نبض في عواصمنا، فلنستمع إليه! / نهلة الشهال

تظاهرات مصر لا مثيل لها منذ ثورة 1919. مئات الآلاف بل ملايين في عشرات المدن. وهي ليست «هوجة» جياع. كما أنها أبانت عن نفس طويل، وقدرة عالية على التحمل. وفي الجزائر والأردن واليمن غليان… وعوضاً عن الأسئلة الغبية، من قبيل «العدوى» التونسية، فالمشهد يثير أسئلة من نوع آخر: هل يمكن لأي سلطة أن تكتفي بـ «السيطرة» على مجتمعها؟ وهل يمكن للسيطرة تلك أن تستمر، بل تتأبد، مستندة إلى ثلاثية القمع والإفقار والفساد؟

 

بدا ذلك قائماً لفترة مديدة في عدد من البلدان العربية، أوحت بأن الإجابة عن هذه الأسئلة هي بنعم. ولم يكن يغيِّر من هذا الاستنتاج الطاغي وجود مظاهر احتجاج متفرقة وشجاعة، يتخذ بعضها أحياناً طابعاً عنيفاً كانتفاضات الخبز التي تكررت في طول المنطقة وعرضها. وكان من يقول خلاف ذلك يبدو رومانسياً حالماً، أو إرادوياً، وعلى أية حال غير واقعي. فالواقع كان ثقيلاً!

 

ليست انتفاضة تونس المظفرة وحدها ما يبرر العودة إلى المحاجّة، إذ يمكن بسهولة حينها التشديد على استثنائية تونس للخلاص بأنها لا تقلق ثبات القاعدة: بلد صغير الحجم، متجانس التركيبة الاجتماعية، يمتلك رغم كل شيء طبقة وسطى واسعة ومتعلمة، ويفتقد المميزات الاستراتيجية التي تخص جيرانه… ثم يرد تغليب عوامل الصدفة والمفاجأة والارتباك في تفسير المآل الذي انتهى إليه الأمر. وأخيراً تحضر الهراوة الثقيلة لحسم الجدل: الإرادة الأميركية. ويقول أصحاب هذا الرأي إن المآل التونسي تقرر على يد الجيش، الذي وضع حداً لقمع الشرطة وعطَّله، ثم قام بترحيل الرئيس بن علي. ولم تكن قيادة الجيش لتفعل من دون ضوء أخضر أتاها من واشنطن، بل إن هذه الأخيرة أعلنت قبيل ذلك موقفها بوضوح كاف. ثم تأتي أدلة على قدر من الوجاهة، لعل أبرزها ما يشار إليه بـ «أوروبية» بن علي، فيما يمكن للأميركيين تحسين مواقعهم لدى أي سلطة مقبلة.

 

لكن استعمال هذا العنصر يبدو متجاوزاً للوقائع. فما جرى ليس انقلاباً عسكرياً خطط له وقام به الأميركيون! وهذه رواية هي، عدا سينيكيتها، تنتمي إلى فكرة، وفترة، التسليم للواقع بما هو عليه: فإن حدث تغيير فهو «من فوق»، وبصرف النظر عن السيناريو الظاهر والذي قد يستخدم بعض السذج. والحق أنه يجب قلب هذه الرواية وإيقافها على رجليها: هذه انتفاضة شجاعة وفعالة، أظهرت قدرة على الاستمرار وتجاوز الخوف من القمع، واستعداداً لدفع أثمان ذلك، وربما تنبه الأميركيون إلى فعاليتها فاستلحقوا أنفسهم، وكان ذلك ميسراً بسبب الخصوصيات التونسية، فيما أبدى الأوروبيون، وتحديداً السلطات الفرنسية، بلادة… معهودة.

 

وعلى أية حال، وعلى رغم الخصوصيات التونسية تلك، ما لبثت الاحتجاجات أن عمَّت، بعضها اقتداء مباشراً بالنموذج التونسي، وأغلبها استلهاماً للأمل الذي أثاره. فالأمل أو الرهان على «الإمكان» هو الإعلان الأول والأهم للانتفاضة التونسية، وبغض النظر عن تلك التعقيدات، وباستقلال عنها. وهو إعلان لا يمكن أحداً تخريبه أو حجبه. وهذه نقطة بالغة الأهمية. فهي تحبط تحديداً ما اشتغلت عليه الأنظمة بكل قوتها، وكذلك الأيديولوجيا العالمية المهيمنة التي تفننت في ترجمة «نهاية التاريخ»: من انه لا فائدة ولا رجاء، ولا يمكن غير الموجود، وعلى الجميع تبني الواقعية، وكل فرد يبحث عن خلاصه، ويمكن لهذا الخلاص أن يكون ذهبياً، ولا مقاييس ولا محرمات في الحق بالسعي إلى تلك «الذهبية» وإن كانت من نصيب قلة نادرة، فهي نموذج النجاح… من لا يعرف كل ذلك؟

 

التغيير في مصر سيكون أصعب بكثير منه في تونس. ولذلك أسباب كثيرة، على رأسها، وقبل الموقع الاستراتيجي المتعدد العناصر، أن مصر الحالية تطرح للمعاينة ما يمكن تسميته بالبنية النموذجية لما انتهت إليه بعض السلطات في المنطقة: التعويض عن الشرعية التأسيسية والضرورية لأي نظام بتشغيل تفاعلي مشترك لتلك الثلاثية، أي القمع والإفقار والفساد. فقد استنفد الحكم الحالي رويداً كل مخزونات ما قام عليه سلفاه. فحتى السادات، الذي ارتكب كامب دافيد وبعده «الانفتاح»، كان يستند إلى شرعية العبور لعام 1973، والى حجة أن كامب ديفيد والانفتاح معاً هما خياره، المرّ، لتحسين حياة المصريين. ومن حسن حظ السادات أنه رحل سريعاً! بينما استند حكم عبد الناصر إلى خطاب وإجراءات كانت ثورية بحق، وقد قلبت البنية الاجتماعية لمصر رأساً على عقب: في التعليم، والصحة، والملكية، وتعريف الحقوق… ناهيك بالمسألة القومية. وهذا صحيح، حتى لو كانت تلك المقاربة الشاملة قد طُبقت بجزئية، وانتهى بعضها إلى هزيمة أو خراب، وحتى لو رافقها قصور وقمع وتجريبية وتسلطية وشعبوية… وسواها. هل يمكن أحداً أن يشكك بشرعية عبد الناصر المتجذرة في الوجدان العام، إلى حد أن عقوداً من السعي المحموم لتسويد صفحته لم تتمكن من انتزاعها؟

 

أما صورة السلطة القائمة اليوم فهي مبسطـــة إلى حد خطير، بحيث تسود منذ سنوات الحياة السياسية المصرية معركة… التوريث! والأخطر انه يبدو أن كل النشاط السياسي والاقتصادي والإعلامي للسلطة يجري من فوق رأس الشعب، وباستقلال عنه، وكأنه لا لزوم له. ولكن وبما أن هذه الكمية الفائضة عن الحاجة موجودة، فينبغي «إدارتها» حتى لا تخرِّب أو تعرقل أو تشوش على التدابير والقرارات المتخذة، والتي تتمحور على احتلال الفئة الحاكمة لموقع التوسط بين ما يمكن أن يوفره «مجال مصر» من إغراءات (تزاد على الدوام بسبب «المنافسة»)، وتلك الشركات العابرة الجنسيات، سواء في مجال الصناعات التحويلية، ومعظمها معفى من الرسوم، أو في مجالات القطاع الثالث المزدهر. وهذا دور وهاجس مختصران جداً.

 

ونتيـجـــة الوجهـــة هي تعاظم جيش البؤساء الهائمين على وجوههم، واتساع العشوائيات التي تزنِّر كل المدن الكبرى وبالأخص القاهرة، ووصول انهيار التعليم إلى منتهاه، واضمحلال فعالية الإدارة البيروقراطية التاريخية لأجهزة الدولة، وخراب المؤسسات العامة التابعة لها، والسيطرة على الجيش بمزيج من تدابير معقدة، ووضع النخب أمام خيار التحاق بعضهم بالمن والسلوى، أو الهجرة، أو عدم تجاوز بعض الحدود (بحيث يُدفع بمعظمهم إلى التخلي عن دوره)، وإنجاز الفراغ السياسي بمزيج من قمع واجتذاب القوى السياسية ضمن شعار «إما أنا وإما الفوضى»، وترك المسألة القبطية تتأجج، واستخدام التلويح بخطر القاعدة حتى الثمالة، والإيحاء للمراكز الغربية بأن النظام الحالي، وأدواته هم من يمكنهم صد صعود الإسلاميين…

 

ولكن هل هذا كله يكفي؟

 

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة 30/1/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق