ميرا تقول: حان الوقت كي أحمل أغانيّ إلى الشارع

في حياتها نادوها مجنونة، وفي مماتها قدّيسة؛ شاعرة هندية من القرن الخامس عشر، اسمها ميراباي، والناس في مختلف أرجاء الهند، لازالوا حتى يومنا هذا يردّدون أشعارها ويرقصون على ألحان أغانيها.

ليست كثيرة المعلومات التاريخية المتوفّرة حول حياة ميراباي المعروفة أيضاً بـِ ميرا، رغم كونها واحدة من أشهر شعراء وشاعرات “البهاكتي” في الهند الشمالية، وهي حركة عمّت معظم أرجاء الهند من القرن الثالث عشر ولغاية القرن السابع عشر، وتميّز أصحابها بتكريس أشعارهم للتعبير عن المحبة المنزّهة الفاضلة الكاملة للإله ولتجسيد طبيعة حياتهم المنذورة لخدمته، وطُرُق تفانيهم لأجله ولأجل البشرية جمعاء. وقد شكّلت أعمال ميراباي الرصيد الأهم، والمرجع الأمثل لما شهدته الهند الشمالية من انتعاش في الحياة الدينية ومظاهر العبادة والتصوّف في تلك الآونة.

بغض النظر عن مدى صحة ما تناقلته الألسن من سيرة حياة الشاعرة، فالاعتقاد السائد أنها كانت أميرة، ابنة لإحدى الأُسَر “الراجبوتية” المنتمية إلى الطبقة الهندوسية الحاكمة. ولدت عام 1498 في قرية تدعى “مرتا” من ولاية “راجاستان”، على مقربة من مدينة “أجمير”، وعلى مسافة حوالي المئتي ميل عن العاصمة “نيودلهي”. عام 1516 تزوجت من بهوج راج ولي عهد إقليم ميوار، إلا أنه قضى في إحدى المعارك ولم يمض على زواجهما بعد خمس سنوات. عام 1527 يموت والدها أثناء تصدّيه لهجوم يشنّه مسلمو أفغانستان وينتقل عرش ميوار إلى الورثة. المعروف أن ميراباي كانت في العقد الثالث من عمرها عندما تركت البلاط لتتحوّل إلى متسولة جوّالة، تقضي معظم أوقاتها في العبادة والصلاة للإله “كريشنا”، وتشرع في زيارة واستقبال رجال الدين المعروفين بـِ “السادهو”. مؤكداً، لم يكن نمط الحياة هذا ليليق بامرأة من الطبقة الأرستقراطية، وتالياً ليحظى برضا عائلتها، مما دفع بأخ زوجها وخَلَفه “راتان سينغ” وبوريث العرش من بعده “فيكرام سينغ” إلى التآمر ضدها. غير مبالية بمعارضتهما، تعلن ميراباي عصيانها المفتوح، متمردةً على أعراف المجتمع وعاداته ومفاهيمه التقليدية. وعلى خلاف معظم شعراء “البهاكتي” الذين كانوا ينتمون إلى طبقات اجتماعية دنيا، نجد أن ميراباي تمتعت بامتياز الانتماء إلى طبقة راقية، مما يعني أنها كانت ذات خلفية مكّنتها من تحصيل العلوم والمعارف باللغة السنسكريتية، والإحاطة بفنون الرماية والرقص ونظم الشعر.

مع الوقت يزداد تعلّق ميراباي بالإله المتعالي كريشنا، الذي تجده بتكبّره شديد الإغواء، وتنذر حياتها له، متبنيّة طقوس حياة رجال الدين، لتغدو هي نفسها “سادهو”. ولأن ميراباي كانت تغني أشعارها معتمدةً ألحاناً متنوعة، فإن قصائدها لم تُكتب إلا بعد مدة من مماتها، فنجد أن بعضها عُدّلت معانيه أو بُدّلت، وفق لهجات الذين غنّوه، وبعضها ليس مؤكداً أنه ينتمي إليها. وعلى رغم الصعوبة البالغة التي واجهها الباحثون في تمييز قصائدها الحقيقية من بين الكم الهائل من الأشعار المنسوبة إليها (حوالي 1300 قصيدة)، تبيّن أن هناك حوالي المئتي قصيدة (بهاجان) تخصّ الشاعرة فعلاً. والمعروف أن ميراباي كانت تغني هذه الأشعار تعبيراً عن حبها الكبير للإله كريشنا، فيما هي ترقص أو تتسوّل حافية القدمين. لم تكن ميراباي تنشد مكانة أدبية رفيعة من وراء ما أنتجته من أشعار، غايتها كانت شأناً تعبّدياً صرفاً، ومع ذلك، فإن بعضاً من قصائدها الغنائية اُعتبِر من بين أعظم الأعمال الشعرية في الآداب الهندية. وهي أشارت إلى إيمانها بأنها في حياة سابقة، كانت واحدة من راعيات البقر الشهيرات أو ما تُسمّى بـِ “الغوبي” اللواتي تركنا عائلتهن كي يتبعن “كريشنا” حين كان لايزال راعي بقر وفتى عابثاً في مدينة “فريندافان”.

الحكايا الأشهر من بين الحكايا الكثيرة التي تدور اليوم حول حياة ميراباي، هي تلك التي تشير إلى محاولات الإعتداء الثلاث على حياتها، وذلك عقب انتهاجها طريقة العيش المستقلة، لتغدو “سادهو” متجوّلة: الأولى بالسمّ، والثانية من خلال أفعى سامّة خُبئت في سلّة، والثالثة بواسطة سرير من مسامير حديدية ناتئة. وقد نجت منها جميعها، لكنها في النهاية مضت تطوف في شمال غرب الهند ساعيةً وراء إلهها المعشوق، الذي أطلقت عليه أسماء عدة: الإله الخفي، صاحب لون الغراب، غيرادهار أو غيريدهارا، رافع الجبال، ماناموهان، مبدّل القلوب، هاري، الخاطف … وكما هو واضح، هو إله ممنوح قدرات متنوعة.

ويلاحظ الكاتب وأستاذ علم الأديان في جامعة كولومبيا جان ستراتون هولي في كتابه “أغاني قديسي الهند” بأنه ” لاشكّ في أن ميراباي قد أوقدت الخيال بجسارتها وتحدّيها الشجاع. وهي من ناحية استحقّت التوقير كزوجة روحية لكريشنا، هادئة، متواضعة، ومتفانية، مثلما هو متوقع من كل امرأة أن تكون في علاقتها مع زوجها الإله. ومن ناحية أخرى، استحقّت الإحتفاء بها لكونها شخصاً من النوع الذي يهشّم مظاهر الخضوع والرضى أينما حلّ، وخصوصاً عبر توضيحها لمسألة أن موقع المرأة وفق مفهوم المجتمع، ليس بالضرورة هو الموقع الذي ترغب المرأة أن تكون فيه. انطلاقاً من هذين المظهرين، ولكونها الوحيدة من بين بنات جيلها لتحظى بمكانة على دورها المتميز كواحدة من قديسي البهاكتي في شمال الهند، فقد مارست نوعاً من السحر، لم يستطع أحد من نظرائها الذكور أن يضاهيها فيه أو يماثلها”.

لاحقاً بعد الشهرة الواسعة التي حققتها الشاعرة، ورغبةً في الإفادة من نفوذها القويّ ومكانتها الروحية في نفوس الناس، تسعى عائلة زوجها الحاكمة إلى استرجاع كنّتهم المتجوّلة الذائعة الصيت الآن، فترسل جماعة لتعقّب آثارها، وعندما يهتدي أفرادها إليها، تسألهم السماح لها بقضاء ليلتها الأخيرة في معبد مع تمثال للإلهها المحبوب كريشنا، ولكنها مع طلوع الفجر تختفي نهائياً، غير مخلّفة وراءها سوى ردائها وشَعْرها.
ثمة ترجمات عدة إلى اللغة الإنكليزية لمجموعة من قصائد ميراباي، أهمها تلك الترجمة البديعة التي أنجزها الشاعران الأميركيان الشهيران، روبرت بلاي وجاين هيرشفيلد، وصدرت في كتاب عام 2004، إذ منحا قصائد الشاعرة روحاً طازجة عبر لغة مرنة جذّابة، أشبه بروحها القديمة، عندما غنّتها الشاعرة قبل خمسة قرون، للمرة الأولى.

فيما يلي نورد ثماني وعشرين قصيدة قمنا بنقلها إلى العربية، معتمدين الترجمة الإنكليزية لبلاي، الشاعر الذي سبق له أن ترجم أيضاً الشاعر الهندي “كبير” و”رومي” و”غالب” و”حافظ” وغيرهم كثر.

{{ميراباي}}

{{(الهند الشمالية 1498 – 1550)}}

حقاً إني ذهبتُ إلى السوق

يا صديقي، قد ذهبتُ إلى السوق وابتعتُ الإله الخفي.

أنتَ تزعمُ في الليل،

وأنا أزعمُ في النهار.

في الواقع، كنتُ أقرعُ طبلاً طوال مدة شرائه.

أنتَ تقول، أعطيتُ فيه أكثر مما ينبغي،

وأنا أقول، أقلّ.

في الحقيقة، أنا وضعتُه على ميزانٍ قبل شرائه.

ما دفعتُه كان جسدي الذي أخالطُ به الناس،

جسدي الذي للقرية، جسدي الذي للعائلة،

ومجوهراتي الموروثة كلّها.

ميراباي تقول: الإله الخفي هو زوجي الآن.

لازمْني حين اضطجع؛

أنتَ عاهدتني بهذا في حياةٍ سابقة.

لا ترحل، لا ترحل

لا ترحل، لا ترحل. أخرُّ ساجدة عند قدميك،

فأنا مبذولة لك.

ما من أحد يعرف كيف يهتدي إلى سبيل “البهاكتي”،

أرِني أين أمضي.

أرغب في أن يضحي جسدي كومة من بخور وخشب الصندل

وأن ترميه بمشعل.

وحال أؤولُ إلى رماد، تمسح بي كتفيكَ وصدرك.

ميرا تقول: أنتَ يا رافع الجبال، فيّ بعضٌ من نور،

أودّ أن أمزجه بنورك.

كل ما كنتُ أفعله هو التنفّس

شيءٌ امتدّ واستحوذ على نور عينيّ.

ثمة صبابة تعتريني إلى جسده،

إلى كل شعرة على جسده الداكن.

كل ما فعلتُه أني تواجدتُ،

و”طاقة الرقص” مرّت ببيتي.

بدا لافتاً أنّ محيّاه كالقمر،

رأيتُه من خلال صورةٍ جانبية، مبتسماً.

عائلتي تتهدّد: “لا تريه مجدداً قط!”

وتلمّح إلى أمورٍ بصوتٍ خافت.

ولكنْ لعينيَّ حياتهما الخاصة؛

هما تهزآن بالقوانين، وتدركان لمَنْ هي.

أعتقد أني أستطيع تحمّله، أياً يكن رأيكَ فيّ.

ميرا تقول: من دون الطاقة التي ترفع الجبال،

أنّى لي أن أعيش.

لا تستطيع ميرا العودة إلى بيتها القديم

قد تغلغلتْ ألوانُ الإله الخفي في جسد ميرا؛

الألوان الأخرى كلها زالت.

ممارسةُ الحبّ مع الإله الخفي، والأكلُ قليلاً،

هما ثروتي من اللؤلؤ والعقيق الأحمر.

سُبحة التأمل، وخطوط الجبين،

هما أوشحتي وخواتمي.

تلك مفاتن أنثوية تكفيني. معلّمي لقّنني هذا.

سواءَ أَثنيْتُم عليّ أم ذمَيْتمُوني: فأنا أمجّد مقدرة الجبل ليلَ نهار.

أسلكُ السبيل الذي اتّخذه المريدون قبلي لقرونٍ خلت.

لا أسرقُ المال، لا أتعدّى على أحد،

بماذا ستتّهمونني؟

قد خبرتُ طعمَ الترنّح على كتفَي فيل،

والآن تريدونني أن أمتطي حماراً؟

حاولوا ان تكونوا جدّيين.

حرارة دموع منتصف الليل

إسمعْ يا صديقي، هذه الدرب هي انفتاحُ القلب،

تقبيلُ قدميه، مقاومةٌ مهزومة، دموعٌ طوال الليل.

لو كنا نستطيع بلوغ الإله عبر الغطس في المياه،

لكنتُ طلبتُ أن أولدَ سمكة في هذه الحياة.

لو كنا نستطيع بلوغه عبر لا شيء سوى ثمار العليّق

والجوز البرّي،

فإذاً مؤكداً لكان القدّيسون قردة عندما خرجوا من الرَحِم!

لو كنا نستطيع بلوغه بمضغنا لأوراق من الخسّ

وأوراق نباتاتٍ يابسة،

فإذاً لكان الماعز بلا ريب قد بلغ الإله المقدّس قبلنا!

لو كانت عبادة التماثيل الحجر يمكن أن تقطع بنا المسافة كلها،

لكنتُ منذ سنين عبدتُ جبلاً من الصوّان.

{{قصائد بلا عناوين}}

مطوِّقةً كاحلَي بالفضّة، رقصتُ.

الناسُ في القرية لقّبوني بالمجنونة.

سوف تُفْسدُ العشيرة، ردّدتْ حماتي.

والأمير أمر لي بكأسٍ من السمّ.

ضحكتُ فيما كنتُ أحتسيه.

ألا يمكنهم أن يروا؟

الجسدُ والعقلُ ليسا شيئين قابلَيْن للخسارة،

فالإله الخفي كان استحوذ عليهما قبلاً.

إله ميرا، في وسعه رفع الجبال،

إنّه ملاذها.

أختاه، الإله الخفي محجمٌ عن مخاطبتي.

لِمَ هذا الجسدُ العقيم يواصلُ التنفّس؟

ليلة أخرى ولّت،

وما من أحد رفعَ ردائي.

إنّه محجمٌ عن مخاطبتي.

أعوامٌ مرّت، وما من إيماءة.

كانوا أكّدوا لي

سوف يجيءُ مع مَجيء المطر،

لكنّ البرقَ يخترقُ الغيوم،

الساعةَ تدقُّ حتى طلوع الفجر،

والشعورُ القديمُ بالرعب، يعاودني.

جارية للإله الخفي،

حياةُ ميرا كلّها،

ليلةٌ طويلة من الإشتهاء.

أنا جاريتكَ.

اربطني بقَيْدٍ، ميرا عبدتكَ.

إنّها تستيقظُ في الفجر،

تجلسُ في الحديقة،

ترودُ الطرقَ المؤدّية إلى غابة “فريندافان”،

فيما تؤلّف الأغاني.

حمّى، ذكرى، توق؛

ولادة تلو ولادة، يزحفون ورائي.

أخلعُ عليّ رداءً زعفراني اللون،

راجيةً رؤياك.

اليوغانيون يأتون “فريندافان” لمعرفة معنى التوحّد،

النسّاك يقومون بأعمال سحرٍ رهيبة،

الرجالُ المقدّسون يجيئون لغناء التراتيل،

لكنّ ميرا أعمق، أيّها الإله،

وأكثر سريّة.

إنها تنتظر بقلبٍ محطّم كل ليلة قرب النهر،

من أجل لمحة فقط.

لقد خضّبني،

بلونِ غرابٍ أسحم، قد خضّبني.

قارعةً جانبَيْ طبلٍ خَزَف

أرقصُ كراقصةٍ محترفة أمام كهنة “السادهو”.

هناك في القرية،

ينادونني مجنونة، سكّيرة، بائعة لذّة.

لقد حرّضوا الأمير الذي أمر بتسميمي،

لكنّي أفرغتُ الكوبَ حتى آخر قطرة.

إله ميرا هو الأمير الحقيقي؛

لقد خضّبها بلونِ الغراب.

ولادة تلو ولادة،

هي ملك يمينه.

في الأسفل بجانب النهر، ثمة فلُوت!

أواه يا قلبي المحطّم،

ما هو الإيمان الذي يبدّده عازفُ فلُوت؟

مياه مظلمة، سروال داكن،

و”كريشنا” أكثر قتامةً من أي وقتٍ مضى.

نغمةٌ واحدة من الفلُوت القصب،

في منتهى الصفاء حتى أنها تقود ميرا إلى الجنون.

يا إلهي، هذا الجسد المتعثّر،

حرّره من العذاب.

الحياة على هذا الكوكب قصيرة،

لِمَ تكبّد المشقّة؟

من الأم والأب تتأتّى الولادة،

ولكنْ من ينبوع الخَلْق يجيءُ “كارما”.

الناسُ يبدّدون حياتهم، مكدّسين الفضائل،

كما لو يشترون ويبيعون.

هذه حماقة.

أنا أترنّم جذلة بأغاني “هاري”،

أعيشُ حالات وَلَه مع كهنة “السادهو”،

لا شيء يقلق راحتي.

ميرا تقول: إنه سلطانكَ أيها الإله الخفي،

لكنْ أنا هي مَنْ تتخطّى الحدود.

إلهي الخفي،

قد جعلوه خارج الحدود،

ولكنّي لا أستطيع العيشَ من دونه.

مغتبطةً بـ “هاري”،

آيبةً وذاهبةً بصحبة كهنة “السادهو”،

أجولُ حيث لا يَسَعُ شَرْك العالم أن يطولني.

الجسدُ ثروةٌ، لكنّي أهبُه.

رأسي منذ زمنٍ بعيد أُخِذ.

مترعةً بالنشوة،

ميرا تفرّ من أهل القرية الثرثارين،

لاجئةً إلى الذي لا يمكن أن يفنى؛

إلهها الخفي.

يا صديقي،

رغم أنّ العالم ينام،

فإنّ المهجورَ ينتابه الأَرَق.

من داخل القصر، عند نافذة،

أحدهم فيما يحصي الكواكب،

يشكُّ عقداً من دموع.

المهجورُ ينتابه الأرَق.

الليلُ بغتةً تلاشى، وميرا،

ميرا فاتتها ساعة الملذّات،

فاتها الإله الخفي

الذي يجرّدها من الألم.

أيّها الإله الخفي،

كل ما أرومه هو قدَرٌ من الحبّ.

أياً تكن عيوبي،

أنتَ لي محيطٌ من المسرّات.

دعِ العالمَ يطلقُ أحكامه

لا شيء يبدّل قلبي.

كلمة واحدة من شفتيك كافية.

ولادة تلو ولادة

أستجدي نصيباً من ذلك الحبّ.

ميرا تقول: أيّها الإله الخفي،

اقتحمِ السريرة،

قد دفعتَ بهذه المرأة

إلى ما وراء الحدود.

قُدْ هذا المركب الصغير فوق المياه،

ماذا يمكنني منحكَ كأجرة؟

عالمنا المتقلّب لا يحتفظ بشيء غير الشَجَن،

احملني بعيداً عنه.

ثمانية من مواثيق “الكارما”

أحكمتْ الإمساكَ بي.

الخليقة كلها تدوَّم عبر ثمانية ملايين رَحِم،

عبر ثمانية ملايين نموذجاً من نماذج الولادة، نَمُورُ.

ميرا تتوسّل: أيّها الإله الخفي،

إنأَ بهذا المركب الصغير إلى الشاطئ الأقصى،

ضعْ حداً للذهاب والإياب.

غيومٌ كثيفة في السماء تحملها الريحُ الموسمية،

هي بهجة لهذا القلب المحموم.

فصلٌ من المطر،

فصلٌ من الهَمْسِ المتواصل: الإله الخفي عائد!

أيها القلب المفعم عاطفةً،

أيتها السماء المترعة نداوةً،

لسانُ بَرْقٍ أولاً يتبعه رعد،

رشقاتُ مطرٍ عنيفة يتبعها ريح،

تطاردُ حرارة الصيف.

ميرا تقول: أيها الإله الخفي،

قد طال انتظاري،

حان الوقت كي أحملَ أغانيَّ

إلى الشارع.

لماذا الحياة،

لماذا مجدداً،

ولأيّ سبب ولدتُ امرأة؟

أعمالٌ حسنة في حيواتٍ سابقة، يقولون.

ولكنْ،

نموٌ، قطعٌ، قطعٌ، اضمحلال.

الحياةُ تتلاشى لحظة بلحظة

ولا تعود قط،

ورقة تتساقط عن غصنها

وتتطايرُ بعيداً.

انظرْ إلى هذا المحيط الهائج من نماذج الحياة،

خاطف الحركة، مستحيل التهدئة،

كل شيء تبتلعه مياهه.

أيها المحبوب، إمضِ بهذا الطَّوْف سريعاً

واهْدِه إلى الشاطئ.

هذا عهدُ الحبيب الخفي؛

أنّ عينيّ سوف تختلجان برؤية.

يا صديقي، قد تزيّنتُ بحِلية عروس

علّ حبيبي يأتي بسرعة.

أنا لم أخترْ رجلاً بائساً

يُولد فقط كي يفنى.

أيتها الجوهرة غير القابلة للكسر،

إني آخذ الإله الخفي إلى السرير،

فهو يُشبِع رغبة ميرا!

حياة تلو حياة،

هي تنتظر قدومه.

يا صديقي، أنا أرى الإله المظلم وحده؛

أبّهة مظلمة،

مجدٌ مظلم،

أنا غارقة في سكَرات الظلمة.

أينما تدوس قدماي تراباً، فأنا أرقص.

ميرا ترى في الظلمة،

إنها تجوب شوارع القرية الخلفية.

أيها المنجّم،

آلاف المرّات شكراً لك

لتبشيركَ بوصول الإله الخفي!

مصابةً بالدوار، نشوانة،

روحي تدخل حجرة نومها.

خمسة رفاق يجتمعون،

خمس حواسّ،

من أجل منحه متعة لا مثيل لها.

نظرة خاطفة إلى صورته

تبدّد الكَرْب.

شهواتي الجسدية كلها تجلبُ ثماراً.

“شِيَام”، قد اجتاحني محيط اللذّة.

حلواً كان مذاق ثمرات الخوخ

لفتاة القبيلة الصحراوية الأميّة.

لكنْ يا له من سلوكٍ لائق أن تتذوّق كلاً منها!

خرقاء كانت، من حثالة الناس، مشينة، وقذرة،

لكنّ الإله تقبّل الفاكهة التي كانت تقضمها.

لماذا؟ لأنها عرفت كيف تحبّ.

لعلّها لا تفرّقُ السناءَ عن القذارة،

لكنها تذوّقتْ طعمَ رحيق الوَجْد.

لعلّها لا تعرف أياً من “الفيدا”*،

لكنّ مركبةً دفعتها بقوة.

الآن هي تمرحُ في السماء،

مبذولة لإلهها بنشوة عارمة.

إله المغفّلين الساقطين، تقول ميرا،

سوف يصون كل شخص

يستطيع أن يخبرَ اللذّة الروحية

على هذا النحو.

أنا نفسي في ولادة سابقة

كنتُ راعية بقر في “غوكول”.

“يوغين”،

لم أمسّ سرّكَ الحميم.

بوضعية تأمّل، جلستُ في مغارة،

السُبحة عند حنجرتي،

وأطرافي ممسوحة بالرماد.

حالات من النشوة تملّكتني

عبر اتصالي بالإله الخفي،

لكن لا،

لم أمسّ مطلقاً سرّه الخالد.

ما تحوزه ميرا

هو عطيّة من القدر.

في حلمي يا شقيقتي،

إله المضطهدين اقترنَ بي.

الآلهة رقصت بين الحاضرين؛

ستة وخمسون مليوناً.

الإله الخفي كان عريساً في حلمي.

في حلمي كان ثمة بوّابات أعراس مقوّسة،

أيادٍ متشابكة، يا شقيقتي.

في حُلُمٍ،

إله المضطهدين اقترنَ بميرا

وأخذها إلى السرير.

طالعٌ حسن من ولادات سابقة

يُؤتي بثماره.

الملاذُ فيكَ أيها الإله الخفي،

أنتَ وحدكَ

تعرف كيف تنجّيني.

فتاة ممسوسة،

أجولُ متثاقلةً عبر المَحَجّات الثمانية والستين،

لكني لا أملك الفطنة كيما أدركُ معنى الفشل.

حنانيكَ “موراري”، إسمعْ ندائي،

لا شيء في الأرض يبدو أنه “مِلكي”.

ميرا منحتكَ الثقة،

الآن جاء دوركَ،

أطلق سراحها من هذا الشَرْك

الذي نسمّيه “العالم”.

أيها الإله الخفي،

كيف أستطيعُ النوم؟

مذ غادرتَ سريري

الثواني تمرّ ببطء كما لو أنها عهود،

كل لحظة، سَيْل جديد من الألم.

ما أنا بزوجة،

وما من عاشق يأتي خلال الظلمة.

القناديل، البيوت، لا تبعث على الراحة.

الأزهار المطرّزة على أريكتي

توخزني مثل الشّوك،

فأتقلّب خلال الليل.

مع ذلك، من سيصدّق حكايتي؛

أنّ عاشقاً عضّ يدي مثل أفعى،

والسمّ تفشّى فيّ، وأني أموت؟

أسمعُ بشرى الطاووس البعيدة،

أغنيةَ حبٍّ لعندليب،

الوقواقَ.

كثافةٌ فوق كثافة تتراكم على مدى السماء،

السُحُب تزخّ مطراً.

أيها الإله الخفي،

أَمَا من حبّ في هذا العالم،

لكي يدومَ كَرْبٌ كهذا؟

ميرا تنتظر من أجل نظرة خاطفة

من عينك.

متى أستطيع لقاء الإله الخفي؟

خمس عشرة ساعة في النهار

منهمكة في تأدية واجبات،

وتسع ساعات أخرى غائبة في النوم.

أنْ يرى البشرُ الحياة – تقول ميرا –

لهُوَ أمرٌ ثمين،

ولكنّنا نحوزها ونبدّدها في النوم.

امنحْ نفسكَ للإله الخفي،

القدر لا ينحرف البتّة عن مساره.

أيها الوقواق،

لِمَ هذه الحركة المباغتة لإيلامي؟

كنتُ في كوخي غافية

عندما صدحتَ بأغنية حبّ،

ذارّاً ملحاً على الجرح.

هناك أنتَ جلستَ

عالياً على غصن شجرة،

مغرّداً من أعماق حنجرتك.

أصغ إلى طلبي أيها الإله الخفي،

فأنا خادمتكَ.

قد ساقني تجلّيكَ لي إلى الجنون،

والفراق يقتاتُ من جوارحي.

بسببكَ سوف أغدو “يوغانية”،

أهيم على وجهي من مدينة إلى مدينة

مطوّفةً في الأحياء الخفيّة،

فيما جسدي، ممسوحاً بالرماد،

مكسواً بجلد الأيل،

يترمّد.

سوف أدورُ من غابة إلى غابة،

بائسةً مولولة:

أنتَ غير المولود بعد، غير القابل للإبادة،

تعال إلى متسوّلتكَ!

اقضِ على ألمها ومُسَّها بالمتعة!

هذا الذهاب والإياب سوف ينقضي،

{{- تقول ميرا -}}

بأنْ أقبضَ على قدميكَ إلى الأبد.

{{كتب الهندوس الدينية الأربعة أو واحد منها.}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق