نجيب أو ناصر؟ / حازم صاغيّة

لم يتنحّ حسني مبارك إلاّ متأخراً جدّاً، ولا قدّم عمر سليمان ضمانات صلبة لأهل الميادين والساحات. بهذا كشف النظام المصريّ، فضلاً عن الاستبداد والفساد، عن عناد وقصور هائل في البصر والبصيرة. وحتّى مساء الأمس ساد فصام الراقص الذي يحرمه العمر قدرته على المشي إلاّ أنّه، مع هذا، يرفض النزول عن الحلبة.

 

نظام كهذا، مغلق وقاصر وعديم الحساسيّة، ينبغي أن يتنحّى ويرحل كلّه إلى شرم الشيخ، وفقاً لما تصرّ الحركة الشعبيّة العظيمة في مصر. والمزيد من العناد الذي بدا مضادّاً للطبيعة كان في حال استمراره ليتسبّب بانزلاق ممكن نحو العنف وعدم «الانتقال السلميّ للسلطة».

 

فقد احترقت مرحلة الأبويّة المفتعلة وعظاتها السقيمة، وغدا معناها الوحيد مطالبة شعب مصر بأن يسرّح نفسه بنفسه في انتظار أن يجدّد النظام قدرته على استعادة الماضي الأسود وترميم الأنياب التي انكسرت.

 

فالإصرار والإلحاح المدهشان اللذان أبدتهما الحركة الشعبيّة، بقيادة شبّانها، ليسا عَرضاً يمكن القفز فوقه كما لو أنّه لم يكن. دليل هذا مدى التوسّع الاجتماعيّ، الطبقيّ والمهنيّ، الذي عرفته الانتفاضة في الأيّام الأخيرة، والتجذّر الذي اتّسمت به المطالب في موازاة إمعان النظام في المراوغة.

 

هنا يحتلّ الكلام عن الجيش موقعاً مركزيّاً. فالحركة الشعبيّة، على عظمة تضحياتها، لن تستطيع إحداث التحويل الديموقراطيّ من دون الجيش، تماماً كما أنّ النظام المباركيّ انتهى إلى ما انتهى إليه بسبب عزوف الجيش عن دعمه وإسناده.

 

فإذا ضمنت المؤسّسة العسكريّة فعلاً المطالب الديموقراطيّة، عملاً بما جاء في البيان الرقم 2، انتهى الأمر بانتصار عظيم للحركة الشعبيّة ولخيار الانتقال التدريجيّ إلى الجمهوريّة الدستوريّة. وهذا خيار تعزّزه اعتبارات عدّة على رأسها حضور الحركة الشعبيّة وما برهنته من قوّة وحزم، والدور المؤثّر للولايات المتّحدة في القوّات المسلّحة المصريّة، وإدراك الجميع، بمن فيهم الجيش، أنّ بقاء المنطقة الرماديّة هو ما قد يتسبّب بالعنف والفوضى والراديكاليّة. فضلاً عن ذلك، يدرك الجميع، بمن فيهم العسكريّون طبعاً، أنّ مصر من دون سلوك طريق التطوّر الديموقراطيّ هي مصر المعزولة عن العالم وذات الاقتصاد البائس والاجتماع المدمّر الذي يصعب بعد ذاك إصلاحه.

 

كلّ هذا يشجّع على الافتراض الذي حمل بعض المراقبين على توقّع سيناريو تركيّ في مصر، حيث يتولّى الجيش هندسة العمليّة السياسيّة وحراستها في آن واحد، إلى أن تقوى العمليّة هذه وتستعيض عن الحاجة إلى أيّة حراسة.

 

لكنّ النوم على الحرير ليس عملاً عاقلاً، أتعلّق الأمر بالمرحلة المباشرة للخروج من الدائرة الرماديّة، أم بالمرحلة التالية المحتملة لما بعد عهد حسني مبارك. فالجيوش ذات شهيّة إلى السلطة لا تعوزها البراهين. ومصر، كما نعلم، أنجبت، منذ انقلاب 1952، أربعة رؤساء عسكريّين، وعلى وقع دورهم ومصالحهم صيغ الاجتماع والسياسة طيلة عقود ستّة.

 

بيد أنّ الفصل الحاليّ من تاريخ مصر ربّما ذكّرنا بفصل سابق كان العام 1954 مسرحه. فآنذاك انقسم البلد بين عسكريّين اثنين، واحدهما محمّد نجيب، رئيس الجمهوريّة الشكليّ، الداعي إلى عودة الجيش إلى ثكناته وإعادة الحياة الحزبيّة إلى مصر، والثاني جمال عبد الناصر، رئيس الحكومة الذي دعا إلى بناء ديكتاتوريّة عسكريّة وأقامها فعلاً. وبهذا أسّس القاعدة التي أنتجت، بعدما جرت في النهر مياه كثيرة، حسني مبارك.

 

عن جريدة الحياة 12/2/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق