الشيخ الخطيب إن “هذه الجمعية الخبيثة تريدها إباحية تنتشر في مجتمعنا، تريد من المرأة أن تهتك عرضها وشرفها بالدعوة لإلغاء القانون”. ثم بعد ذلك مباشرة يرمي علينا بالقنبلة التالية: “عندما نلغي قانون جرائم الشرف ستقوم المرأة بهتك عرضها والزنى ]كذا[ علانية في الطرقات والفنادق ومعاقل الخمور، كما هو في الغرب الكافر. يريدون من شعبنا أن يتسافدوا في الطرقات، ويعلنوها إباحية…”

سنلاحظ مباشرة أن الشيخ ينطلق في فكرته السابقة من أن كل امرأة زانية ما لم نحصنها بقوانين جرائم الشرف. هي إذن مشروع زانية أو زانية بالقوة، سرعان ما تتحول في لحظات إلى عاهرة بالفعل حالما نرخي لها العنان قليلا أو نسهو عنها لحظات. ,ولننتبه أن الشيخ لم يقل مثلا بعض النساء، بل قال المرأة، وفي ذلك إطلاق يعني كل النساء. ويتمتع الشيخ بمقدرة كبيرة على التصوير واستعمال الحسي لضرب العقلي، كما فعل أعلاه، حين صور النساء وهن يهتكن عرضهن في الطرقات والفنادق. سيتبادر إلى ذهن المستمع صورة حسية عن نساء سكارى يجبن الشوارع عاريات لكي يمارسن الجنس علانية على طرقات الشوارع والأماكن العامة. وهو يكرر هذه الصورة أكثر من مرة في محاضراته التسع. ففي الصفحة 10 يقول: “وأنصار المرأة يريدون التشجيع على الزنا من خلال إلغاء قانون عدم قتل هذا الغيور على عرضه، وتصبح المرأة لا حاجز أمامها وأمام الزنا مادامت لا توجد عقوبة عليها.”

وإذن، فإن ما يمنع المرأة، مطلق امرأة، من ممارسة الجنس على قارعة الطريق ليس حبها لزوجها ولا احترامها لنفسها ولا حتى شعورها الديني، بل هو خوفها من القتل من قبل زوجها أو شقيقها أو ابن عمها أو أي ذكر آخر في العشيرة.

بل إن الشيخ الخطيب يسير خطوة أخرى على هذا الطريق، فلا يشترط في تنفيذ عقوبة الزنا ما تشترطه الآية القرآنية “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.” (النور 4)، وإنما يبرر قتل المرأة بناء على حديث لا يمكن التأكد من صحته، مفاده أن سعدا جاء النبي مرة وقل له “يا رسول الله، هل إذا رأيت مع امرأتي رجلا انتظر حتى أحضر أربعة شهود؟ والله لأعلونه بسيفي.” فيقول النبي: “تعجبون من غيرة سعد. أنا أغير من سعد والله أغير مني ومن سعد.” ويعلق الشيخ الخطيب على ذلك بقوله “هذا أمر أقره رسول الله ص ولم يعترض عليه أحد ولم يقل (محمد) له إن فعلت قتلتك به.” ههنا شيخ ينسخ آية بحديث نبوي دون أن يرف له جفن، ودون أن يحتج أصحاب الشأن من رجال دين ومفكرين ومن جمهور المتدينين. أما نحن فيحق لنا أن نستغرب هذا الدفاع عن القتل هذا الهجوم على أي محاولة لإلغاء هذا القانون البربري، خاصة وأن مفتي الجمهورية الدكتور أحمد حسون أعلن صراحة أن قانون جرائم الشرف ليس من الإسلام في شيء، وطالب بتعديله وإلغاء مواده.

– 4 –

ولا يكتفي الشيخ الخطيب بكل ما سبق، بل إنه يهاجم أعضاء الجمعية النسائية كأفراد، ويصفهن بأنهن معصوبات ومعقدات، ويخص رئيسة الجمعية التي يقول عنها “ارجعوا إلى رئيسة هذه الجمعية، سترون أنها في كل يوم تقوم بمشكلة مع زوجها أو هي معقدة نفسيا تحتاج إلى مصح.” في أي مكان في العالم يمكن أن يكون قائل هذا الكلام عرضة لتهمة القدح والذم، ويمكن أن تدعي عليه صاحبة الشأن وتأخذه إلى المحكمة. في سورية، ثمة حصانة مشبوهة لرجال الدين الأصوليين، ولذلك نرى الشيخ الخطيب يكمل هجومه، ويقدم معلومات لا سند لها ولا دليل. ففي قانون الإرث مثلا، يحل الشيخ الخطيب مسألة الإرث بسؤال ساذج هو التالي: أيهما أفضل ألا ترث المرأة مطلقا أم أن ترث نصف حصة الرجل؟ وللإجابة على هذا السؤال، يعتمد الشيخ على “ثقافته” التي يستمدها مما سمعه قبل عشرات السنين من أن “الغرب الكافر” يحرم المرأة من نصيبها من الميراث، الذي يذهب بأكمله إلى “ابنه الأكبر وباقي الورثة لا شيء.”

نحن هنا أمام احتمالين: إما أن الشيخ يعرف أن ما يقوله غير صحيح، أو أنه لا يعرف، وفي كلا الحالين نحن إزاء أزمة، إما أخلاقية أو معرفية.

لقد كان قانون الولد البكر ساريا في أوروبا والغرب عموما في العصور الوسطى. في العصر الحديث، قوانين الإرث شديدة التعقيد، إلى حد قد يبرر للشيخ جهله بها. ولكنها بالتأكيد لا تحرم المرأة من نصيبها في الإرث، بل إن المرأة قد ترث كل مال أبيها أو زوجها أو أمها، إلخ، حتى في ظل وجود إخوة ذكور لها. ولست أجادل أن القوانين الغربية أفضل أم أسوأ من قانون الأحوال الشخصية، ولكنني أجادل بقوة في أن قانون الأحوال الشخصية هو قانون وضعي مستمد من الشريعة. ولكونه وضعيا فإن تعديله بشكل يزيل الغبن اللاحق بالمرأة مبرر ومشروع وضروري.

ويتابع الشيخ الخطيب إصراره على النقص في المعرفة، فيضيف “أتعرفون ماذا يفعل بعض النصارى اليوم؟ يذهبون إلى القاضي المسلم لينالوا حقهم من الإرث بحكم القاضي المسلم. يلجؤون إلينا لأن شرعتنا أعدل وأقوم”. الجهل – أو التجاهل– هنا بين. فقانون الأحوال الشخصية السوري، يطبق القانون الإسلامي على كافة المواطنين بما في ذلك المسيحيون. وبالتالي، فإن قول الشيخ بأن المسيحيين “يذهبون” إلى القاضي المسلم غير صحيح، إذ أنهم يحصلون على ذلك بقوة القانون. ] 5[

والأسوأ أن الشيخ يخيف المرأة بأنها، إذا ما طالبت بتعديل مادة أو اثنتين في قانون الأحوال الشخصية، إنما “تتمرد على تعاليم الإسلام وتطالب بالمساواة بالرجل”. وإذن، فإن المطالبة بالمساواة هي تمرد على الإسلام، وعندها، “المرأة التي تتخذ منهجا غير الله ستقف وحدها. والله، لا جمعية أنصار المرأة ستنفعها ولا نساء الدنيا سينفعنها. لن تستطيع أن تقف بين يدي الله وتقول له: سأحضر محاميا معي رئيسة أنصار المرأة. سيقول لها الله: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا.” هذا تصوير حسي مخيف يستخدمه الشيخ الذي رأيناه قبل قليل يجهل أن قانون الإرث السوري يسري على المسيحيين والمسلمين، ورأيناه يبين جهله – أو تجاهله – بقوانين الإرث الغربية، لكي يرهب المرأة ويمنعها من التفكير بالمساواة بالرجل.

– 5 –

المحطة التالية في خطاب الشيخ الخطيب هي تعدد الزوجات. بذكاء عملي واضح، يعود الشيخ ليربط مطالب الجمعية النسوية بالهجوم “على وطننا العربي.” وهو يبدأ حلقته الخامسة، كما ذكرنا أعلاه، بالكلمات التالية:

“في الوقت الذي لا نشاهد على الفضائيات سوى أعمال القنص والقصف والخراب والدمار، وكلها في وطننا العربي (…) في هذا الوقت تدوي قنابل وصواريخ الغدر (في) استطلاع خبيث يسأل هل الزواج بثانية يؤثر سلبا على الأسرة؟” مرة أخرى، هذا مدخل سياسي لموضوع اجتماعي-ديني، وهو يهدف إلى استعداء الحكومة السورية ضد الاستبيان إياه.

ثم يتابع الشيخ فيقول إن الاستبيان سأل “هل تؤيد إلغاء تعدد الزوجات؟” ويضيف سؤالا على شكل قنبلة: “إلغاء تعدد الزوجات؟! وهل يملك أحد في الوجود كله أن يغير كلمة الله؟” ثم يسأل سؤالا ثانيا: “هل يجوز إدانة جميع الأنبياء السابقين لأنهم تزوجوا أكثر من واحدة؟” ههنا استعداء من نوع آخر: استعداء للخالق (ووكلائه على الأرض وجمهور المؤمنين) على الاستبيان. ولكن الشيخ يفعل بالضبط ما يحرض ضده، فهو يصادر كلمة الله ويفسرها بالشكل الذي يوافق هواه الذكوري. وسأستعير ههنا تفسيرا للباحثة الإسلامية القديرة سحر أبو حرب للآية التي تبيح تعدد الزوجات. تقول الآية 3 من سورة النساء: ” وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا أ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا.” تقول السيدة أبو حرب إن معظم المفسرين تناولوا هذه الآية بمعزل عن سياقها في السورة، من جانب، ثم أساؤوا تفسيرها، من جانب آخر. ففي تفسير ابن كثير أن معنى الآية أنه “إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى سواها من النساء، فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه.”

وفي رأي السيدة أبو حرب، وهي باحثة إسلامية مجتهدة ومؤلفة لمجموعة من الكتب والأبحاث التي بدأت تنتشر بين المسلمين المعتدلين في دمشق خصوصا وسورية عموما، أن تفسير ابن كثير ذو منشأ ذكوري. وهو بعيد عن مقصد الشارع من هذه الآية. وتضيف إن تفسيرها لهذه الآية يستمد من ربطها بظروفها التاريخية، ومن أخذها بكليانتها. وهي ترى أن معظم المسلمين يحفظون جزء الآية التي تقول ” فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ،” ولكن قلة قليلة فقط تتذكر جزءها الأول ” وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى.” وهي تقول بوضوح إن الهدف من الآية الكريمة ليس إباحة التعدد إطلاقا، وإنما القسط باليتامى. أما تفسير ابن كثير وغيره من المفسرين الذكور، فتراه “مخالفا لمقصد الخالق من الآية، وهو القسط باليتامى.” فلو كان الخالق يقصد من اليتامى فقط القصر من الفتيات اللواتي هن تحت حجر أحد من الرجال، لكان ذكر ذلك صراحة، ولكن اليتامى جمع يتيم، وهو هنا يعنى مطلق يتيم، سواء أكان ذكرا أم أنثى. والحق، كما تؤكد السيدة أبو حرب، أن موضوع اليتامى هو جزء جوهري من سورة النساء. ففي الآية 2، وهي التي تسبق مباشرة آية تعدد الزوجات، يرد ” وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا”. وفي الآية 10، يرد “إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا.” فهل كان الشارع يقصد في الآيتين القصر من اليتيمات؟

فكيف تفسر السيدة أبو حرب الآية 3؟ تقول إن المقصد من الآية هو أنه إذا كان الرجل مسؤولا عن يتامى قصر، وخاف ألا يقسط فيهم، فله أن يتزوج والدتهم، على أن يعدل بينها وبين زوجه الأولى. وتضيف أننا إذا أخذنا الآية في سياق السورة، وخاصة في سياق الآيات التي تتحدث عن رعاية اليتامى والقسط فيهم، فإنها لا يمكن أن تعني، الزواج من اليتيمات القاصرات اللواتي في عهدة الرجل. ولكن السيدة أبو حرب لا تكتفي بهذا الشرح، بل تضيف أنه في الحياة المعاصرة تأخذ الدولة والقضاء دور الراعي لشؤون اليتامى وإدارة أموالهم. وبالتالي، فإن الآية، “وهي بالتأكيد قول الله وغايته” يبقى لها دورها التعليمي، الذي يقول لنا :”انظروا كيف كان حال من سبقكم، وتأملوا التطور الذي جرى لكم. تعلموا واعملوا”. وبالتالي، تسير السيدة أبو حرب خطوة إلى الأمام، لتقول إن تعدد الزوجات غدا الآن، إذا ما أردنا تطبيق مقاصد الشريعة، لا حرفية النص، غير مباح. وتزيد فتقول إن المستقبل سينظر إلى الأولاد من زيجات متعددة باعتبارهم أولادا قد احتلوا مكانا ليس لهم وأخذوا حقوقا لا تخصهم.

هذا تفسير مخالف للكثرة من المفسرين الذكور. ولكن حتى لو أخذنا تفسير الرجال على أنه صحيح، فإننا لن نصل إلى ما وصل إليه الشيخ الخطيب، في سجاله غير العادل وغير المتكافئ مع جمعية المبادرة. ولنأخذ مثلا تفسير القرطبي للآية الثالثة من سورة النساء. يقول القرطبي في تفسيره: “وإن خفتم شرط وجوابه انكحوا.” إذن يربط القرطبي في تفسيره (وإن كان يوافق ابن كثير والطبري في أن اليتامى هنا تعني القصر من النساء اليتيمات اللواتي تحت حجره) جواز الزواج من ثانية بشرط الخوف من القسط في اليتامى، فإذا هذا الشرط سقط جوابه: أي مشروعية تعدد الزوجات.

ذلك تفسير يعود إلى اثني عشر قرنا إلى الوراء. فننظر الآن إلى موقف الشيخ الخطيب من قضية تعدد الزوجات. أولا، هو بدأ بالإرهاب والتخويف: “وهل يملك أحد في الوجود كله أن يغير كلمة الله؟” ثم ثنّى بالسؤال الماكر في سذاجته: “هل يجوز إدانة جميع الأنبياء السابقين لأنهم تزوجوا أكثر من واحدة؟” وهو سؤال ماكر لأن الشيخ الخطيب يعلم أن الأنبياء سبقوا الرسالة القرآنية، وبالتالي فهم كانوا محكومين بشرائعهم الخاصة. غير أن الشيخ لا يكتفي بذلك، بل يحاجج بما يسميه “العقل”، فيقول إن أنصار المرأة “لو كانوا أنصارا للمرأة لسمحوا فعلا بتعدد الزوجات لا بإلغائه، لأنهم يحمون بذلك أكبر عدد ممكن من النساء (من) أن يقعوا في حمأة الرذيلة.” ههنا، ينقلنا الشيخ من حرفية “كلمة الله” وروحها على حد سواء إلى تفسيره الشخصي الذكوري. فالآية الثالثة من سورة النساء، بروحها ونصها، تربط تعدد الزوجات بشرط الخوف من العدل في اليتامى. بينما تتحول المسألة بالنسبة إليه إلى سياج لحماية عفة المرأة. وبالتالي فتعدد الزوجات مثله مثل قانون جريمة الشرف هو حماية للمرأة العاهر بطبعها من ممارسة هذا الطبع و”التسافد في الطرقات”. هو، إذن، “يغير كلمة الله” إذا استخدمنا طريقته في الإرهاب المعنوي.

ويزيد على ذلك بأن تعدد الزوجات ليس فقط مباحا، بل هو واجب على الرجل عندما يكون له “امرأة لا تعفه، وقد استبدت به الشهوة، وخاف الوقوع بها وكان قادرا أن يتزوج بأخرى…” تروادنا هنا غواية سؤال الشيخ: “وما الذي تملكه المرأة التي لا يعفها زوجا واستبدت بها الشهوة وخافت الوقوع بها؟” ولكن المشكلة في السجال مع رجال الدين أنهم يلجؤون للعقل فقط عندما يخدمهم ذلك. ولذلك نفضل أن نبقى في سياقه هو، ونذكر أن الشيخ لم يبد فقط ازدراء للمرأة، بل وجد في هجومه على أنصار حقوق المرأة مناسبة للهجوم أيضا على الطوائف الإسلامية الأخرى التي تختلف معه في وجهة النظر. فهو استغل قضية تعدد الزوجات ليشن هجوما على زواج المتعة المعروف عند طائفة كبيرة من المسلمين، ووصف الرجل الذي يقوم بزواج المتعة بأنه “حيوان ابتعد عن الإسلام وعن روحه النظيفة.” نحن، إذن، إزاء رجل لا يعادي فقط العلمانيين ومناصري المرأة والمجددين والإصلاحيين، ولكنه أيضا يسفر عن وجه شديد العداء للتيارات الإسلامية الأخرى التي تخالف وجهة نظره الضيقة شديدة التعصب.

ولنستمع، أخيرا، إليه وهو يقول “إن تعدد الزوجات عز للمرأة وكرامتها، وبغيره لا نعرف ] الأرجح لا تعرف[ للحياة معنى ولا تذوق لها طعما، وإذا لم تتزوج تكون قد خسرت وظيفتها الأساسية وهي أن تكون أما وربة بيت.”

– 6 –

ولا بأس أن يعرج الشيخ الخطيب، مادام متاحا له ذلك، ليهاجم فكرة شديدة الكراهية بالنسبة له: الديمقراطية. وهو يدخل هذا المدخل من باب مهم، يريد أن يغلق من خلاله أي إمكانية لأن يمتلك الآخرون أي حق في التعبير عما يعتقدونه مناسبا، بحجة حرية التعبير وحرية الاعتقاد والديمقراطية. فالشيخ الخطيب أسرع منهم في إغلاق هذا الباب بقوله: “وليس لهم أن يحتجوا بأن هذه ديمقراطية. أن الديمقراطية تفي ]على الأرجح تعني[ حكم الشعب نفسه بنفسه (وتعني أيضا أنه) لو أراد الشعب حكما غير حكم الله فلا بأس. وهذا فيه البأس كله، لأن لا حكم إلا لله. إن الإسلام مع من يسأل لا مع من يعترض، فلا بأس لو أن جمعية أنصار المرأة طرحت تساؤلات ليجيب عنها العلماء…”

يتبدى لنا من هذا القول عدة نقاط: أولها أن الباب مغلق أمام أي اجتهاد، فليس لمجتهد أن يحتج بحقه في الاجتهاد أو التعبير عن الرأي أو الاختلاف في الرأي، وهو ما أجمله الشيخ بكلمة الديمقراطية. وثانيها: أن الديمقراطية فيها كل البأس، لأنها تعني حكم الشعب، بينما الحكم بالنسبة إليه هو لله فقط. وثالثها أن حدود التفكير عن المسلمين ينبغي أن تقف عن التساؤل (وليس حتى السؤال.) والأسوأ أن هذه التساؤلات ينبغي أن توجه إلى العلماء، أي إلى الشيخ الخطيب وأمثاله من رجال الدين الذين يفسرون الدين وفق هواهم، لكي يجيبوا عليها. وحينها ليس لمعترض أن يعترض على رؤية هؤلاء “العلماء” للتساؤلات.

من هذا المنطلق، يتابع الشيخ ليبحث في مبررات الإسلام في عدم المساواة بين الرجل والمرأة. والمثير أنه لا يتردد بعد كل النقاش اللاعقلاني الذي أورده حتى الآن في أن يقول إن الإسلام “دين العقل والوسطية والوضوح.” ولكنها عقلانية تقوم على التمييز المجحف بين المرأة والرجل، استنادا إلى الآية “وليس الذكر كالأنثى.” أما المبررات العقلية التي يفترضها لعدم المساواة بين المرأة والرجل فهي أن المرأة تحيض وتحمل وتلد وتحب. يقول الشيخ الخطيب:” هل هنالك امرأة في حالة الحيض من كل شهر لا تحس باضطراب (…)؟ هل هنالك امرأة تحمل ولا تشعر بضعف (…) وغثيان وخمول؟ وتأتي الولادة والنفاس والرضاعة (…) كل إنسان عاقل يعرف أن المرأة لديها عاطفة قوية وحب جارف وحياء مفرط…” هذه كلها حجج قاطعة لا يمكن دحضها، لذلك نراه يتوجه بسؤال هو الضربة القاضية في حلبة ملاكمته:” فما رأيكم أن تحمل هي مرة والرجل مرة؟ أو تحيض هي مرة والرجل مرة؟” ثمة هنا محاولة للفكاهة الساخرة، ولكن الهدف أبعد من ذلك. إن 99% من الرجال سوف يتوترون لهذا السؤال ومحاولة الإجابة عنه، وتخيل أنفسهم وهم يلدون، والأسوأ يحيضون. وهنا إذن ضربة موفقة لا بد وأنها أكسبت الشيخ ألباب سامعيه من الرجال، بعد أن كان قد اكتسب قلوب السامعات، بالكلمات اللطيفة التي قالها عن عاطفتهن القوية وحبهن الجارف و – طبعا – حيائهن الشديد.

بعد ذلك يسأل الشيخ سؤاله الحاسم الذي يجيب على نفسه:”فكيف نريد مساواة الأنثى بالرجل؟” ولنلاحظ هنا استخدامه لكلمة الأنثى في مواجهة كلمة الرجل، مع أنهما زوجان غير متقابلين، فالأنثى يقابلها الذكر أما الرجل فتقابله المرأة. ولكن الشيخ يستخدم قصدا كلمة الأنثى بدلالات ضعفها ومدلولها العاطفي في مواجهة الرجل بدلالات القوة ومدلولها العقلي. ومن هذا المنطلق لا بد وأن نقبل كل تمييز ضد المرأة في الإرث والشهادة والولاية والقضاء والطلاق وتعدد الزوجات وغير ذلك.

طبعا لم يسمع الشيخ الخطيب بأن رئيسة المحكمة العليا في كندا هي قاضية أنثى، وأن ثلاثة أعضاء في المحكمة العليا في الولايات المتحدة هن قاضيات إناث، وأن النائب العام في سورية هي نائب أيضا أنثى. كما أنه لا يعرف أن رئيسة وزراء ألمانيا هي أنثى، ولا يذكر مارغريت تاتشر وتانسو تشيلر وبينظير بوتو وخالدة ضياء والشيخة حسينة، وكلهن كن حاكمات لبلادهن التي كان معظمها دولا إسلامية.

– 7 –

ليس الإسلام السوري بمجمله كإسلام الشيخ الخطيب. بل إن الإسلام الشامي قد عرف دائما بالوسطية والانفتاح والاعتدال. وثمة في سورية رجال دين ومفكرون إسلاميون وسطيون ومعتدلون، بينهم مفتي الجمهورية الشيخ أحمد حسون والدكتور محمد شحرور والشيخ جودت سعيد والسيدة سحر أبو حرب والدكتور حسين شحادة والراحل معشوق الخزنوي، وغيرهم كثير. بيد أن أصواتهم لا تزال محجوبة بستر غليظ من الفكر الذكوري، الظلامي الذي ينشره رجال دين و”مفكرون” تكفيريون، بينهم الشيخ الخطيب.

والحال أن الساحة باتت خالية لهؤلاء التكفيريين، فلا الدولة قادرة على مواجهتهم، ولا هي تسمح على الأقل للهيئات المدنية بمواجهتهم فكريا وعلميا وأخلاقيا. أما المثقفون السوريون العقلانيون فمشغولون عن ذلك بمواجهة العلمانية، باعتبارها ليست إلا “حصيلة للسيطرة الاستعمارية السياسية والاقتصادية والثقافية على المنطقة العربية” (!!)
——————-
]1[ جميع الاقتباسات مأخوذة من كراسة وزعها الشيخ عبد العزيز الخطيب الحسني الشافعي الدمشقي، وهي عبارة عن دروس ثمانية ألقاها الشيخ في جامع الدرويشية بدمشق، وكتب عليها “حقوق الطبع محفوظة لكل مسلم”
]4[ يلاحظ القارئ من خلال الاقتباسات ركاكة النص والأخطاء اللغوية الواضحة فيه، والتي لا يرتكبها مبتدئ. وقد يكون السبب أن الكراسة عبارة عن مجموعة من الدروس الدينية التي ألقيت على تلامذة الشيخ ومريديه. وذلك رغم أنني قمت بإضافة بعض علامات الترقيم، لإزالة اللبس الذي يمكن أن يحصل من جراء قراءة النص بدون هذه العلامات.
]3[ نلاحظ أن الشيخ لم يكتف بذكر المثلية الجنسية، فإن ذلك لن يترك تأثيرا كافيا على المؤمنين، أما أن تردف ذلك بذكر اللواط والسحاق فهو يزيد من فاعلية أثر الكلمات. ولكي يضاف تأثير المفردة، يورد الشيخ قصة زائر مسلم حل بدمشق فجاءه رجل وسأله “بدك ولد؟” في البدء ظن الرجال أن الولد لحمل الحقيبة، ولكنه فوجئ أنه “ولد لأجل اللواط.”
]4[ أقول بعض لأن عددا مرموقا من المفكرين الإسلاميين هم أكثر تحمسا لحرية المرأة حتى من بعض العلمانيين والديمقراطيين، وأخص، تمثيلا، الباحث الإسلامي المروق محمد شحرور، والشيخ الجليل جودت سعيد، والكاتبة الأنيقة سحر أبو حرب، ود. محمد الحبش، وغيرهم. وهم جميعا من أحفاد الشيخ السوري الجليل عبد الرحمن الكواكبي الذي كان يعير العرب بأنهم أمة “وضعت شرفها في فروج نسائها.”
]5[ مؤخرا، استطاع القادة الروحيون لطائفة الروم الكاثوليك استصدار قانون خاص بهم، فيما يتعلق بالإرث، ويسعى الروم الأرثوذكس لمثل ذلك.
] 6[ وههنا اجتزاء آخر ينقص من آية طويلة، هي الآية 36 من سورة آل عمران، التي تقول” فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
.”

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This