نجم وجاهين ويتامى 5 حزيران / محمد شعير

كلنا اعتقد أن الأمر مجرد «شائعة « اعتدناها كثيراً فى السنوات القليلة..ولكن نجم سرعان ما يخرج ليكذب الشائعة بعد أن يكون قد استولى القلق على اصحابه وأصدقائه. لم يكن الأمر هذه المرة شائعة، بل كان حقيقة، ولكن البعض أيضا في حالة إنكار، هي مجرد مزحة من شاعر لم يتخلّ عن ممازحة أصدقائه …في تلك الليلة نام نجم في موعده، وفى الصباح ايقظته زوجته لكنه لم يستيقظ..موت مريح بلا ألم لشاعر قضى أكثر من ثلث حياته متنقلا في سجون المحروسة …وهي الفترة التى وثقها الصحافي صلاح عيسى فى كتابه «شاعر تكدير الرأي العام» يستعرض عيسى قصة نجم غير العادية بتفاصيلها الممتعة، وما تعرض له هذا الشاعر المعارض من مضايقات وحملات من السلطة أدت إلى التحقيق معه في ما عُرف بقضية «نيكسون بابا» عام 1974، بسبب قصيدة كتبها أثناء زيارة الرئيس الأميركي نيكسون إلى مصر بعد حرب أكتوبر. حوكم يومها بسبب هذه القصيدة التي غناها الشيخ إمام، ثم حكم عليه بالسجن لمدة سنة كاملة عام 1977 بسبب قصيدة «الفول واللحمة» التي تنتمي إلى ما عرف بـ«قصائد المناهضة».

ولد أحمد فؤاد نجم في الزقازيق مثل عبد الحليم حافظ الذي ربطته به علاقة صداقة. وبدأ حياته العملية عاملاً في سكك الحديد عام 1956، ثم قرّبه عمله اللاحق كساعي بريد من الفئات الشعبية، ليتلمّس حجم القهر الواقع على الفلاحين. وفي عام 1959، انتقل إلى النقل الميكانيكي في حي العباسية، وخلال تلك الفترة دخل السجن بتهمة تزوير استمارات حكومية. وعند خروجه عام 1962 التقى الشيخ إمام عيسى الملحن والمغنّي الضرير الذي صار رفيق الطريق. معاً عبّرا عن تطلعات قوى التغيير في المجتمع: في الشوارع والمصانع والجامعات. تلازم مصيرهما في الفن والنضال والحياة، وأمضيا معظم فترة حكم الرئيس السادات في المعتقلات، بعدما أطلقا عليه أكبر حملة سخرية ضد حاكم مصري في الأزمنة الحديثة. وقد طبعت أغنياتهما مرحلة السبعينيات من «شرّفت يا نيكسون بابا» إلى «فاليري جيسكار ديستان». وبعد انفصال الثنائي، ثم رحيل الشيخ إمام، لم يتوقف «الفاجومي» عن نقده السياسي اللاذع، ولم يتوانَ عن المشاركة في تظاهرات ضد توريث السلطة في مصر، كما خص جمال مبارك بقصيدة ساخرة عنوانها «عريس الدولة»، وكان من أوائل من نزلوا إلى ميدان التحرير دفاعاً عن ثورة الشباب.

كان نجم شاباً، بل الأكثر شباباً وتوهجاً حتى لحظاته الأخيرة، أغنايته القديمة كانت صالحة كشعار قوي وواضح فى الميدان. وفي اليوم الذي تنحى فيه مبارك وقف نجم في الميدان ينادي على رفيقه الشيخ إمام: «يا إمام يا حمار، حد يمشي قبل ما يشوف اللحظة دي؟ طيب إنت بتعمل إيه دلوقتي». وقبل ثورة الشعب على حكم محمد مرسي، سرت شائعة عن وفاته، ودعم الشائعة وعكة صحية عابرة مر بها، يومها قال للشباب الذين التقوه للاطمئنان على صحته: «لا رجال مبارك حيشليوا نعشي ولا الإخوان..انتو بس يا ولاد الكلب اللي مسموح لكم تشيعوني»..وهو ما حدث بالفعل، خرجت جنازة نجم من مسجد الحسين، كانت جنازة تشبهه، لم يسر فيها الرسميون، ولم ينعه أحدهم، أظن أنه كان مبتهجاً وهو يرى الشباب يسيرون خلف النعش يغنون ..:«أتجمعوا العشاق»..و»إذا الشمس غرقت فى بحر الغمام».. على الجانب الأخر كانت حملة أخوانية مذعورة لتكفير نجم ..، حملة متوقعة إذ اعتبر نجم طوال عام كامل من حكم الإخوان لمصر أنهم «مجرد سحابة صيف عابرة»..واعتبر انهم جماعة حاولت سرقة الثورة ..ولكن: «لن يسرق أحد الثورة، سرقوا شوية كراسي بتوع السلطة وهيمشوا». رهان الشاعر المتفائل على الشباب، «هم المستقبل، أما الجماعة فمن الماضي».

هزيمة 67

ولكن لا يمكن الحديث عن نجم وتجربته إلا بالعودة الى تلك اللحظة الفارقة فى تاريخ مصر..هزيمة 67 ..أو نكستها:
عندما سألته قبل سنوات فى حوار عن تأثير الهزيمة
فى حوار قديم معه كنت قد سألته عن هزيمة 67 ..ماذا فعلت بك؟
صمت قليلا: راح يلقي قصيدة (الحاج عبد المنعم):
يا عم يا إللي أنت غصب عنا ريسنا
يا إللي اليهود لوثوك وإحنا معاك لوصنا
………..
قصيدة حادة، غاضبة، وصريحة لحد أنه لا يمكن نشر بقية كلماتها، ولكنها تكشف كيف بلغت حدة الغضب في مصر بعد الهزيمة وانهارت هيبة الزعيم. الحاج عبد المنعم هو أحد عمال «الصف» بالأهرام في الستينيات. القصيدة مثلها مثل قصيدة نجيب سرور الشهيرة (الأميات) كانت ـ مع الكثير من القصائد الأخرى لشعراء معروفين ومجهولين ـ من نتاج الهزيمة.

(البيان الأول) كانت أول قصيدة كتبها الفاجومي تعبيراً عما حدث في 67، كتبها بعد أن (سقط كل شيء، والمستخبي بان) كما يقول. وانتشرت كلمات القصيدة بسرعة شديدة: (الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا / يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار / يا أهل مصر المحمية بالحرامية / الفول كتير والطعمية / والبر عمار/ والعيشة معدن واهي ماشية/ آخر أشيا/ مدام جنابه والحاشية/ بكروش وكتار/ ح تقول لي نسينا وما نسيناشي/ ما تدوشناشي / ما ستميت أتوبيس ماشي/ شاحنين أنفار/ إيه يعني شعب في ليل ذله/ ضايع كله / دا كفاية بس أما تقوله/ إحنا الثوار!).

لم تكن القصائد الساخرة الحادة هي رد الفعل الوحيد من الشعب على الهزيمة; كما يقول نجم. «النكتة أيضاً، كان هناك أكثر من ثلاثة آلاف نكتة قالها المصريون على 5 يونيو لدرجة أن عبد الناصر في عز مجده، وفي يده كل سلطات الدولة خرج في خطاب رسمي يطلب من المصريين (كفاية نكت بقى..).

ولكن هل توقف الشعب؟ قال نجم ‘لا، لم يستجب الشعب، الهزيمة كانت قاسية، كنا نحلق بأحلامنا في العلالي، كنا في السما، وفجأة استيقظنا لنجد أنفسنا ليس على الأرض وإنما في بئر عميقة).

الفاجومي

عندما استدعى حسن أبو باشا ضابط أمن الدولة وقتها الفاجومي للتحقيق معه في عام 1969، فوجئ الفاجومي باتهامه بأنه كتب كل هذه القصائد التي تنتقد النظام وتسخر من عبد الناصر.. يقول نجم: (كان أمامه كومة أوراق، مئات القصائد، والنكات وأنا متهم بتأليفها، ضحكت عندما أخبرني بذلك ..وقلت له كل دا أنا كتبته؟ دا أنا عبقري بقى. والمفاجأة أن نجم استمع من قبل إلى قصيدة الحاج عبد المنعم، وكان يريد نسخة منها، وفوجئ بأبي باشا يعرضها عليه، فقال له نجم والله كويس أنا بادوّر على القصيدة دي من أول مرة سمعتها فيها، شكراً للداخلية. في سنوات السجن الأولى لأسباب غير سياسية أصيب نجم بقرحة، وبعد النكسة، تجددت: (لم أكن أخرج من بيتي، ظللت أنزف دماً من مؤخرتي لأكثر من شهر ونصف الشهر لعدم رغبتي في الحركة.. تصور ظللت فترة طويلة أشعر بخجل من النظر في المرآة، كنت أشعر أن وجهي قبيح).

لم يكن نجم معارضا للنظام أو لعبد الناصر قبل (5 يونيو) .. كان يعمل وقتها مع يوسف السباعي في منظمة التضامن الأفرواسيوي..(كان عبد الناصر يبني مصر، والجيش، كنا نشاهد سنويا العرض العسكري، نشاهد الصواريخ التي تكسر أصواتها زجاج الأبواب والشبابيك، وكان يبني المصانع التي تباع الآن، كل هذا جعلنا نصدق عبد الناصر، ولا نرفع أصواتنا بالنقد).

التحول الرئيسي في قصائد نجم بدأ بعد (النكسة). قبلها كانت قصائده التي غناها الشيخ إمام أقرب للرومانسية منها إلى النقد السياسي الحاد ومن بينها: (أنا أتوب عن حبك)، و(ساعة العصاري) ، و(عشق الصبايا)، بل إن نجم يتذكر أيضا أنه كتب قبل النكسة مباشرة بثلاثة أيام قصيدة (رسالة) نشرتها مجلة آخر ساعة وقتها يستلهم فيها ما قاله عبد الناصر في إحدى خطبه: (مستعدون للذهاب مع أميركا إلى آخر المشوار ولسنا أقل من شعب فيتنام).. كتب نجم قصيدته: (واه يا عبد الودود/ يا رابض ع الحدود / ومحافظ ع النظام / كيفك يا واد صحيح / عسى الله تكون مليح/ وراجب للأمام / ع اجولك وانت خابر / كل الجضية عاد / ولسه دم خيك / ما شرباش التراب / حسك عينك / تزحزح يدك عن الزناد / خليك يا عبده راصد / لساعة الحساب)… بين هذه القصيدة التي رضخ فيها نجم لجهاز الدولة الدعائي الضخم وبين قصيدته (يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار) التي تلت النكسة ـ خمسة أيام تقريبا، ولكنها ليست كذلك فنياً… يقول نجم: قصائدي التي أقدم فيها نقداً حاداً للسلطة قبل النكسة كانت قليلة جدا، أشهرها (كلب الست) …

والحكاية أن مجموعة شباب كانوا ماشيين في الزمالك، وفجأة هجم كلب على أحدهم، فذهب إلى القسم لتحرير محضر بالواقعة، وفي النيابة ثبت إن الست أم كلثوم هي صاحبة الكلب، وصدرت تعليمات للجميع بإيقاف أي إجراءات، وقام وكيل النيابة بحفظ المحضر وذكر أغرب حيثيات للحفظ: (حيث أن الخدمات التي أدتها أم كلثوم للدولة كفيلة بأن تعفيها وكلبها من المسؤوليات الجنائية فقد قررنا حفظ التحقيق). وفوجئت أن جريدة الجمهورية نشرت حوارا مزورا مع الضحية يقول فيه: (أنا سعيد لأن إللي عضني كلب أم كلثوم).. فقررت أكتب هذه القصيدة الحادة ضدها رغم أنني كنت من عشاقها. ولكن التحول الفني بدأ بعد النكسة.. يقول نجم: (بالتأكيد، قبل النكسة تقدر تقول كنت على القشرة، في المنطقة البرانية، كتبت قصائد الحب إللي غناها الشيخ إمام، ومكنتش هأكتب حاجة غير كده، احنا كلنا في الفترة دي كنا بنحلم، وطايرين من الفرح، وعبد الناصر بيحارب أميركا وإسرائيل، ويحكمنا لكن بالخطب. مكناش واخدين بالنا، ولا ادونا فرصة لنعرف دولة إسرائيل. ولكن بعد النكسة خلاص مكنش فيه داعي إن الواحد يسكت، هما كانوا مستغفلينا، ولكن مفيش داعي أستغفل أنا نفسي). طوال الحوار معه كنا نسمي ما حدث (نكسة) وأحيانا هزيمة) .. لم يكن هناك استقرار على اسم … سألت نجم يومها: ماذا تسمي ما حدث؟

أجاب: هي نكسة وهزيمة، حاجة كدة زي يوم القيامة، فعلاً عبد الناصر ضحك علينا كتير، وإحنا كنا مصدقينه، لو كان عندك أخ في البيت واتحبس سواء كان إخوان أو شيوعيين مكنتش تقدر تقول: (أخويا) ..كان لازم تنفي أي علاقة بينك وبينه).

طفل الشعب

ولكن من المسؤول عن الوصول لتلك الحالة … هل تتفق مع البعض ممن يقولون إن صلاح جاهين خدر الشعب بقصائده… ؟يحتد نجم: (لا أتصور أن يكذب صلاح على الشعب المصري لحساب أي شخص، لأنه طفل الشعب المصري، ومجمع مواهب، يعني لما يقول (نفوت على الصحرا تخضر) … هل كان دا كذب؟ لا… دا حلم جميل. صلاح عاشق لهذه البلد، دايب فيها، إزاي يكذب وهو صاحب (على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء) دي قصيدة ما يكتبهاش إلا شاعر (سافل) بالمعنى الجميل للكلمة، ودي حاجة ميعرفهاش إلا أهل الصنعة، تقدر تقول: صلاح جاهين عليه السلام.. وبس). ربما هذا العشق هو ما جعله يتوقف عن الكتابة؟ يجيب نجم: كلنا كنا مصدقين عبد الناصر، صلاح توقف واكتأب بعد النكسة، وأنا كلي اتكسرت، فقدت الاحساس بالدهشة، وما زلت حتى الآن فاقدا للدهشة، وكتبت قصائدي الحادة لأعبر عن هذا الإحساس، إنما في رأيي أن اعترافات صلاح الحقيقية في قصيدته (على اسم مصر)، هي قصيدة اعتراف وانتماء وعشق لهذا الوطن.

لكن نكسة 67 رسّخت تجربة الثنائي على دروب فنيّة وسياسيّة جديدة. كتب نجم لإمام أغنيات ستحفر في وجدان معاصريهما، وسترددها أجيال متعاقبة على امتداد العالم العربي. غنى إمام «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا يا محلا رجعة ظباطنا من خط النار/ يا أرض مصر المحمية بالحرامية الفول كتير والطعمية والبر عمار». وكانت هذه الأغنيات تتجاوب بشدة مع التظاهرات الطلابية العارمة التي اجتاحت البلاد. ثم كانت «ناح النواح والنواحة على بقرة حاحا النطاحة/ والبقرة حلوب، تحلب قنطار/ لكن مسلوب من أهل الدار»… أغنية «بقرة حاحا» كانت أول اشتباك مع السلطة، وأول هجوم صريح على عبد الناصر. احتشد المثقفون للاستماع إلى النغمة الجديدة المختلفة في الشعر والغناء. وهو الأمر الذي لفت السلطة إليهما، ولم تفلح محاولاتها في شراء الشاعر الفاجومي والمغني الضرير. بدأت أغنياتهما تنتشر، وكانت أقسى هجاء لمرحلة عبد الناصر، اقترح بعضهم اعتقال الثنائي، وقال آخر «إنها صرخة جوع»، فإذا ما أتخما بالنقود فسيلزمان الصمت…ولكن استمر نجم فى مشاغبة السلطة، أي سلطة… ولذا توجت تجربته بجائزة «مؤسسة الأمير كلاوس للثقافة والتنمية» في هولندا «تكريماً له على إسهاماته وأشعاره التي ألهمت ثلاثة أجيال من المصريين والعرب.. للقوة السياسية والجمالية في أعماله والتي تبرز الحاجة الأساسية للثقافة والفكاهة في ظل الظروف الصعبة والقاسية»، كما جاء في تقرير اللجنة المشرفة على الجائزة. وكان مقررا أن يسافر الأسبوع المقبل لتسلم الجائزة فى 11 ديسمبر..ولكن الرحيل كان أسبق!

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This