موقف السينما الدانمركية من الذاكرة الإنسانية

الماضي لا يموت، بل هو الشبح العاقل الذي يحيا مع الإنسان في حاضره ومستقبله. الماضي هو الذاكرة الفردية والجماعية التي تحمل في داخلها سيرورة الإنسان وصيرورته لذا فهي مُحمّلة بالمشاعر التي تصطحب مع أحداث التاريخ. والسينما الدانماركية عبر فلمين، أحدهما يحمل اسم “الغواصة” للمخرج “توماس فنتربيرغ” والثاني اسم “التخييم” للمخرج “جاكوب بيتش”، تتناول المشاعر السلبية التي تختزنها الذاكرة الإنسانية وكيفية تأثيرها على حياة الإنسان ومصيره.

 

 

نبدأ مع فلم “الغواصة”، ويروي قصّة أمّ بدا أنها تعمل في الملاهي الليلية، إذ تعود بعد منتصف الليل وهي في حالة سكر مطلق، وتتعامل بقسوة عاطفية وجسدية مع أطفالها الثلاثة الذين تتركهم في البيت وحدهم دون أدنى رعاية أو اهتمام، مع العلم أنّ الطفل الأصغر مازال رضيعاً! ويتولى الطفلان الآخران رعايته، حتى أنهما يضطرّان أحياناً إلى سرقة الطعام اللازم له من المحلات المجاورة. وذات ليلة يشرب الطفلان الكبيران الخمر حتى السكر ويرفعان صوت الموسيقى عالياً في الوقت الذي كان فيه الرضيع غارقاً في البكاء. وفي الصباح يستيقظ الطفلان وإذ بأخيهم الصغير قد فارق الحياة.

 

 تلك المشاهد والأحداث كانت خلفية لماضي الطفلين وهما الآن رجلان، أكبرهما خرج من السجن حديثاً، والآخر له طفل صغير، وأمّه كما يقول الأب ماتت إثر حادثة سير. يركز الفلم في هذه الأثناء على الحياة الاجتماعية للأخوين، والربع الثاني من الفلم يخصصه المخرج للأخ الكبير”نيك تورب” الذي يعيش في ملجأ حكومي مليء بالناس الذين ربما لديهم أيضاً ذاكرة مشبعة بمشاعر الإحباط والحزن والسواد تجاه الحياة. يحمل هذا الأخ ميولاً عدوانية في علاقاته مع الناس، ولا سيما إذا صادف مثيراً مزعجاً، فقد اعتدى جسدياً على رجلين في موقفين منفصلين. وعلى الأغلب أنّ هذه الميول العدوانية ورثها عن أمّه التي كانت تُعامله بذات الطريقة بسبب أو دون سبب. هو أيضاً يعجز عن إقامة علاقة سوية دائمة ومستمرّة مع الأنثى، فرغم وجود فتاة كانت تعشقه كثيراً إلا أنّه انسحب من حياتها تحت ضغط ذاكرته الأليمة التي تُنغّص عليه حياته. فكلّ ما يتعلّق بالأسرة يُعتبر بالنسبة إليه منبّهات قوية تُعيد له السياق التاريخي الذي عاشه مع أمه. الحدث الذي أضرّ بصحته النفسية بعمق أكثر من سوء معاملة أمّه له هو تسبّبه بموت أخيه الرضيع. فذلك الحادث نقله من موقف الضحيّة إلى موقف الجلاد، فهو الآن يُعاني من أزمة في تقييم الذات، فهو بفعل ذلك الحادث المأساوي قد سقط في حالة “مازوشية” مستمرّة. فعزوفه عن الاندماج في المجتمع وتجنّبه الارتباط بالأنثى وتكوين أسرة وإنجاب الأطفال ربما يكون أحد أسبابها رغبته المازوشية في الانتقام من نفسه، وتعذيبها للحدّ الذي يرفع فيه الإثم عن نفسه فيما يخصّ مسؤوليته عن موت أخيه الرضيع.

 

 

في الربع الثالث من الفلم نقترب من الحياة الخاصة للأخ الأصغر”نيكس تورب” لنرى كيف كان موقفه من الذاكرة التي يحملها. ودون أن يعرض لنا الفلم كيف تزوّج هذا الأخ، وهل حقاً ماتت زوجته بحادث سير، أم أنه هو الآخر عجز عن الاستمرار معها تحت تأثير الذاكرة. وبدا واضحاً أنه شخص عاجز عن الإنتاج، حتى أنه لا يستطيع في بعض الأحيان تأمين الطعام اللازم لابنه. ويجرّه إدمانه للمخدرات إلى المتاجرة بها. وبعد نجاح قصير يُلقى القبض عليه ويدخل السجن. الأمر المهمّ الذي ينبغي الحديث عنه هو أنّ الأخ الأصغر استطاع إلى حدٍّ ما تجاوز الماضي القاتم الذي يحمله بين طيات ذاكرته، فقد تجرّأ على الزواج وإنجاب طفل، كما أنه كان يُخطط لعلاقة متّزنة مع معلّمة أبنه لتصبح زوجة له وأمّاً لطفله لولا أن تمّ القبض عليه. والسبب في هذا الاختلاف بين الأخوين يعود إلى أمرين؛ الأول أنّ الأخ الكبير وباقتناع الأخ الصغير يتحمّل مسؤولية موت أخيهما الرضيع بما أن فكرة الشرب والسكر ورفع صوت الموسيقى كانت من اقتراحه. لذا نرى أنّ تأنيب الضمير عند الأخ الصغير أقلّ ممّا عند الأخ الكبير، لكنه بطبيعة الحال موجود ولو بنسبة منخفضة، والدليل على ذلك أنه أطلق اسم أخيه الرضيع على ابنه في لمحة سريعة تدل على أنّ الألم ما زال يسكن قلبه. أما السبب الثاني في اختلاف حدّة المشاعر المأساوية المختزنة في الذاكرة بين الأخوين فيعود إلى أنّ الأخ الكبير كان ينال القسط الأكبر من العنف الجسدي والعاطفي من الأمّ.

 

 

في الربع الرابع من الفلم يلتقي الأخوان صدفة في نفس السجن، الصغير بتهمة المتاجرة بالمخدرات، والكبير بتهمة قتل امرأة في الملجأ كان بريئاً منها، لكنه لم يشأ الاعتراف بالقاتل الحقيقي الذي كان صديقه. وكأنه يقول لنا إنّ الحياة خارج السجن أو داخله بالنسبة إليه سيّان، طالما أنه لا يملك هدفاً في حياته. وبمعنى أعمق هو يرى أنّ للموت والحياة ذات القيمة : صفر!! إلا أنّ التقاءه بأخيه في السجن كانت بداية لتغيير عميق سيدخل حياته، فهو يعلم أنّ هناك ابناً لأخيه، فمن سيرعاه الآن وأبوه في السجن؟ واستيقظت في عقله فكرة نووية إن جاز التعبير، وبدأ يتساءل : لماذا نسمح للتاريخ الأليم أن يُعيد نفسه؟ ما ذنب ذلك الطفل الذي يحمل اسم أخيه الرضيع أن يُكرّر ما عاشه هو وأخوه من ألم وقسوة؟ لماذا أسمح لذاكرتي أن تدمر حياة طفل بريء؟ ألا يكفي أنني قتلت طفلاً فيما مضى؟ أليس الأصحّ أن اكفّر عن جريمتي عبر رعايتي لهذا الطفل؟

 

 

يموت الأخ الصغير بعد فترة قصيرة في السجن، ويخرج الأخ الكبير منه بعد استفاقة عقله ووضعه حدّاً لآلام الذاكرة. ولا شكّ أنّ هذه الاستفاقة أتت متأخرة إلا أنها كفيلة بإنقاذ حياة الطفل “مارتن” وما تبقى من حياته أيضاً.

 

 

فلم “التخييم” يشترك مع فلم “الغواصة” من حيث أنّ تداعيات الذاكرة المرّة حاضرة في حياة عائلة تتألف من والدين وابنة وابن. ويقوم الأب في أوّل مشاهد الفلم بالانتحار عبر إطلاقه لرصاصة في أسفل ذقنه تكفي لترديه قتيلاً! ماذا الآن؟ كيف ستعيش الأسرة بعد هذا الشرخ العائلي العميق؟ هل ستكون حياتهم سوية من الناحية النفسية والاجتماعية أم ماذا؟ أمّا الأم فتنعزل عن ولديها وتعيش في منزل خاص بها، وهي مغنّية لها جمهور ضئيل لا يتجاوز حدود المكان الذي تُقيم فيه. ولا يعيرها الفلم الأهمية الكبيرة التي يعيرها للفتاة وأخيها. أمّا الابنة فهي تحبّ أباها رغم ما فعل، وتُسقط اللوم على أمّها وتحمّلها مسؤولية ما جرى مع أبيها كما بدا من مذكراتها السرية التي تطّلع عليها الأمّ ذات يوم. تخشى الابنة الاقتراب من الجنس الآخر والسبب بالطبع له علاقة بذاكرتها عن حادث أبيها. لكن كيف ذلك؟ ما علاقة الجنس الآخر بانتحار أبيها؟ كيف ربطت في لاشعورها انتحار الأب بعدم الاقتراب من الذكر؟ في الحقيقة القضيّة معقّدة لكن هناك فرضيتان:

 

 الأولى: أنّ الأنثى شرٌّ خطير على الذكر، وجذور هذه الفرضية تعود لاستقرائها لعلاقة أمّها مع أبيها. والخروج بتلك النتيجة ومن ثمّ تعميمها على كلّ جنس الأنثى. فكأنها لا تثق بنفسها فيما يخص قدرتها على إسعاد الذكر فيما لو تزوجت وشكلت أسرة. ويبقى انتحار كلّ الذكور بسبب كلّ الإناث وارداً، لذا ومن باب السلامة وعدم التسبب بالأذى لزوجها المفترض فهي تهرب من العلاقة مع الذكر.

 

 الثانية: أنّها تريد أن تؤكد لنفسها أنها كانت تحبّ أباها. ولتُقنع ذاتها بأنّ ذلك الحبّ كان موجوداً تقدّم برهاناً قاسياً وباهظاً في تكاليفه النفسية والاجتماعية. وربما تكون الحقيقة المرّة التي تريد الابنة أن تتجنّب الاعتراف بها هي أنّهم لم يحبّوا أباهم بالقدر الكافي الذي يُبعده عن الانتحار. فالأب كما بدا من المشهد الأوّل رجل مقعد على سرير داخل غرفة مُظلمة بينما الآخرون في الخارج يلعبون ويمرحون دون مبالاة واكتراث لمشاعر رجل مقعد ووحيد. وفي ذلك المشهد أيضاً ظهر رجل لمرّة واحدة ثمّ اختفى، وأغلب الظن أنه كان عشيق الأمّ الذي يروي ظمأها الجنسي بعد أن أصبح الزوج عاجزاً عن فعل ذلك لإعاقته الجسدية. وبدل أن يكون الأولاد على الأقلّ بجانب أبيهم في محنته كانوا يلعبون ويمرحون مع الرجل الجديد الذي حلّ محلّه. فيدفعه شعور الخسارة ونكران الجميل من قبل أولاده وزوجته إلى الانتحار. هذا ما تحاول الابنة عدم الاعتراف به أو نفيه عبر تأكيدها المستمرّ لنفسها ولعائلتها بأنها كانت تحبّ أباها، وإلا لماذا تدفع ضريبة مرتفعة بحرمان نفسها من المتعة مع الذكر والزواج به. وحتى تكتمل براءتها في نظر ذاتها فقد اتجهت نحو تحميل الأمّ مسؤولية الانتحار بما أنها الزوجة وهي التي من المفترض أن تقف بجانب زوجها. إلا أنّ تكليف الابنة نفسها نفقات تعليم الأخ كما لو أنّها الأب فيه ما يكفي للدلالة على أنها تشعر بالإثم وتأنيب الضمير لتقصيرها بحقّ أبيها.

 

 

أمّا الابن فبدا في بعض المشاهد أكثر جرأة على تحدّي الذاكرة الأليمة، فهو يختلق بين الفينة والأخرى مواقف مرحة وصادقة مع أخته وأمّه. كما أنّه يغضب حين تختلق كلّ من الأخت والأم شجاراً فيما بينهما وكأنه يريد أن يتجاوز الماضي، لكن ما تُثيره الأخت والأمّ من منبّهات تحرمه من متعة النسيان وتردّه لألم الذاكرة من جديد. الابن لا يحمل عقدة ذاتية تجاه ما حصل مع أبيه كما هو حال الأخت، لكنه لا يستطيع أن يكسر الحصار الذي صنعته الأخت، ولا سيما أنها من تنفق على تعليمه ومعيشته. الأم من جهتها تحاول جاهدة إعادة الابنة إلى التكيّف والاندماج مع الحياة الاجتماعية، ودفعها لفتح علاقات مع الذكر، وسعت لذلك مراراً خلال رحلتهم، وتنجح لمرة واحدة، إلا أنها لم تدم بسبب الارتكاسة التي أصابت الابنة.

 

 

تلك العلاقة القصيرة مع الذكر إلى جانب حدث آخر جرى مع العائلة أثناء رحلة العودة كانا من القوة بما يكفي لنسف ذاكرة الألم، فقد اصطدمت سيارتهم أثناء قيادة الأمّ بغزال على الطريق. فاتصلوا بالجهات المختصة التي سرعان ما حضرت. وبينما يفحص المختص الغزال الجريح ليرى مقدار الضرر الذي أصابه، تسأله الابنة: ماذا عسانا نفعل للغزال؟ فيردّ الرجل انتظروا فحسب ثم يتوجّه لسيارته ويجلب بندقية شبيهة بالبندقية التي انتحر بها الوالد، ويطلق رصاصة رحمة في رأس الغزال ليقطع الخيط الأخير الذي يربطه بالحياة. تكمل العائلة رحلة العودة وأثناء ذلك يعمل “لاوعي” الابنة على ربط الحوادث وقياسها ببعضها البعض، فحال الأب كحال الغزال، وموته أرحم له من عذابه وألمه، وإذا لم يكن ممكناً أن يقوم طرفٌ ثالث بمهمة إطلاق رصاصة الرحمة في رأس الأب كما حدث مع الغزال فإنّ الأب تولّى الدور بنفسه رحمة بذاته وعائلته معاً. ويعني ذلك أنّ الأب لم ينتحر لألم تسبّبت به العائلة له، وإنما انتحر ليخلّص العائلة من ألم يتسبّب هو به لهم. بدا هذا التفسير هو الأصلح لواقع العائلة حتى يتمكنوا من متابعة حياتهم وفك قيود الذاكرة عن الحاضر والمستقبل. وما أن وصلت الابنة إلى المنزل في ذلك اليوم وبعد مراجعة أخيرة للتفكير الجديد للتأكد من معقوليته حتى أيقظت أخاها في منتصف الليل ليساعدها في إضرام النار بالحجرة التي كان الأب يعيش فيها في مشهد رمزيّ يحمل دلالة مفادها : لنحرق الماضي ولتحترق معه آلام الذاكرة أو ذاكرة الآلام.

 

 

استفاقة الابنة في فلم “التخييم” جاءت أبكر من استفاقة الأخ الأكبر في فلم “الغواصة”، لأنّ الابنة تمكنّت من تبرئة ذاتها وذات الأمّ، بينما الأخ الكبير والصغير لم يتمكّنا من تبرئة ذاتيهما رغم أنّهما يستحقان البراءة. وكان الأجدى لهما أن يُحمّلا مسؤولية كل ما جرى في طفولتهما ولا سيما موت شقيقهم الرضيع للأمّ، ثمّ للمجتمع الذي يغمض عينيه أو يتجاهل المآسي التي تنمو داخله.

 

 

وعلى طريقة عالم التربية الأمريكي “جون ديوي” في تعامله مع الأفكار، إذ يرى أن الفكرة الصائبة هي الفكرة التي تحقق المنفعة، فإذا كان محو الذاكرة وتبرئة الذات سيؤدي إلى حياة سعيدة لأناس لم يكن لهم ذنب لما جرى سوى أنّهم كانوا ضمن محيط الحدث، فإن تلك فكرة صائبة، وحقيقة من حقائق العلاج النفسي والاجتماعي ينبغي تعميمها وتعليمها ونشرها ليس عبر السينما فقط، بل وعبر الفنون والعلوم الأخرى أيضاً. بقي أن نُشيد أخيرا بالسينما الدانمركية التي تتميز حقيقة عبر أفلام أخرى أيضاً بمعالجتها لقضايا إنسانية مهمة وضرورية لاستمرار الحياة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق