نحن سوريون ولكننا أكراد..

 منذ فترة ليست ببعيدة، عندما قرّر (الرئيس بشار) إعادة الجنسية للأكراد السوريين المحرومين منها والذين ذاقوا الأمرين جرّاء حرمانهم من الجنسية، حيث أنّ الكثيرين من أولئك كانوا مجنّسين في الماضي، حتى إن البعض الآخر كان قد أدى خدمة العلم أيضا قبل أن يجرد من هويته، لكن ورغم ذلك فقد سلبت الجنسية من أسر مختلفة وكان عددهم ما يقارب المائة والخمسين ألف شخصا كلهم يعيشون في مناطق الجزيرة السورية، وكلهم أكراد. لقد نفّذ القرار المشئوم بعد عملية إحصاء قامت بها الدولة الحاكمة آنذاك، أي في بداية الستينات وكان من ضمن مجموعة القرارات التعسفية التي نفّذت فيما بعد والتي اتخذت بحقّ الأكراد تحديدا، كما كان قانون الإحصاء الذي صدر وقتها ونفّذ على الفور، إجراء قسريا تعسّفيا كلّف الأكراد مستقبلهم ومستقبل أولادهم حيث عاشوا سنينا طويلة من المعاناة والحرمان من أبسط حقوق المواطنة والعيش الكريم، ومع ذلك فلا يزال الكثيرين من الجهلاء والحاقدين يقللون من شأن المسألة الكردية ولا يعترفون بوجود شرعيّ للأكراد في سورية رغم أنهم يعيشون منذ قرون على أرض وطنهم السوري وضمن مناخهم الذي يشبههم هم كسوريين أكراد، وهذه الحقيقة يرفضها ويعرفها كل من يرفضها وكلّ من لا يقبل الآخر.
 أما بعد تنفيذ القرار الذي نص على تجريد المئات من العائلات الكردية من جنسية بلدهم سورية، فقد بدأ مفعول السموم التي خلفها القرار الجائر يسري في جسد المجتمع الكرديّ، حيث منع السفر والتحدّث باللغة الكردية في الأماكن العامة وفي الدوائر الرسمية، كما منع السفر ضمن المناطق السورية من الأكراد المجرّدين من الجنسية، والنزول في الفنادق إلا بإذن من أحد فروع الأمن الذي كان قد خصص آنذاك لتلك المشكلة (الأمن السياسي).
بعد ذلك منع الطلاب من إكمال دراستهم، ومنع المتعلّمون من التوظيف والتنقل بحرية حتى ضمن المناطق السورية، إلا من كان يحمل الهوية الحمراء التي خصصت للأجانب الأكراد. كما منع المجردون من الجنسية بشكل عامّ من حقّ التملّك والانتفاع من الأراضي الزراعية التي وزّعتها الدولة على أهالي الحسكة عربا وخصّ بعض الأسر الكردية أيضا بها ضمن خطة مشروح (الإصلاح الزراعي)، كما منعوا من حقّ الانتخاب وحقّ الاستثمار هذا عدا باقي الإجراءات القمعية التي طالت الطلاب الأكراد فيما بعد، حيث تمّ فصلهم من المعاهد لسنين طويلة باستثناء من كان عضوا أو عاملا في صفوف حزب البعث. باختصار فإنّ الأكراد حرموا من كلّ الحقوق المدنية والإنسانية إن صحّ التعبير، وإذا أعطينا بعض الحقّ لمشكلة شعب لا ذنب لهم غير أنهم قومية ثانية في بلد لا ينتمون لغيره.
. إنّ الذي لم يعش مثل تلك التجربة القاسية لن يعرف أبدا معنى أن يحرم أولاده من حقّ التعليم بشكل طبيعيّ، رغم أنّ الأكراد فقراء بشكل عامّ ولكنّهم يشجّعون أولادهم على التعليم والدراسة دوما، والعلم والمعرفة من أولويات اهتمام الشعب الكرديّ بكلّ مستوياته وأعماره، والإحصائيات التي تمّ القيام بها من قبل أكثر من مؤسّسة في الدولة تؤكّد أنّ نسبة الطلاب الأكراد المتفوقين والذين يدرسون في الجامعات السورية تفوق العدد المطلوب الذي كانت الدولة تتوقعه بعد تلك الإجراءات التي كان تجريد عدد كبير من الأكراد من الجنسية هي الخطوة الأهمّ بالنسبة للنظام الحاكم آنذاك، حيث تمّ التخطيط لعزل الأكراد عن التعليم والتطور والنموّ الفكري. إلا أنّ ما حدث كان بعكس ما خطط له، فقد حصد الأكراد وبمجهودهم الخلاق ورغم ظروفهم السيئة للغاية نصيبا عاليا من مجالات الفكر والمعرفة والثقافة والفنون بشكل عام|، كما خرج من بينهم الكثير من المبدعين والكتاب والمفكرين ورجال الدين، تماما كما كان في الماضي والتاريخ يعيد نفسه والأمثلة كثيرة ولا تعدّ..
أمّا بالنسبة للجيل الذي تلا ضحايا قرار الإحصاء ذاك، فإنّ الأبناء من الذين كان أحد أبويهم يحمل جنسية سورية أو أية جنسية أخرى غير سورية فهو في تلك الحالة لا يعدّ حتى كرديا أجنبيا، ولا يمكنه الحصول على البطاقة الحمراء التي تخص الأكراد الأجانب وإنما يسمى مكتوما لا قيد له إلا لدى مختار المنطقة والمدرسة التي درس فيها. كما لا يحقّ له الحصول على وثيقة الشهادة الثانوية إن هو نجح وحصل على الشهادة الثانوية. والأمثلة على تلك الحالات كثيرة، وقد كان لمثل تلك الحالة الآثار النفسية التي تستمرّ سنينا تتراكم عبرها الأحقاد والشعور بالقيود الحقيقة التي لم تكن تشاهد بالعين وإنما كانت الروح تتكبل بألف قيد وقيد، فيصاب المغدور بحالة من الظلم ترافقه طوال حياته هو وعائلته كلها، فهي أي العائلة تصاب بالاكتئاب والإحساس بالموت البطيء بالعجز التامّ، تماما كما أصف الحالة لكم لأنها كانت حالتي أنا وأسرتي، حيث تناثرت الأحلام والطموحات في سماء الوطن في تلك اللحظة القاتلة. فعندما نجحت في الشهادة الثانوية ذات عام ولم أحصل على وثيقة أكمل بها دراستي التي كانت أهمّ شيء في حياتي، في ذلك اليوم تجمّدت أجمل أمنياتي وأمنيات كل الطلاب الناجحين الذين أتوا في الدورات التي تلت الدورة التي نجحت فيها. لقد احتجزت شهاداتهم كما احتجزت قبل ذلك شهادتي خلف الباب الحديدي لمديرية التربية بالحسكة، ورغم محاولاتنا الكثيرة بالحصول على الوثيقة إلا أنّ كل المحاولات والآمال باءت بالفشل والخيبة والقبول بالواقع كما هو مطلوب بالضبط. هذا بالنسبة للطلاب مكتومي القيد من أبناء الأكراد الأجانب، أما بالنسبة للحالة الثانية من الطلاب الذين كان الأبوان يحملان البطاقة الحمراء، فإنّ الطالب يكون عندها أجنبيا بطبيعة الحال ويمكنه متابعة دراسته الجامعية والحصول على شهادة التخرج ثم العمل بعد ذلك في البناء أو في بيع الخضار أو الوقوف في الشارع خلف بسطة جوارب، وكأنه لم يدرس ولم يحرث كل سنواته الماضية ويمضيها بسهره وتعبه ليل نهار، الشيء الذي حدث مع الكثير من الجامعيين الأكراد والحقوقيين الذين لم يحصدوا سوى تسمية (أستاذ). أعود وأقول إن الذي لم يعش تجربة المجردين من الجنسية لن يعرف عمق الألم والخسارة الفعلية التي يشعر بها الأب عندما يعمل ليل نهار ليؤمن مصاريف الدراسة والتعليم لولد لن يحصد إلا الفشل. 
طبعا كل هذه التفاصيل لا يعرفها الأغلبية الغالبة من الشعب السوريّ من غير الأكراد، أولئك الذين لم يكلفوا خاطرهم حتى ليعرفوا من هؤلاء الذين يسمون (أكرادا) ولم جاء قرار تجنيسهم، كما يردد الشارع، من أولويات القرارات التي أصدرت مؤخرا من قبل السيد الرئيس.
فأغلبية السوريين من غير الأكراد ليس لديهم المعرفة المطلوبة عن وضع الأكراد ومشاكلهم ومطالبهم التي تخص بيئتهم والمناطق التي يسكنونها باعتبارها مناطق زراعية وحدودية هامة، وقد جاءت الأحكام العرفية بحقّ الأكراد نتيجة أهمية وجودهم وأهمية جغرافية ذلك الوجود. فالشعب الكردي يعدّ ثاني قومية في سورية، وعدد سكانه يتجاوز المليوني نسمة. وقد ساهم الأكراد مثلهم مثل غيرهم من السوريين في بناء كل جدار ودار في سورية، وكان لهم الدور البارز في الثورات والانتفاضات والحروب التي قام بها الشعب السوري في الماضي والحاضر. 
والشعب الكردي في سورية يمتاز مثله مثل غيره بخصوصيته التي تأتي لغته وتراثه وتاريخه في المرتبة الأولى، ولكنه لم يكن في يوم من الأيام إلا سوريا يعتزّ بوطنه ويدافع عنه.
ولقد جاء قرار التجنيس أو إعادة الجنسية للأكراد إن صح التعبير، استجابة لمطالب الأكراد والحركة الكردية التي نادت على مدى سنين طويلة وحتى يومنا وقد ناشدت النظام بشكل متواصل ودون انقطاع أن تعيد الجنسية للأكراد وباقي حقوقهم المشروعة، كما جاء القرار في بداية الاحتجاجات التي تطالب بالإصلاح في سورية، الشيء الذي أدهش الكثيرين واستغرب منه كل من لا يعرف عن وضع الأكراد الشيء الكثير. فكم من كرديّ اعتقل وبقي في السجون لسنوات فيما مضى نتيجة مطالبته بمثل تلك الحقوق التي شرّعها الله والقانون في كل العالم. لقد ناضلت الأحزاب الكردية على مدى عقود من العمل السياسي وكان إلغاء قانون الإحصاء من أولويات مطالبها، وأيضا إطلاق الحريات السياسية في كل سورية، والحدّ من الإجراءات التعسّفية والقرارات التي تسلب الأكراد وغير الأكراد حقوقهم البشرية والوطنية والإنسانية. 
وحين ترجم القرار أقصد قرار (إعادة الجنسية للأكراد) بشكل فعليّ، وبدأ من ليس له جنسية العمل على الحصول عليها بشكل علني ودون عوائق، أخذ السوريون من غير الأكراد يسألون ويتساءلون أقصد طبعا من يجهل ماهية الأكراد ولا يعرف عن قضيتهم ومعاناتهم إلا معلومات متواضعة لا تشكل حالة من المعرفة الكافية للنقاش في الأمر،…ما القصة وما سبب أن يحصل الأكراد على الجنسية؟ 
وعندما كانت حالة الاحتجاجات محصورة في مناطق معينة، ولم يكن للأكراد أية مشاركة فعلية تماما مثلهم مثل الكثير من المناطق السورية الأخرى التي خرجت تتظاهر فيما بعد، وكذلك بالنسبة للأكراد فقد خرجوا بشكل تدريجي ودون تخطيط ككل الشعب السوري الذي أرغمته مطالبه وحقوقه إلى النزول للشارع، وهي حالة شعبية طبيعية جدا والنظام نفسه والإعلام السوري يؤكدان حق الشعب في هذا.
أما بالنسبة لوضع قرار التجنيس، وما نتحدث عنه من تأثيرات الشارع فقد كانت التهاني قلبية وكثيرة، طبعا من السوريين الأكراد ومن غير الأكراد وكانت في تصاعد ملحوظ وكان الكثيرون يعلقون بجمل (طبعا يا سيدي) و(وهاي صرتو سوريين) و(شو بدكن أكتر من هيك)…؟ وأظهر البعض بأننا المستفيدون الوحيدون من الأوضاع و(نيّالنا) وحين تصاعدت المطالب في الشارع السوري وخرج الكثير من الناس الذين لم يكونوا قد خرجوا في بداية الاحتجاجات، فقد خرج الأكراد أيضا مطالبين بالإصلاح والتغيير مثلهم مثل غيرهم من السوريين إلا أن الشيء الغريب كان في ردود الأفعال في الشارع ليس من قبل السلطة والنظام السوري، وإنما جاء من قبل البعض الذي لا يقدم رأيه ولا يؤخر في الحقيقة شيئا، ولا فيما تجري من أمور لم تكن جدية في يوم من الأيام كما هي جدية الآن في سورية.
وطبعا هؤلاء لا يمثلون الطبقة الواعية والمثقفة، ولكنهم يمثلون الشارع إن شئنا أم أبينا ويجب أن نمدهم بمزيد من المعلومات التي لا يعرفونها عن الأكراد وعن مطالبهم التي هي جزء لا يتجزأ من مطالب الشعب السوري، وهو الأمر الطبيعي جدا لأننا باختصار سوريون ونرفع رؤوسنا بهذا، وإن كنا قد حرمنا من حقوقنا في وقت ما بسبب أنظمة سياسية وقرارات تعسفية ظلمت الأكراد وحرمتهم بعض حقوقهم، ولكن ها نحن اليوم نطالب بها ولن يستطيع أحد أن يسلبنا حقّا منحنا إياه تاريخ آلاف السنين التي نعيش فيها على هذه الأرض، حيث دافعنا عنها كثيرا والتاريخ يشهد على ذلك، ونحن عندما نطالب بحقوقنا كسوريين فإننا نعرف واجبنا أيضا، ونعرف مالنا وما علينا، والوطن حين يمنحك الشعور الفائق بالوطنية والاعتزاز بتلك الوطنية فإنك لا تجد نفسك إلا مدافعا عنه وعن حقوق شعبه. فالوطنية شيء يكتسبه الإنسان، كما الدين، كما الشعور بأنه امتداد لوالديه ولأسرته ولأولاده الذين هم قطعة منه، والوطنية كذلك هي العلاقة الروحية والراقية بين الإنسان وبين ما يشعر به من أحاسيس الغيرة على المكان الذي ينتمي إليه والناس الذين ينتمون إليه وهو ينتمي إليهم. إنها حالة خاصة من الحرية النفسية يعيشها الإنسان عندما يكبر ويعي أهمية وطنه. نعم إنه الانتماء والوجود الفعلي لنا على أرض نتنفس هوائها ونشرب ماءها وننعم بحياتنا مع أهلنا وأحلامنا وهمومنا، في وطن لا نتمنى له غير الخير حيث يعود خير الوطن على المواطن.
إذا عندما يشاهدنا الآخرون نخرج إلى الشارع كأكراد سوريين، ونضم صوتنا لصوت باقي الشعب السوري لا يجب أن يفاجئوا ويستغربوا، لأن من واجبنا أن نطالب بتغيير نحقق من خلاله التغلب على الفساد والإجحاف بحقّ المواطن السوري في كل مكان في سورية، ونساهم بكل ما يجعل وطننا في مقدمة البلدان وأهمها وأجملها.
وإن خرجنا لا يعني إننا تمردنا كما يسميه البعض، فالجنسية كانت قد سلبت منا عنوة وليس من وقت بعيد ولقد كان الإجراء في الستينات أي لازال الكثير ممن عاصروا الحدث يعيشون حتى الآن والمسألة ليست كما يظنها البعض، بأن الأكراد كانوا يعانون من مرض اسمه التجنيس وقد تم تقديم العلاج لهم.
إننا يا إخوان، وأرجو أن يعرف الجميع، بأننا وكما قال الرئيس بشار جزءا لا يتجزأ من الشعب السوري. إذا ما يصيب الشعب السوري يصيبنا وما يعنيه يعنينا.
فمن الطبيعي إذا أن نطالب بالإصلاح لشدة حاجتنا جميعا للإصلاحات، وكم هي ضرورية لتطورنا وتقدمنا، والإصلاح الذي يتم وسيتم في سياسة الدولة مع الشعب وكيفية التعامل مع حاجة الإنسان السوري بشكل يخدم مصلحة الجميع، يعني وبكل تأكيد خدمة لمصلحة الوطن، واحتراما لحقوق المواطنين ومطاليبهم الشرعية واستجابة لوعيهم ومفهومهم للديمقراطية ولضرورة وجود الديمقراطية بشكل فعليّ وعامّ ضمن كل القواعد التي تخدم الفرد والمجتمع.
وهذا لا يدل إلا على وعينا ووعي النظام السياسي الذي يجب عليه استيعاب الشعب، والتعامل مع التغييرات التي هبت على المنطقة الشرق أوسطية، وعلى سورية بطريقة أنجح. فعلى الدولة أن تحترم وعي السوريين ومطالبهم التي جاءت نتيجة للتغيرات في المنطقة وللضغوطات السياسية والاجتماعية والمادية والفكرية التي حان الوقت للحد منها والحدّ من الخسائر التي هي خسائر لكل شرائح وأطياف الشعب السوري بكل تأكيد، وكم نحن بحاجة لكل ذلك.
– نورا صالح: اسم مستعار برغبة من الكاتبة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق