ناشزات القرن الواحد والعشرين

رغم الإلغاء المتذبذب لمشروع قانون الأحوال الشخصية المقترح، بما يعدّ خطوة لا بأس بها خصوصاً مع مرافقة ذلك الإلغاء بمرسوم جمهوريّ للفقرة الأولى من المادّة( 548 ) من قانون العقوبات السوريّ المتعلّقة بالعذر المحلّ من العقوبة لمرتكب الجريمة، إلا أنّ الموضوع لازال قائما. فما زالت قوانين الإطاحة بالنساء قائمة؛ في مشروع قانون الأحوال الشخصية -المقترح والملغى ظاهرياً -، أو في القانون النافذ حالياً، أو في باقي القوانين السورية المتبعة كقانون العقوبات وقانون الجنسية.

سأتناول فكرة المرأة الناشز في القرن الواحد والعشرين، حيث مازالت قوانيننا تحفل بكلمات ومصطلحات منتشلة من القرون الأولى؛ كمصطلح المرأة الناشز التي جاء تعريفها واضحاً في المشروع، وكذلك في القانون النافذ حيث عرّفت بأنّها هي التي “تترك دار الزوجية بلا مسوّغ شرعيّ أو تمنع زوجها من الدخول إلى بيتها قبل طلبها النقلة إلى بيت آخر”.

وتعتبر في حكم الناشز أيضا، بحسب المادة 75 من القانون السوريّ، كلّ امرأة سجنت في جريمة أو غيرها، فتسقط النفقة خلال مدّة سجنها. والناشز أيضا هي المرأة التي تسافر دون إذن زوجها، وكذلك المرأة التي تحترف العمل، كالموظفة مثلا، التي منعها زوجها من العمل ولم تمتنع.

والمرأة الناشز هي التي لا تطيع زوجها بالأمور التي أوجب الشارع عليها طاعته.

وعقوبة المرأة الناشز عدم الإنفاق عليها من الزوج…

وما أودّ طرحه ليس جواز أو عدم جواز النفقة للمرأة، فهو أصلاً مادّة خاصّة تستحقّ أن يفرد لها بحثٌ خاصٌّ، لكنّ الموضوع هو مصطلح نشوز الذي مازال قائما في القوانين السورية والذي يخصّ المرأة وحدها دون الرجل.

النشوز في القاموس العربي هو ما كان ناتئاً مرتفعاً عن مكانه، ويقال عرق ناشز ناتئٌ يضرب ويرتفع عن مكانه لداء أو غيره، والنشيزة من الدوابّ التي لا يكاد يستقرّ السرج أو الراكب على ظهرها، ويقال نشزت نشوزا المرأة بزوجها ومنه وعليه أي استعصت عليه وأبغضته..

تعريفاتٌ كثيرة تتعلّق بالنشوز، وما يظهر حتى في القواميس أنه لا يوجد تعريف للرجل الناشز، بمعنى أنّ النشوز منطبقٌ فقط على الأشياء والدوابّ والنساء.

وما يثير العجب هو أنّ مصطلح المرأة الناشز مازال مطبّقاً في قوانين القرن الواحد والعشرين، وتقع عليها عقوبات كالحرمان من النفقة، ووصفها بالنشوز بالقانون وكأنما هي في مكان وقد برزت عنه فاستحقّت هذا التعريف، ليبدو كأنّها تهمة تتّهم بها في القوانين التي مازالت تتبع بعد قرون من التطوّر الاجتماعيّ والاقتصاديّ وتطوّر نسق الحياة كلّه، ففي زمن الإنترنت والتكنولوجيا يتوجّب على المرأة أن تأخذ أذن زوجها للعمل، ولو كان نهارا ولو أنّها تابعت أعمال البيت ليلاً، أي حتى لو أنها لم تخلّ بواجباتها نحو أسرتها وبيتها المحددة بالقانون، إن لم يوافق زوجها على عملها تعتبر ناشزاً وتحرم من النفقة!! ولو أنها تحرم من النفقة فقط فهذا ليس موضوع جدل، لكن أن تسمّى ناشزاً فهنا المشكلة والجدل في المصطلح واللغة، فلا تزال المسيرة على نسق واحد ومن خالفه ناشزٌ في القوانين، فقط إن كان من النساء !!

فمن هم النساء الناشزات في ظلّ التكنلوجيا ؟؟ سؤال لا بدّ من إعادة طرحه في فقه المشرّعين، فربّما تكبر الدائرة لتصبح ناشزا المرأةُ التي تتصفّح الانترنت دون إذن زوجها، أو التي تقود سيارتها دون وسبب وجيه.. وتلك التي تفتح رصيدا لها في البنك أو تؤمّن على حياتها في إحدى شركات التامين دون موافقة زوجها أو إذنه فهو الوليّ عليها.. وأمور أخرى كثيرة تخترع كي تتوسّع الدائرة فتجاري عصر التكنولوجيا وتصبح دائرة الناشزات في القرن الواحد والعشرين أكبر من دائرة الناشزات في القرون الأولى ..

من المعيب البقاء على ذلك المصطلح الذي يجاري في دناءته وصف عقد الزواج بأنه عقد نكاح ووصف المرأة المتزوجة بالموطوءة وإضافة صفة بكر أم ثيّب على عقود الزواج القانونية، فهل نشهد يوما تحوّلا في مصطلحاتنا، أم أننا سنشهد توسّعا في دائرة المصطلحات لتجاري العصر؟؟

تساؤلات مازالت قيد الاحتمالات…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق