نتواصل أكثر لنتفق أقل الميديا وصراع الثقافات

 



كلّما دار نقاش حول العلاقة بين الحضارات والتماحك الثقافيّ، تحتلّ الميديا من ناحية دورها وفعاليتها وآليات تأثيرها في هذا الإطار حيزاً واسعاً من مساحة النقاش، فالتطوّر التقنيّ الهائل في مجال الميديا لا بدّ أن يساهم وبشكل مباشر في رفع وتيرة التواصل بين الشعوب وتبادل الخبرات والآراء والتجارب، وتبقى هذه النقطة ـ نظرياً ـ عصيّة على التشكيك، وهي دائماً موضوع استحسان، وعامل يدعو للتفاؤل في ما يخصّ إزالة سوء الفهم بين الشعوب وثقافاتهم المختلفة والتقريب بينها، فالتسهيلات المتراكمة فيما يخصّ التواصل بين البشر لا بدّ أن يبشّر بأنّ الإمكانات التواصلية بينهم أكبر بأضعاف المرّات مما كانت عليه قبل عقود قليلة فقط، مما يبشّر ـ للوهلة الأولى ـ بتقارب غير مسبوق بين ثقافات العالم وشعوبه، وهو وضع كما يقدّمه لنا أصحاب راية العولمة وحتميتها، أو حتى مناهضوها، سيؤدّي إلى نظم ثقافية وحضارية متقاربة في أماكن متباعدة ومختلفة من العالم وصولاً إلى ـ حسب بعض المغاليين ـ ثقافة عالمية واحدة تلغي الخصوصيات الثقافية وتصهر الهويات المتنوّعة في هوية واحدة.


رغم كلّ ما يقال عن إيجابيات الميديا في هذا المجال، تبقى هناك الكثير من الأسئلة والمحاذير والنقاط التي يجب مناقشتها فيما يخصّ الإعلام ودوره في تشكيل العلاقات بين الشعوب.


فالميديا كأيّ شيء آخر سلاح ذو حدّين، فهي كما تقدّم إمكانيات غير مسبوقة للحوار والتواصل وتناقل المعلومات والأفكار، وهي نقطة إيجابية لا يختلف عليها إثنان، تستطيع هذه الميديا أيضا لعب الدور النقيض تماماً ولذات السبب، أي امتلاكها القدرات التواصلية، فالسؤال لم يعد يتعلّق بإمكانياتنا للتواصل مع غيرنا بقدر ما يتعلّق بمضمون الرسائل التي نتبادلها، فالميديا توفّر لنا قنوات تواصل سهلة وسريعة فيما بيننا، لكن ما الذي حدث هو أننا قمنا بتسخيرها ومنذ عقود طويلة ـ إن يمكن منذ البدايات الأولى ـ لتضليل الرأي العام وتزييف الوقائع وتحريفها، هذا ما يحدث بشكل يوميّ الآن كما في التغطيات والتقارير الإخبارية في أفغانستان على سبيل المثال، أو العراق الذي يقدّم نموذجاً ساخناً، فيما يتعلّق بالاتّفاقية الأمنية خصوصاً وادّعاءات الحكومة العراقية بأنّ الاتفاقية فيها مصلحة للعراقيين، أو كما كان يحدث في القرن الماضي ومن الأمثلة التي لا تعدّ ولا تحصى، نذكر الأفلام التي كانت تقدّمها حكومة ألمانيا النازية في صالات السينما عن انتصارات الجيوش الألمانية على الحلفاء إضافة إلى الأخبار والتقارير الكاذبة طبعاً التي كانت تتناقلها الصحف والمجالات والإذاعات، التي قابلتها حكومات الحلفاء بالمثل إن لم يكن دائماً بنفس الأسلوب أو ذات الخطاب، طبعاً المفيد أنّ كلّ الأطراف في تلك الحرب المسعورة لجأت إلى تزييف الحقائق عند مخاطبة شعوبها، فتضليل الرأي العام هو في النهاية لعبة كافّة الحكومات وأصحاب السلطة (بشتى أشكالها) في العالم أجمع، فالهدف واحد أينما ذهبنا ولكن تختلف الطرق ليس إلا.


فالعملية مقصودة وممنهجة هدفها سلب هذا الجمهور القدرة على التمييز بين الحقيقة وغيرها، أو لنقل تشويهها وتمييعها وطمس معالمها بحيث وفي أحسن الأحوال تتأرجح بوصلة الجمهور بين الاتجاهات كافة دون التمكّن من الثبات عند نقطة معيّنة يستطيع المشاهد أو القارئ (الرأي العام) أن يعتبرها مرتكزاً يستطيع الانطلاق منه في فهم ما يحدث في العالم.


ففي كلّ مسألة مهما احتملت من أهمية أو العكس سيجد المشاهد أو القارئ العادي مئات الآراء المدعومة بالحجج والبراهين الموثّقة، وغالبا بالصور وبشهادات لأشخاص مختلفين بعضهم وجهه مألوف والآخر لا، ستقدمهم الشاشة الفضية على أنهم من الأهمية والمصداقية بحيث لا يمكن مناقشة ما سيلفظونه في وجهنا من معلومات مطلقة وحقائق لا مجال للمراجعة فيها، جميعهم يقدمون محاججاتهم على صحّة وجهة نظرهم وعلى حقيقية ما يقدمونه من معلومات، لدرجة تجعلنا نتساءل حتى فيما يخصّ حادثة وقعت على بعد شارعين من منزلنا، من نصدّق هؤلاء الغرباء المتأنّقين أم شهود العيان من جيراننا وأصدقائنا أو أقربائنا الذين نعرفهم بشكل شخصيّ وألفناهم ونعرف عنهم وعن طباعهم ومصداقيتهم أكثر بكثير مما نعرف عن هؤلاء المتفوهين. خصوصاً عندما تكون المعلومات هذه متضاربة أو متناقضة،  ويطرحها أشخاص يتمتّعون بثقة مطلقة بحيث نشكّك أنفسنا قبل أن نشكّك بهم رغم التناقض في الروايات المنقولة لنفس الحدث في حالات كثيرة.


فالإشكالية تكمن هنا في هذا الخليط / الخلط من المعلومات الذي يستقبله المشاهد العادي القابع في منزله والذي يعتمد غالبا على التلفزيون كمصدر للمعلومات وفي حالات أقلّ على الصحف والانترنت، لا بدّ من أن يتشوّش وقد يصل أحيانا إلى ما يشبه حالة من الهذيان المعلوماتي والصوري يجعله عاجزاً عن تحديد موقفه هو بالذات مما يقدّم إليه من أحداث ومشاكل ومظاهر ليس في العالم عموماً بل حتى في بلده لا بل في مدينته التي يعيش فيها، الأمر الذي يؤدّي بصاحبنا إلى البحث عن أبسط ما يقدّم إليه وأكثره وضوحا ومباشرة، هربا من التعقيد والإرباك الناجم عن تضارب المعلومات فيرتكن من حيث لا يدري إلى وصفات جاهزة يستطيع أن يطمئنّ إليها فقط لأنها تناسب ميولا ما عنده أو لأنها خالية من التعقيد ولا تحتاج إلى الكثير من البحث والتدقيق فيها، وستكون هذه الوصفات أكثر مناسبة له إذا ما استندت إلى أو توافقت مع انتماءاته الدينية أو الإثنية وتوافقت أيضاً مع موروثه الشعبي والديني، هذا الموروث الذي رغم إيجابياته أحياناً، يحمل في نسيجه الكثير من التعصّب والانحياز لقيم متخلّفة، إن كان دينياً أو إثنياً، فموروثنا كما في موروثات جميع الشعوب في مراحل معينة من تاريخها مع الأخذ بعين الاعتبار التفاوت الحضاريّ، يحمل من الخرافات والأساطير والأفكار المتخلّفة والمتعنّتة تجاه الآخر أكثر مما يحمله من قيم ديمقراطية أو قيم تعددية، وهو بعيد في أغلب الأحوال عن الانفتاح على الآخر، كما أنه حاضر بقوة في حياة مجتمعاتنا، وهو إلى حدّ كبير ساكن جامد يمانع التجديد والتنويع، بحكم تخلف النظم الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نعيش وفقها حالياً.

وكون الخطاب الإعلاميّ في العالم عموماً يسعى إلى التحكّم بالرأي العام من خلال استقطاب جمهور معيّن والاستحواذ على انتباهه وصولاً إلى الاستحواذ على عقله وحشوه بما يتناسب وأهداف دافعي فواتير المؤسّسات الإعلامية، فهو يسعى وعن وعي ومعرفة وسبق إصرار إلى بث رسائله الإعلامية / الإعلانية في قوالب نمطيّة تلقى قبولاً عند جمهور نمطيّ في معظمه يتشارك في مرجعياته ومزاجياته العامّة وميوله التي تتساوق مع الموروث الجمعيّ لهذه المجتمعات، فيأتي الخطاب الإعلاميّ في الغالب ليلعب دوراً يخالف المرتجى في التقريب بين الثقافات المختلفة، كون الخطاب النمطيّ المبنيّ على الموروث الذي أشرنا إلى بعض صفاته سابقاً، يفتقر للانفتاح على الآخر من جهة ويفتقر لمفهوم الاختلاف من جهة أخرى، أي يفتقد الخطاب الإعلامي في هذه الحالة السمتين الأساسيتين لإنتاج خطاب يستطيع التواصل مع الآخر.


فهو باعتماده المرجعيات السائدة وباستناده على الموروث الدينيّ والاجتماعيّ للمجتمعات إنّما يعمل بالدرجة الأولى على تعزيز قيم الموروث التي تحدّثنا عنها سابقاً، والتي غالباً ما تعزّز انكماش المجتمعات وانغلاقها على نفسها، تكرّس الواقع الحالي على ما هو عليه، وبالتالي تؤكّد على قيم من نوع ضرورة ديكتاتورية الجماعة وتميّزها، وكذلك تفوّقها،….


أي أشكال التفكير النمطية المغلقة والمنغلقة على نفسها، الرافضة للآخر وصولاً إلى رفض حقّه بالوجود في أحيان كثيرة، كما في الخطاب الإسلاميّ التكفيريّ الذي يقابله وبنفس القيم تقريباً الخطاب الرسميّ الأمريكيّ الذي يلقى تجاوباً كبيراً في الأوساط الشعبية في الولايات المتحدة ومناطق كثيرة من العالم، ويجوز أن نقول الشيء نفسه عن الخطاب الإعلاميّ البريطانيّ، وبقليل من المبالغة عن الخطاب الغربيّ عموماً. وأيضا نستطيع أن ندرج ضمن القائمة التي ستتطاول وتمتدّ الخطاب الشيعيّ ـ السنّيّّّّ، والدّينيّ ـ العلمانيّ وكلّ أنماط الخطاب السّائدة في مناطق التوتّر والحروب الأهلية في إفريقيا (الهوتو والتوتسي على سبيل المثال) أو الأكراد وجيرانهم أو الخطابين الفلسطيني والإسرائيلي، وسنتوقّف هنا لأنّ القائمة ستمتدّ وتمتدّ… في تقديم نماذج عن الخطورة التي تمثلها الميديا تحت إدارة المتحكمين بالسياسة والاقتصاد في العالم حيث تجعلنا هذه الميديا بمعيتهم نتواصل أكثر لنتفقّ أقلّ.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This