ميتات بشار بن برد: بحث في جدل السلطة والشعر والدين

 تنتمي تجربة بشار بن برد ( 96 ـ  161هـ) الشعرية إلى منظومتين ثقافيتين؛ منظومة الاتباع والتقليد، ومنظومة الإبداع والتجديد. فقد عايش بشار بن برد أبرز تجارب الشعر العربي المتمثلة في نقائض جرير والفرزدق، وقد مكّنته هذه المعايشة من استيعاب المفاهيم الثقافية القارّة في أبنية النصوص التي ساهمت في تخصيب مخيلته اللغوية، وإذكاء موهبته الخلاّقة، وإثراء برامجه الشعرية، وإكسابها خصوصية إبداعية لا نكاد نعثر لها على نظير في الشعر العربي. وحسب العلاّمة محمد الطاهر بن عاشور، محقق ديوان بشار بن برد، فإنّ بشّارا بن برد قد تمكن من المزاوجة بين اللغة العربية الصافية وتقاليد الشعراء القدامى من جهة وبين التنوع الثقافي والتطور الفكري اللذين شهدهما العصر العباسي من جهة أخرى الأمر الذي يعني أننا أمام تجربة شعرية عابرة لنظامين ثقافيين يكادان يكونان متعارضين لغة وأسلوبًا وفكرًا ودلالة.
وهذا يدلّ على أنّ التجربة الشعرية لا تنفصل عن سياقها الحضاري والمكونات المعرفية التي وُلدت فيها. أمّا منظومة الإبداع والتجديد فيُعدُّ بشار بن برد مُدشّن معالمها وواضع أسسها الحقيقية فهو رائد التجديد الذي وسم
تجارب الشعراء العباسيين أمثال: أبي نواس، ومسلم بن الوليد، وأبي تمام. وإذا ما فحصنا مدونة بشار بن برد الشعري سنقع على ملامح الإبداع والتجديد، يقول بشار:
جفتْ عيني عن التغميض حتى       كأنّ جـفونها عنـها قصارُ
أقـول ولــــــــيلتي تزداد طـولا        أمـا لليل بعدهـم نهـــــــار
بيد أنّ تجربة بشّار ستشهد تحولات جذرية بفعل تعاظم خطاب سلطة العباسيين التي كانت تدفع المبدعين والشعراء إلى تبني برامجها والذود عن أحقية العباسيين في الخلافة والمدافعة عن مشروعهم وشرعنة سلطتهم. ليس هذا فحسب بل إنّ أبا الفرج الأصفهاني قد ألمح إلى نقطة جوهرية مُفادها؛ أنّ الخلفاء العباسيين لم يوجّهوا الشعراء نحو مدحهم مدحًا تقليديـًّا وإنما دفعوهم إلى البحث عن صياغات شعرية تشرعن خلافتهم من خلال الاتكاء على السند القرآني الذي ظلّ نصـّا قادرًا على منح الشرعية ونزعها.
بيان ذلك ما أوردته كتب الأدب العربي ومن بعض تلك الروايات ما ورد في كتاب الأغاني، والتذكرة الحمدونية: “قيل: كان بشار بن برد جالساً في دار المهدي، والناس ينتظرون الإذن. فقال بعض موالي المهدي، وهو الـمُعلي بن طريف، لمن حضر: ما عندكم في قول الله عز وجلّ: “وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً” “النحل: 68” فقال له بشار: النحل التي يعرفها الناس، قال: هيهات يا أبا معاذ، النحل بنو هاشم وقوله: “يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس” “النحل: 69″ يعني العلم، فقال له بشار: أراني الله شرابك وطعامك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أوسعتنا غثاثة. فغضب وشتم بشاراً. وبلغ المهدي الخبر فدعاهما فسألهما عن القصة فحدثه بشار فضحك حتى أمسك على بطنه، وقال للمولى: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غث”.
وتكاد المدونة الشعرية تفيض بمثل هذه الدلالات التي تشرعن الخلافة العباسية الأبوية، وتنزع الشرعية عن حقّ العلويين فيها. يقول مروان بن أبي حفصة مخاطبًا الخليفة العباسيّ المهديّ:
يا بن الذي ورث النبيّ محمدًا    دون الأقارب من ذوي الأرحام
الوحيُ بين بني البنات وبينكم     قطع الخصامَ فلات حين خصام
ما للنساء مع الرجال فريضةٌ     نزلــــــت بذلك سـورة الأنــــعام
 أنـَّى يكونُ وليس ذاك بكائنٍ     لبـــني البنـات وراثةُ الأعمـــــام
أما ميتات بشار بن برد فيكاد  دارسو الأدب والنقد العربيين يتفقون على أنّ السبب الجوهريّ الذي دفع الخليفة العباسيّ الثالث المهديّ محمد بن عبد الله (ت 169هـ) إلى قتل بشار تهمةُ الزندقة التي رُمي بها، إذ كانت وسيلة تطهير معرفي وديني تلوذ بها مؤسسة السلطة والدين للتنكيل بذوي المعارف التي تثير اضطرابًا في صفوف العامة. وحسب طه حسين فإنّ الخلفاء العباسيين كانوا يعيشون فصامًا ثقافيًّا ورهابًا سلطويًّا كانوا يخشون على أثرهما ثورة العامة وانهيار الخلافة. فالعباسيون، والكلام لطه حسين، كانوا يتخذون من الشعراء الماجنين والوزراء، الذين ثبتت على بعضهم تهمة الشعوبية، جلساء وندماء في مجالسهم النخبوية المعزولة ثقافيًّا واجتماعيًّا، وكانوا يقبلون أفكارهم ويتعاطونها بوصفها “أدب خواص” في حين كانوا يضطرون أمام عامة المسلمين أنْ يُظهروا الحزم والورع والتقوى بوصفها أدوات تمكنهم من بسط السيطرة وإحكام القبضة على الدهماء وسواد الناس الأعظم. لقد تمكَّن الزنادقة والشعوبيون والمجَّان من الوصول إلى مجلس السلطة وأصبحوا مكوّنًا من مكوّناتها؛ نظرًا لما يتمتعون به من كفاية معرفية وفكاهة قادرتين على إمتاع السلطة ومؤانستها. وقد أدى ذلك إلى حدوث بلبلة واضطراب في الخطابات التي أُنتجت في تلك اللحظة الثقافية المهمة بحيث يستحيل فهمها وتحليل دلالتها دون الوقوف على سياقاتها الشاملة. بيد أنّ النقطة الجوهرية التي يمكن تأشيرها في هذا السياق ما قاله محمد الطاهر بن عاشور: “وكان الخلفاء قد يُظهرون الشدّة في ذلك، يشايعون العامة”.
كما تذكر مصادر الأدب القديمة أسبابًا أخرى لقتل بشار هي الزندقة الاجتماعية حيث إنّ بشارًا لم يتورّع عن إظهار نزعته الماجنة في الحياة العامة حيث يبدو الحسّ الغرائزيُّ سافرًا، وميول الفحش بادية، والرغبة في الانتهاك معلنة. فبشّار لم يكن يتأثَّم في نزعاته التي لا تُقرُّ بسلطة ولا تخضع لرقابة زائفة طالما اختبر مفعولها وكشف تمثيلاتها. يقول بشار:
فبتنا معًا لا يَخلُصُ الماءُ بيننا        إلى الصبح دوني حاجبٌ وستورُ
ليس هذا فحسب بل إنّ بشارًا لم يتورع عن التحريض على الانتهاك، والإغواء. يقول بشار:
 لا يُؤيــــــــــــــــــسنَّك من مُخبـَّأةٍ          قـولٌ تُغلـّــــــِظُه وإنْ جـرحا
 عُسرُ النســــاء إلى مياســــــــــرة          والصعبُ يُمكنُ بعدما جمحا
فشعرُ بشار دعوة إلى التمرّد والانتهاك السافر.
وحين تثور ثائرة الوعـّاظ والمجتمع المدني على شعر بشار، يصل أمره إلى الخليفة المهدي الذي يضع حدّا لفحشه وتمرده، بنهيه عن ولوج دائرة التابو الاجتماعي. ذلك أنّ سلامة هذه الدائرة مسؤولية مؤسسة الخلافة التي يتوجب عليها الذود عن مفاهيم المجتمع وحرمته الثقافية. ليس هذا فحسب بل إنّ العلاّمة محمد الطاهر بن عاشور يمضي في تفكيك هذه الجدلية الشائكة بالبحث في تداعياتها المعرفية، فالعباسيون ومنذ زمن أبي جعفر المنصور باتوا يستشعرون خطر العلويين، لذلك “كان تلقيب أبي جعفر المنصور ابنه محمدًا بالمهديّ تمهيدًا إلى تأييد الدولة به والإيهام بأنه المهديّ الذي ينتظره الشيعة وجعلوا ظهوره فيما يسمونه بآخر الزمان من أصول اعتقادهم وتأييد الدين به”. إنّ مؤسسة الخلافة لا تصنع البرامج القادرة على حماية استحقاقاتها، وإنما تقوم بإنتاج تمثيلات أسطورية تشرعن برامجها وامتيازاتها السلطوية لذلك “أراد المهديُّ أنْ يظهر في مظهر المؤيد للدين المحيي لعقيدة الإسلام وسيرة السلف، فأظهر من ذلك ثلاث خِلال شهد بها التاريخ، وهي: الشّدة في تقصّي الزندقة فأنشأ ديوان الزنادقة، وجعل عليه عثمان بن نُهيك، وعمر الكَلْواذاني، ومحمد بن عيسى بن حمدويه، والإعراض عن الشعر الغزلي، حتى نهى بشارًا عن الغزل، وحتى أعرض شاعره أبو العتاهية عن ذلك الشعر وقَصر شعره على الزهد والحكمة. الثالثة إفراطه في الغيرة على النساء وإغلاظ الحجاب، ليحقق بذلك أنه المهدي المنتظر”.
ونتيجة تهتكه ولا مبالاته ألـّب بشّارٌ علماء البصرة وفقهاءها؛ فقد أنـَّبه الحسنُ البصريُّ لشعره الفاحش الذي كان يستهوي قلوب رجال البصرة ونسائها على السواء. أما واصل بن عطاء فقد دفعه عبث بشار إلى أنْ يقول: “إنّ لمن أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الملحد الأعمى”. كذلك فعل مالك بن دينار الذي قال في تهتك بشار: ” ما من شيء أدعى لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى”. ويكشف  الخبر الأدبي الآتي طبيعة المواجهة التي كان بشار ينتهجها مع فقهاء البصرة. ونصُّ الخبر: “أصبح يومـًا مالك بن دينار فقرع على بشار بابه فقال بشار:
– يا جاريةُ، انظري من هذا؟
فرجعت وقالت: مالك بن دينار.
–   فقال: ما هو من أحزابي ولا أشكالي. أدخليه.
فدخل مالك وقال: يا بشار أتشتمُ أعراضَ الناس وتُشببُ بنسائهم؟!
فقال بشار: لن أعود. وما أنْ ولاّه ظهره حتى عاد لما كان عليه وأنشد:
 غدا مالكٌ بملامـــــــــــــاته            عليّ وما كان من باليــــــــــه
 تناول خودًا هضـــيم الحشا            من الحور محطوطةً خاليــــه
 فقلت: دع اللوم في حُبِّــــها            فقبلك أعييتُ عذَّاليــــــــــــــه
بيد أنّ هناك أسبابًا أكثر وجاهة من الزندقة الاجتماعية وهي المرتبطة بالزندقة العقائدية التي كانت كافية لتصفية أي إنسان يعلن موقفا دينيا عقائديا مناوئا. والحق أنّ بشارًا قد تورّط في الزندقة العقائدية من خلال اصطدامه بالخطاب الديني.  فقد كان بشار بن برد في نشأته الأولى أحد المتكلمين البارزين في البصرة حتى إنّ اسمه اقترن بواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، اللذين أسسا فرقة المعتزلة التي ستغدو برامجها العقائدية وأفكارها خطاب الدولة والخلافة العباسيتين. وقد جلـّى الجاحظُ (ت255 هـ) هذه القضية المهمة في كتابه الموسوم بـ”البيان والتبيين” حيث أشار إلى أنّ بشارًا لم يكتفِ بهجاء واصل وذمه بل إنه خرج على الفكر الاعتزاليّ ومضى إلى تقويض دعائمه. يقول بشار في هجاء واصل بن عطاء:
مالي أُشايعُ غزَّالاً له عنقٌ        كنِقْنِق الدوّ إنّ ولَّى وإنْ مثلا
 ليس هذا فحسب بل إنه جعل واصلاً غزَّالاً وانحاز إلى رأي إبليس في تفضيل النار على الطين، وكفّر جميع الأئمة. وقال بيته المشهور:
الأرض مُظلمةٌ والنارُ مشرقةٌ       والنارُ معبودةٌ مذْ كانت النارُ
الأمر الذي دفع واصل بن عطاء إلى أنْ يُحرّض على قتله قائلا: “أما لهذا الأعمى الملحد المُشنِّف الـمُكنَّى بأبي معاذ من يقتله. أما والله لولا أنّ الغيلة سجيةٌ من سجايا الغالية، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، ويقتله في جوف منزله وفي يوم حَفْلِه…”.
إنّ هذا النصّ ليكشف عن حدة الصراع الذي أججه بشار بن برد مما دفع المعتزلة إلى نفيه وهجائه وتأليب شاعرهم صفوان الأنصاري على هجاء بشار والذود عن واصل بن عطاء بقوله:
له خلف شَعْب الصّين في كـلّ ثغرة         إلى سوسها الأقصى وخلف البرابر
رجـالٌ دُعـاةٌ لا يَفُـلُّ عزيمـــــــــــهم         تهكُّمُ جبــــــــــــــّار ولا كـيدُ مـاكر
وقد عاد بشار إلى البصرة بعد وفاة عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، بيد أنّ المعتزلة لم يغفروا لبشار خطاياه وتطاوله على شيوخهم وعقيدتهم، فقال صفوان الأنصاريّ:
 فيا ابن حليف الطين واللؤم والعمــــــى           وأبعدَ خلق الله من طرق الرشدِ
أتهــــــــــــــــجو أبا بكر وتخـلع بعـده            عليًّا وتعـزو ذاك إلى بُـــــــــرد
 كأنك غضبانٌ على الدِّيــــــــــــــن كله         وطالبُ ذحلٍ لا يبيتُ على حقد
 رجعت إلى الأمصار من بعد واصل           وكنت شريدًا في التهائم والنُّجدِ
     تُواثبُ أقمارًا وأنت مُشـــــــــوّه   وأقربُ خلق الله من شَبَه القرد
والناظر في هذه المسوّغات يكتشف عدم كفايتها في توجيه تهمة الزندقة إلى بشار؛ ذلك لأنّ شعراء آخرين قد نهجوا هذا النهج في الزندقة ولم يتهموا بالزندقة، ولم يقتلوا. فأبو نواس ( ت بعد 198 هـ) كان شعوبيًّا وزنديقًا وماجنًا نال من مفاهيم المجتمع الدينية والسياسية والثقافية، فقد قال:
يا أحمدُ المرتجى من كلّ نائبة      قم سيدي نعص جبّار السموات
وقال مخاطبا أبا إسحاق النظام شيخ المعتزلة:
دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراءُ             وداوني بالتي كانت هي الداء
لا تحظر العفو إنْ كنت امرءا حرجًا         فإنّ حظركه في الدين إزراء
فقل لم يدّعي في العلم معرفة            حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
ورغم أنّ بشارًا كان من شعراء الحزب العباسي إلا إنه يملك تاريخًا حافلاً في التمرد عليهم؛ إذ تشير الروايات الأدبية إلى أنّ بشارًا قد حاول الاتصال بأبي جعفر المنصور ومدحه لكنه لم يمنح الفرصة فكان أنْ عاد إلى البصرة وتحين الفرصة وانضوى تحت لواء العلويين الذين ثاروا على العباسيين، فكان أنْ دخل بشار إلى إبراهيم بن عبد الله بن الحسن، فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير عليه برأي يستعمله في أمره، فلما قـُتل إبراهيم خاف بشار، فقلب الكنية، وأظهر أنه كان قالها في أبي مسلم وحذف منها أبياتاً وأولها:
أبا جعفر ما طول عيش بدائم         ولا سالم عما قليل بسالم
قلب هذا البيت فقال أبا مسلم:
على الملك الجبار يقتحم الردى         ويصرعه في المأزق المتلاحم
كأنك لم تسمع بقتل متوَّج         عظيم ولم تسمع بفتك الأعاجم
تقسم كسرى رهطه بسيوفهم         وأمسى أبو العباس أحلام نائم
يعني الوليد بن يزيد:
وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدة           عليه ولا جري النحوس الأشائم
مقيماً على اللذات حتى بدت له           وجوه المنايا حاسرات العمائم
وقد ترد الأيام غرا وربما                وردن كلوحاً باديات اشكائم
ومروان قد دارت على رأسه الرحى            وكان لما أجرمت نزر الجرائم
فأصبحت تجري سادراً في طريقهم               ولا تتقي أشباه تلك النقائم
تجردت للإسلام تغفو سبيله             وتعري مطاه بليوث الضراغم
فمازلت حتى استنصر الدين  أهله           عليك فعاذرا بالسيوف الصوارم
فرم وزراً ينجيك يا بن سلامة           فلست بناج من مضيم وضائم
جعل موضع “يا بن سلامة” “يا بن وشيكة” وهي أم أبي مسلم.
لحا الله قوماً رأسوك عليهم                ومازلت مرؤوساً خبيث المطاعم
أقول لبسام عليه جلالة                  غداً أريحيا عاشقاً للمكارم
من الفاطميين الدعاة إلى الهدى            جهاراً ومن يهديك مثل ابن فاطم
هذا البيت الذي خافه بشار وحذفه من الأبيات.
كما أنّ بشارًا مدح الأمويين وبخاصة آخر خلفائهم مروان بن محمد. بيد أنّ الأثر النصّي الذي يعدّ سندًا خطيرًا يبين سبب مقتل بشار الحقيقي ما أورده أبو الفرج الأصبهاني في أغانيه: إذ إنّ بشارًا قد مدح المهدي بقوله:
بنى لك عبد الله بيت خلافة         نزلت بها بين الفراقد والنسر
وعندك عهد من وصاة محمد         فرعت به الأملاك من ولد النضر
فلم يحظ منه أيضاً بشيء، فهجاه فقال في قصيدته:
خليفة يزني بعماته                يلعب بالدبوق والصولجان
أبدلنا الله به غيره                ودسّ موسى في حر الخيزران
وأنشدها في حلقة يونس النحوي، فسعي به إلى يعقوب بن داود، وكان بشار قد هجاه فقال:
بني أمية هبوا طال نومكم                  إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا          خليفة الله بين الزق والعود
فدخل يعقوب على المهدي فقال له: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأعمى الملحد الزنديق قد هجاك؛ فقال: بأي شيء؟ فقال: بما لا ينطق به لساني ولا يتوهمه فكري، قال له: بحياتي إلا أنشدتني! فقال: والله لو خيرتني بين إنشادي إياه وبين ضرب عنقي لأخترت ضرب عنقي؛ فحلف عليه المهدي بالأيمان التي لا فسحة فيها أن يخبره؛ فقال: أما لفظاً فلا، ولكني أكتب ذلك، فكتبه ودفعه إليه؛ فكاد ينشق غيظاً، وعمد على الانحدار إلى البصرة للنظر في أمرها، وما وكده غير بشار، فانحدر، فلما بلغ إلى البطيحة سمع أذاناً في وقت ضحى النهار، فقال: أنظروا ما هذا الأذان! فإذا بشار يؤذن سكران، فقال له: يا زنديق يا عاض بظر أمه، عجبت أن يكون هذا غيرك، أتلهو بالأذان في غير وقت صلاة وأنت سكران! ثم دعا بابن نهيك فأمره بضربه بالسوط فضربه بين يديه على صدر الحراقة سبعين سوطاً أتلفه فيها، فكان إذا أوجعه السوط يقول: حس – وهي كلمة تقولها العرب للشيء إذا أوجع – فقال له بعضهم: انظر إلى زندقته يا أمير المؤمنين، يقول: حس، ولا يقول: باسم الله؛ فقال: ويلك! أطعامٌ هو فأسمي الله عليه! فقال له الآخر: أفلا قلت الحمد لله؛ قال: أو نعمةٌ هي حتى أحمد الله عليها! فلما ضربه سبعين سوطاً بان الموت فيه، فألقي في سفينة حتى مات ثم رمي به في البطيحة، فجاء بعض أهله فحملوه إلى البصرة فدفن بها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق