ميرسي ياألله / نبيل الملحم

هدر الاسلاميون دمه، وذهب الرفاق الحمر قبلهم الى مايزيد عن هدر الدم، فالرفاق من عبدة النصوص، لايقلون عنفا عن طالبان، الظاهرة الأكثر حداثة بالمعنيين الزمني والذهني من يسار، كل ماأنجزه مكتب لموظف، يخزّن فيه أسرارا، ليست سوى الاسرار على الجماهير نفسها، الجماهير التي يفضل أن يتخصص في (تعبئتها)، بصفتها براميل بيولوجية يخزن فيها الرفاق أفكارا، غالبا ماتأتي قبل التوقيت او بعد الأوان.

في مطالع الثمانينات، ولنقل في نهايات السبعينيات لنكون اكثر دقة، خرج العفيف الأخضر بترجمة فريدة للبيان الشيوعي، الوثيقة الاولى للماركسيين الشهيرين :” كارل ماركس وفريديرك انجلز”، والبيان الشيوعي اياه، كان نسخة مختلفة ترجمة ونقدا، من حال البيان الشيوعي الذي صدّرته دار التقدم، الحوزة الثقافية للرفاق الحمر، أو التكية الثقافية للرفاق الحمر، أو الكنيسة الثقافية للرفاق الحمر، وكان التباين مابين البيانين، يؤصل لتباينا مابين ماركسيين اثنين:

-الأول يعبد النصوص، والثاني يفترض النص مؤشر على الدرب، والأكيد ان كارل ماركس ورفيقه الأكثر روعة والأقل حظا فريدريك انجلز، لو كانا على قيد الحياة ، لرفضا تأليههما، بصفتهما وريثا الفلسفة الالمانية التي أسقطت الالهة من المرتفعات الشاهقة، وأمشتها على قدميها بين بشر يقطعون مسافات هائلة في التاريخ، من اجل العدالة والحرية والمساواة، الشعارات التي لعنها الرفاق الحمر باعتبارها شعارات الماسونية الدولية، التي (تحيك المؤامرات على الرفيق الأمين العام)، وبصفتها تتدحرج بين أقدامنا وفي سراويلنا، وبصفتها تحدد بقوتها السرية، كل أسرار أسرّتنا، فتجعل المنتصب فينا ينام، بالرغم من انجازات الفياغرا، وبالتاكيد ذهب الرفاق اكثر من ذلك، فقد أطلقوا الحرم الديني، على من يقرأ العفيف الأخضر، ومحمد كبة، وربما حتى من يقرأ صادق جلال العظم، وهو البورجوازي في رداء ماركسي، بما يعني الشخصية الأقل اقلاقا من الراديكاليين الحمر.. الراديكاليون الذين ذهبوا في الثورة الفلسطينية الى تأليف :” وديع حداد”، وجورج حبش، ورفع شأن الاممية الثورية بتعبيرها الأكثر صراحة ونعني الفنزويلي كارلوس، كما كانوا الاكثر حضورا في اليسار العالمي، اقله عبر دورهم في انتفاضات طلبة باريس 67 ومن ثم في يناير مصر 77 وبعدها في تعليم الناس كيف يفكرون ماركسيا، لا كيف يتعبدون على ضريح الرفيق لينين ويتاجرون بتحويل العملة في خطوة ثورية لاحقة.

اليوم .. العفيف الأخضر قعيد الفراش، الدينيون أحالوا مرض العفيف الى الانتقام الالهي، فالرجل كافر، والاله مستعجل على محاسبته بحيث يذوق طعم الاخرة وهو في الحياة الدنيا ، واليساريون منتظمون في صفوف السلطات العربية الالهية، خصوصا المجموعة التي تربت في أحضان العفيف ومن ثم رحلت الى العقيد، والعقيد معمر القذافي، هو اكثر الظواهر العربية نقاء فيما يتصل بميراث الحاكم العربي.. الحاكم وقد ورث الفلسفة والعصى بذات اليد وذات القبضة، فصار : العقيد والأخ، والقائد، والملهم، والشقي، والشاعر، والسوبر موديل، وصاحب رسالة اليسار، والمشرف الوحيد على اطروحة انتظام الطليانيات في الاسلام، والمنبه الأعظم لمطارحات الغرام، وبات فوق كل هذا وذالك السيناريست العربي الأول، الذي يجعل من اسامة انور عكاشة تلميذا زاهدا بالمستقبل اذا ما انتظم في الصفوف الخلفية للسينلريست الأخ العقيد.

اليسار (العقيداوي)، هو اول من شن حملة على العفيف، واليسار العقيداوي نفسه هو من كان على عتبة العفيف الاخضر يوم كان العفيف، فتاجر بالعفيف، ليثرى من تاجر بافقار من توجر به.

العفيف الأخضر، بما له وما عليه، قرأ غير مانقرأ وفهم غير مانفهم، ووطد سلطة العقل في رؤوس عاجزة عن توطيد سوى سلطة السلطة و النص، وبات اليوم معاقب مرتين:

بقطيعة اليسار العربي البندوق، وبتكفير الاسلاميين الذين يهرعون الى الله وجلابيبهم بين أسنانهم مبشرينه:

-أيها الله، هل تعلم انك عاقبت العفيف في الدنيا الفانية قبل قدوم الآخرة الدائمة .

ميرسي يا الله.. كم أنت ضالع في الوقت.

عن موقع ألف للكتابة الجديدة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق