مُتكـأ على جدار الشمس / رانيـا مأمـون

الشمسُ هنا لا تسطع بغتةً كمن يفتح عينيه ظهراً فجأة فيجدها في كبدِ السَّماء، إنما تُفصِح عن نفسها بهدوء وتروٍ بالنسبة لـ حواء بائعة الشاي في سوق  الدَّيم.

يبدأ صباحها ليس كأيّ أحد، إنما صباحٌ ذو تفاصيل تخصَّها وحدها. يبدأ بغسلِ عِدَّتها بعد أن تكون قد أدَّت صلاة الفجر حاضرة؛ فتعجن عجين الزلابيا القليل كي يختمر، وتغسل أكواب الشاي، (الكفتيرة)، (الشغال) والمصافي جميعهم بصابون البُدرة لما له قدرة خاصة في تلميع تلك الأواني، إضافة إلى رائحته الزكية، حتَّى برطمانات الشاي والبُن والكركديه المنقوع. تحبُ أن تترك عِدّتها نظيفة ولامعة مما يُكسبها مزيداً من الزبائن.

عادةً تترك النساء عِدِّة عملهن في الدُّكان الذي يستظللنْ بظله أو في (الطبليات) المعقودة أحياناً إلى أقرب عمود من (الراكوبة) ـ التي يجلسنْ تحتها ـ ويقفلنْ بابها بضبَّةٍ ومفتاح. إلا أن حواء لا تأمن (الشماسة) المشردين الصغار، عِوضاً عن أنَّها تحبُ غسلها في البيت رغم ثقل حملها.

تحضر إلى سوق الدَّيم والظلام يفرد عباءته على كل ساكن ومتحرك، على كل شيء، إلا أنَّ نسمات الفجر الحانية اللاثمة خدها تجعل من رحلتها من بيتها على بُعد خمسة كيلومترات محتملة ومُحببة. هي لا تختلف كثيراً عن كل بائعات الشاي في الدّيم أو في أيّ سوق وأيّ شارع، أو أيّة بائعة شاي على الإطلاق. الحوجة هي ما جعلها تمتهن بيع الشاي، تماماً مثلهنْ.

حالما تصل، تُشعل نارها في الموقد المزدوج ببقايا فحم الأمس، الذي تركته عمداً لنار الصباح؛ فـ (الزريبة) التي تبتاع منها الفحم لا تفتح باكراً. بعد أن تنهي صنع (الزلابيا)، تضع ماء القهوة والشاي في الوهج البرتقالي المتموج العتيد، وتبدأ في الانتظار الملَّون بالأمل في يومٍ وفير الرزق. تتبدى للنَّاظر في ذاك الوقت كأنها أحد عناصر هذا السوق مثل الدكاكين، الجزارة أو حتى (زريبة)  الفحم والحطب.
يتوقّف عندها (العزابة)، طلاب الجامعات، الموظفون وكل من لديه خمس دقائق لشرب كوبٍ من الشاي، أو القهوة أو الكركديه لمن يشكو احتقان الحلق.

***

مثل العجوز الذي يعاني من التهاب المفاصل، يسحب الظلام عباءته تدريجياً مفسحاً لضوء باهت يُمكِّن العين من الرؤية بمرور الوقت. حين تكشف الشمس عن نفسها تماماً يضج السوق بالحركة والصخب. تكون دكاكين السلع الاستهلاكية قد فتحت أبوابها، وحضر باعة الخضار، وفرشوا خضرواتهم على جوالات خيش على الأرض، أو طاولات كبيرة عليها قطع من الخيش أيضاً، ورشوا عليها الماء لتبدو طازجة. يكون آدم في (الزريبة) ذات الأرضية السوداء المصبوغة بالفحم قد كسّر الحطب، وعبأ الفحم في أكياس صغيرة. وعلّق عمر اللحم على (الشناكل)، وعلى المصطبة العالية حيث يضع الميزان بدأ في تكسير العظام ليبيعها مع اللحم. النسوة يحمِلنْ أكياسهن أو (قُفَفهنْ) أو (سُبَاتتهنْ) ويحاججن في الأسعار.

سوق الديم ليس كبيراً، إلا أنه مُلتقى يومي لنساء الحيّ يتبادلنْ الأخبار، يتشاركن النميمة، يبتعن خضارهن ويترافقن في طريقهن منه وإليه. كثيراتٌ منهن يلقينْ التحية على حواء، الرابضة هناك منذ دهر تحت راكوبة مسقوفة بالحصير وقطع الخيش والبلاستيك، ومستندة إلى (شِعَبْ) ملتوية ومفتوحة من الجوانب الأربعة، تحيط بها مقاعد صغيرة يجلس عليها الزبائن. تظل تتابع حركة السوق، وتخرم أذنيها الأصوات العالية ، تلاقي النسوة وسماع حكاياهن، لعن وسِباب وشتيمة التجار للصغار الذين يخطفون كالحِداء ما يستطيعون من خضار  (طماطم، ليمون أو (عجور)) والركض به كصغار الفهود.

حيّ الدَّيم إن زرته قد لا تغفل وجود العربات التي تجرّها الحمير كوسيلة للمواصلات ونقل البضائع. وللمفارقة تُفرش العربة ـ زيادة في الرفاهية ـ بسجادٍ خفيفٍ رخيص الثمن، وتجد ببعضها جهاز تسجيل، كما في بعض الأحياء مثل حيّ الشِقلة في أمدرمان. تكون رحلتك عليها على أنغام الموسيقى سقفك السماء ولا حدود بينك وبين المارة، فأنت تجلس على كارو حمار، لكنه يوفر خدمات إضافية.

***

الخرطوم مدينة مركزية، تتململ على مدار الساعة من الحركة والضجيج والبشر الدائسين على أرضها. تتوه فيها بوصلتي؛ لاتّساعها، تباعد أحيائها وتشعبها وترامي مقاصدي دوماً عندما أزورها. هل أحبّها؟ أكرهها؟ أنكره ما نجهل عادةً، أم أن في المعرفة يكمُن الحب؟ لا أدري!
أعتقد أني أخافها وأهاب السير فيها وحدي. أحبها أحياناً وأكرهها أحياناً أُخر، لكنَّها تظل المدينة التي لا يمكنك تفاديها، فإنها تصطدم بك لا محالة، ولا بُدّ من المرور العابر وغير العابر بها.
مدينةُ التناقضات والتطرف، قمة الثراء وأدنى درجات الفقر. جمالٌ هنا وقبحٌ يجاوره. عِمارة جميلة مبتكرة، وبيوت من الطَّين وعشش ورواكيب في الحي الآخر. مساكن آية في الجمال والتنظيم، ومساكن عشوائية متلاصقة ومتراصة ومتنامية بسرعةٍ وخفاء كالنبت الشيطاني. مدينة رجال الأعمال والشحاذين. مدينة الشركات وأيضاً الفترينات على أرصفة الشوارع وتحت ظلال الأشجار.
***
الخرطوم ليست عاصمة السودان السياسية فقط، إنما العاصمة التجارية والمدينة الأكبر والأكثر كثافة سكانية. وعندما نقول الخرطوم فإننا عادةً نعني العاصمة المثلثة كما كان يطلق عليها وهي: الخرطوم والخرطوم بحري وأمدرمان الضلع الأعرق في هذا المثلث، حيث تلاحظ قِدم مساكنه، وتشتم عبق التاريخ الممزوج بطينها ومائها، خلافاً لبعض أحياء الخرطوم فأنت ترى مبانٍ تتماهى مع روح العصر الحالي وتعبِّر عنها.

مدينة تمثل مركز السودان نزح إليها الملايين على مر الأزمان، الجنوبيون إبان الحرب في جنوب السودان وقبلها. الشماليون للتجارة والرزق. سكان الغرب للعمل وكسب العيش. سكان الوسط والشرق، الطلاب والعُمّال وأصحاب المهن الحرفية واليدوية، حدّادون، بنّاءون، سائقوا مركبات عامة وبالطبع الكماسرة. (جمع كمساري محصِّل التعريفة بالمواصلات العامة)

***

في إحدى زياراتي، هواجسٌ كثيرة تظلّ تطرق بقوةٍ على رأسي في طريقي من حيّ السلمة طرف الخرطوم الجنوبي ـ حيث أنزل مع أختي ـ إلى قلبها. يعلو صوت الهواجس على صوت الموسيقى الصاخب داخل الحافلة التي تقلّني. كما يعلو على صوت راكبَين لم يتلقيا منذ دهر فيما يبدو. ويعلو على مشاجرة (الكُمساري) مع الطلاب في المقعد الخلفي، ذلك لأنهم لا يحملون بطاقة طالب تخوّل لهم الركوب بنصف القيمة. يتشاجر معهم ويطلب من السائق التوقّف ليترجلوا من الحافلة. يتدخل راكب ليفض الشجار. يعلَق الكُمساري معه، فينضم للراكب ركابٌ آخرون يعنّفون الكُمساري. لا أتساءل عن لماذا يأتي دوماً الحقّ على الكماسرة! ولا أتساءل عن حتمية شجار الكماسرة مع الرّكاب في كل حافلة! إنما أظلُّ أراجع في ذهني خريطة الطريق التي عليّ أن أسلكها، والمحطات التي عليّ أن أترجل فيها والعلامات التي عليّ أن أنتبه لها أثناء مروري. خريطة الطريق تلك عادةً في زياراتي المختلفة يرسمها لي زوج أختي سائق التاكسي لمعرفته المفترضة بل المتُحققة للمدينة.

أول ما يلاقيني في خضم هواجسي وخوفي من الضياع حيّ الأزهري بمبانيه الحديثة في أكثرها. ثم حيّ الإنقاذ بمبانيه الشعبية من الجالوص غالباً. الحيّ الزاخر بالحياة والنَّاس، تهاجمك روائح العرق النفّاذة الحارة عند ركوب البعض. فيما بعد عند عودتي مساءً، وبعد انحسار تموجات هواجس انجاز الحاجة والتّوهان، تنتبه حواسي  أكثر أثناء عبور الحافلة بحيّ الإنقاذ، فأرى جانبي الشارع على امتداد الحيّ مكتظاً بالنّاس، الركشات، الفترينات التي تعرض السمك المقلي والدجاج والباسطة (الحلويات)، مواقد الطعمية، قِدر الفول وأكشاك البارد والعصير، وبين كل عدة أمتار تستمع إلى موسيقى مغايرة. تمر الحافلة على بشر متمايزة فئاتهم: فتيات وفتيان، باعة ومشترين، أطفال وكهول. تتراءى لي الوجوه الكثيرة عبر الزجاج أتعجّب وأفشل في اكتناه أسباب العلاقة الطردية بين الفقر والإنجاب! 
تعبر الحافلة في طريقها أيضاً بأرض المعسكرات، وهو مقرّ ثابت يقيم فيه الشباب إبان  الفعاليات الرياضية والثقافية المختلفة. أقمتُ فيه أكثر من مرة لمدة تترواح بين الأسبوع والعشرة أيام. مكانٌ أخضرٌ بديع،  تحت أشجاره عامرة الخضرة تركت ذكريات حميمة تُخلِّف أثراً مُسِعداً كلما تماست بحواف  الذاكرة.

نهاية الشارع عند تقاطع شارع افريقيا تقع جامعة افريقيا العالمية، يؤمها طلابٌ من شتّى أنحاء العالم الإسلامي. هناك تقف الحافلات، يشحذ كل كُمساري صوته لينادي: عربي.. عربي.. عربي. شعبي.. شعبي.. شعبي. وتعني أن هذه الحافلة متّجهة إلى السوق العربي، في حين تلك وجهتها السوق الشعبي. الكل ينادي في ذات اللحظة. الكل يصرّ على أن يكون صوته الأعلى. الكل يريد جذب أكبر عدد من  الرّكاب معظمهم من الطلاب الوافدين والعمال. تتراص الحافلات بقربٍ حميم، هذه في ذيل تلك. كل سائق يريد استباق الآخر لحمل ما يجود به الشارع من الرَّكاب الواقفين على الرصيف على امتداد المشوار حتى النقطة التي تكون هي محطة الانطلاق والرجوع.
قد يصعد طالب صومالي، مدغشفري، نجيري، باكستاني، صيني، أو مجموعة طلاب كلٌّ بسحنته ولغته وأحياناً زيَّه. توافدوا من أصقاع متباينة ومتباعدة ليجتمعوا في قاعات ومكتبات الجامعة مُشكِّلين منها بؤرة تعكس أشعتها حيثما وجدت منفذا في كل الاتجاهات.
على الرّصيف أمام الجامعة يفترش الباعة بضاعتهم على جولات خيش، بلاستيك،  أو قطع كبيرة من قماش سميك على الأرض: ملابس، أحذية، خضروات، أواني منزلية، عطور، فواكه. أيضاً أشكاك لبيع البارد والمرطبات وبعض المأكولات، ترابيز لشراء وتحويل رصيد الموبايلات. في كل خطوة لك هناك احتمال أن تتعثر بشيءٍ أو بأحدٍ قائم. بعض الباعة ينصب فيما يشبه المظلة من جولات خيش أو بلاستيك على أربع عصي؛ عساها تظلّهم من الصفراء اللاسعة. بعض الباعة يجبرونك على الشراء بإلحاحهم، أحياناً تشتري ما لا ترغب به؛ فقط كي تخلِّص نفسك من الإلحاح. ذات يوم اخطأت وسألت أحدهم عن ثمن زجاجة عطر، لم يَفك حصاري إلا شرائي للعطر، الذي تبيَّن لي من أول زخة رداءته ووقوعي في الفخ.

بعد تجاوزها شارع أفريقيا تدخل الحافلة شارع المطار الطويل. شارع مصقول لامع. تفتح فيه مطاعم فخمة، محال  تجارية راقية وغالية الثمن، تعرض بضاعتها من وراء زجاج يُسفر عن نظافة متقنة. ينظر الكثيرون إلى هذه البضائع كالملابس وغيرها مثل السَّراب يرونه لكنهم أبداً لا يصلون منتهاه.

أثناء سيرها تمر الحافلة بمركز العفراء للتسوق، أول وأكبر مول في السودان.  تكثر خارجه السيارات الفارهة متمايزة الألوان والأنواع، يترجّل منها أناسٌ نظيفي الثياب، زكيي الرائحة تقرأ على وجوههم مفردات الدِّعة والثراء. هذا المول يدخله الفقراء ـ إن دخلوه ـ للتنزه والتفرج لا غير.

***

في محطة السكة حديد، موقف حافلات السَّلمة قرب مستشفى الخرطوم وفي مواجهة شارع القصر تنتشر على الرّصيف الضيق بائعات الفول والتَّسالي والكبكبي (الحمص) مستندات على الحاجز الحديدي الذي يفصل بين الموقف والشارع العام. كل امرأة تجلس على بنبر (مقعد) واضعة أمامها صينية ممتلئة بالكبكبي والفول والتّسالي المعبأ في أكياسٍ صغيرة. قد تضع بعض النساء قبعات من القش على رؤوسهن تقيهن أشعة الشمس اللاهبة الجالسات تماماً تحتها. المحظوظات والمحظوظون من الباعة يجلسون تحت ظل الأشجار المنتصبة في الشارع أو داخل المستشفى ربما، يفترشون بضاعتهم على الأرض أيضاً: فراشي أسنان، أمشاط، لُعب أطفال، ملابس داخلية، (كفرات cover) موبايلات، حُلى نسائية رخيصة، وأشياء أخرى كثيرة مثل: أحذية أطفال مصنَّعة  يدوياً ونظارات شمسية رخيصة الثمن.
أسير في شارع القصر على بعد خطوات من هؤلاء الباعة، تقع عيني على باعة آخرين وآخرين وآخرين. بعض هؤلاء يستظلون بظل مبنى المرديان المنتصب بشموخ، المنفصل تماماً عن الواقع والمناخ خارجه.

في إحدى نواصي الشارع يقبع كشك لبيع الصحف والمجلات وبعض الأدوات المكتبية. أبتاع صحيفة أو اثنتين في طريقي الذي قد يكون أحياناً إلى مكاتب صحيفة الصحافة أو الأضواء (سابقا)، أو لإجراء معاملة أو لمقابلة صديق في قلب السوق العربي، الذي هو تقريباً قلب الخرطوم، أسير كاظمة غيظي وحقدي عليها، وعلى المشاوير التي عليّ أن أمشيها ـ راجلة طبعاً ـ، يلفح وجهي هواء حار، وتطأ أقدامي أرضاً حارة، وتلهب جلدي أشعة حارة لا يحتملها سوانا.

سوق الجنوبيون للكتب إحدى محطاتي الأثيرة. هو ليس سوقاً وإنما نسميه هكذا لكثرة باعة الكتب من إخوتنا الجنوبيين، حيث تجد الكتب المستعملة والنادرة التي لا تجدها عادة في المكتبات، وبأسعار جيدة أيضاً. وربما يكون أحد الأسباب القوية لاحتمالي الخرطوم هو شرائي الكتب.

***

عيناي عدستا كاميرا تدوران في كل اتجاه، تلتقطان وتسجلان كل ما تعبران به، تنظران بقلق إلى معظم يافطات الدكاكين والكافتريات والمحلات التجارية. أسوح في أوجه المارة المكتظين في الشوارع، تسيل قطرة عرق من الرأس، تمر بالجبين، قد تستقر على الحاجب، أو تواصل طريقها أسفل لتتجمع مع قطرة أخرى على أرنبة الأنف. وجوه ووجوه، بعضها مريح، وبعضها منفِّر، بعضها مبتسم، وبعضها مقطّب الجبين بفعل الشمس غالباً أو بفعل الحياة. الكل مسرع. الكل يصطدم بالكل، قد تسمع اعتذاراً أو ترى نظرة حانقة في عيني أحدهم. الاصطدام بكل الموجودات من بشر وبضاعة وسيارات وأعمدة إنارة، وترابيز معروضات مختلفة، أصوات باعة ينادون على بضائعهم. وكمسارة ينادون على حافلاتهم. تصطدم بأبواق السيّارات ومراياها الملتصقة على جنباتها كآذان القرود أو ايَّة آذان أخرى، لك أن تشبِّه بما تشاء. تصطدم بالموسيقى الصاخبة: أغانٍ عربية، غربية، محلية، أشرطة نكات ومدائح نبوية، شجارات وأحاديث. أصواتٌ.. أصواتٌ. أصوات تتداخل، تضج بها رأسي بل ترتج. تتداخل هذه الأصوات، لا أعرف نهاية أو بداية الحدود الفاصلة بينها، لا حدود، تداخل وتمازج أصوات أكاد لا أسمع سوى ضجيج. أنسحب إلى داخلي هرباً منه، أحاول أن اتمفصل عنه، أحاول التزود ببعض الهدوء والسكينة، أحاول إراحة رأسي من الغليان وأذنيّ من التقاط الأصوات..

نعم، أنا الآن في السوق العربي. قلب الخرطوم النابض بالحياة والحركة، الذي يضخ الدم دفّاقاً في شوارعها ومنعطفاتها وأحيائها. مكانٌ ضاج بالحركة والصخب والنَّاس والسيارات والموسيقى والباعة والنشالين والشحاذين والمشرّدين وطلاب المدارس والجامعات والموظفين والكافتريات ومحال الملبوسات وباعة الكتب المدرسية وغير المدرسية وفترينات يكشف زجاجها عن الكثير والمختلف من البضائع.
فترينات صغيرة تحت برندات العمارات، يعرض أصحابها الساعات والنظارات الشمسية. ترابيز يصين أصحابها الساعات المعطلة ويبيعون ملحقاتها من بطاريات وكتاين وبراغي. فترينات لعرض الموبايلات وملحقاتها من كفرات وشواحن وبطاريات، وبالطبع الشرائح وتحويل وبيع الرصيد. فترينات تعرض دبل وخواتم فضة وتكثر هذه في برندة عمارة الدهب كما يطلق عليها؛ لأنها مركز لتجمُّع الصاغة. ترى فيها النساء تشكيلات رائعة من الحُلي الذهبية، تجهر أعين بعضهن، وتتمناها بعضهن وتشتريها بعضهن. أما فترينات وترابيز الفضة الرخيصة فهي جملة مغايرة لمن لا يجيد حديث الذهب.

أخرج من ظل برندة العمارة إلى الهجير مرة أخرى، لا يمكن إلا ملاحظة بل رؤية ترابيز وفترينات تجّار الرصيد ـ إن جاز لي أن أسميهم ـ  فلا يسعني أو يسع الناظر غفل هؤلاء. تقرأ كلمات: بيع – تحويل – شراء رصيد لكل الشبكات على واجهات الترابيز بالأحرى الفترينات الصغيرة الحديدية غالباً، والتي أطلق عليها فترينة مجازاً. تُطلى بالبوهية وتكتب تلك الكلمات على واجهتها بألوانٍ مختلفة يغلب عليها الأحمر والأصفر ولا أدري السبب في ذلك.

تجارٌ صغار، أصحاب تجارة محدودة. يأتيهم طلاب الجامعات الوافدين من الولايات الأخرى لبيع الرصيد الذي يرسله لهم أهاليهم لبيعه وتكون المبالغ للمصروف أو لحاجة معينة، وهذه تجارة ناشئة حديثاً، أُمتهنت بعد تغلغل الموبايل في نسيج الحياة، وتحوله من كماليات إلى عنصر أساسي في الحياة اليومية. للموبايل أهمية كبيرة هنا؛ فهو إضافة إلى أنه وسيلة اتصال وتواصل، فهو بنكٌ صغير للحولات، يُستقبل فيه الرصيد بمبلغ معين، ويباع من خلاله أيضاً بعد أن يخصم المشتري نسبة من المبلغ. الموبايل أيضاً لحفظ  المال أي وديعة في اليد، يُباع متى ما ألمت الفاقة بالشخص. الفاقة المؤقتة بالطبع، أقصد نفاد ما في اليد من مصاريف.
***
كل  الأوقات في السوق العربي ذروة، إلا أن ذروة الذروة هي حوالي الثالثة ظهراً حتى ما بعد الخامسة  بقليل؛ لأن هذه المدينة تضخ عدداً من البشر حدّ أن تظن أن لا أحد بقي في العالم. كل  العالم هنا. كل البشر. طلاب مدارس، جامعات، موظفون، باعة، عمال، مارة يخرجون جميعا في وقت واحد أو متقارب. وتبدأ زحمة المواصلات. الغالبية الساحقة هنا تتنقل بالمواصلات العامة. والشمس لا ترحم، لا في هذا الوقت ولا أي وقت ما دامت صاحية. 

يدخل الطلاب أو الشباب عموماً بنوافذ الحافلات، وترمي الفتيات بحقائبهن على الكراسي وهي إشارة إلى أن المقعد محجوز. ضائعٌ من لا يستطيع المزاحمة. الكل على باب الحافلة، قد يدخل أحدهم ومازالت يده في الخارج، أو تنسحب فردة حذاء آخر من قدمه ولا يكتشف هذا إلا بعد جلوسه، ليجد نفسه متنازعا بينها وبين الكرسي. إن ترجّل فسيظل دهراً قبل حصوله على مقعد آخر، وإن بقي سيذهب بفردة حذاء واحدة.

الأمر ليس بدرجة المأساة التي أراها به بالنسبة لسكان  الخرطوم. اعتادوا على هذا الوضع. أما أنا فمازلت أخاف وأتجنَّب تلك الأوقات؛ لأن هذا الزحام بهذا الشكل لم يغزُ مدينتي ودمدني بعد.

***

بغتةً أثناء تسجيلي لهذه المشاهد بعيني عدستي الكاميرا اصطدم بوجهٍ مألوف.. بصديق. ما هي نسبة احتمال لقاؤك بصديق في مدينة غريبة ليست مدينتك وسط زحام فائق؟!

صديقي أصرَّ على دعوتي لاحتساء عصير بارد في إحدى الكافتريات التي لن نتعب للعثور عليها؛ فما أكثرها.

أقول له: أوف. هذه المدينة في الصيف يهيأ لي أنها تتكيء على جدار الشمس.

يجيبني: ليس تهيؤاً، هي فعلا تتكئ على جدار الشمس.

ندخل أقرب كافتيريا، نجد داخلها مرايا عاكسة لما يدور خارجها. هواء حار يلتف حول نفسه. كل الطاولات مشغولة. أحاديث بأصوات عالية لأن الموسيقى تطغى عليها. غالبية المتواجدين من طلاب وطالبات الجامعات تتقافز الحياة على ووجوههم بتعبير صديقي (عثمان). بعض المتواجدين عشاق فيما يبدو وسنجد مثلهم في الطابق العلوي؛ فمعظم  الكافتيريات أصبحت من طابقين طابق أسفل مزدحم عادة وعلوي قصير السقف يربط بينهما سلم حديدي غالباً، وفي معظم الأحوال تضطر أن تحني رأسك عند وصولك أعلى عتباته، ربما حركة لا إرادية، أو لطول قامتك، أو طبعا لقصر السقف.

الحال هنا أيضاً ليس بأفضل، لا، بل أفضلية صغيرة؛ إذ وجدنا طاولة تشغلها فتاتان بقربهما كرسيان آخران. تساءلنا عن إمكانية مشاركتهما إياها وافقتا. كل الطاولات والمقاعد من البلاستيك، متّسخة أحياناً، نظيفة أحياناً أُخر، وأحياناً تلاحظ على الطاولة بقعة دائرية لامعة هي أثر قاعدة الكوب عليها. والحقُّ يقال إن هناك كافتيريات يحرص أصحابها وعمالها على تنظيفها باستمرار، فلا تجد عاملاً يحمل فوطة ويمسح بها أثناء جلوسك إلى الطاولة.

من تلك المُبرّدات الشفافة المتراصة والممتلئة بأنواع العصير المختلفة، اخترنا عصير عرديب، أعانني على احتمال ما تلاه من وقت.
حدثني عن نيته الاستقرار هنا، وأنه قريباً سينقل أسرته معه. سألني ماذا عنك؟ أجبته بإنني في زيارة قصيرة وسأعود.
قال لي مبتسماً: ظننتك انتقلتِ إلى هنا. أخبرته أن فكرة العيش الدائم خارج مدينتي مدني ترجفني وتكتم أنفاسي فما بالك بتنفيذها. لا، لا مجال لذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق