« نحن قوم بكّاؤون» / ابتهال عبدالعزيز الخطيب

« نحن قوم بكّاؤون» / ابتهال عبدالعزيز الخطيب

على الرغم من أن مقابلة عبدالله بوفتين مع السيد حسن نصرالله يوم الخميس الماضي 29 أبريل على تلفزيون الراي لم تأت بجديد، من حيث مادة المعلومات المقدمة، أو نوعية الخطاب الحزبي المطروح، إلا أنني أعجبت بإدارة بوفتين الهادئة للحوار، وكاريزما نصرالله المعهودة، فكان للهدوء والكاريزما نتاج طيب، وإن لم يخرج عن المألوف من حيث نوعية الطرح وطريقته.

 

كالعادة، وبتأكيد منه أن هذا ديدن الحزب، رفض نصرالله التعليق على موضوع وصول السلاح للحزب من سورية، مشدداً كما ورد أكثر من مرة في المقابلة، على الألم والإزعاج الذي يتسبب فيه التشكيك في نوايا الحزب، أو في قراراته. وفي حين أنه في العمل السياسي الحزبي، التشكيك والمساءلة هما جزء لا يتجزأ من طبيعة العمل، وأكاد أقول هما مادتان حيويتان في التعامل السياسي الذي يحتاج إلى المساءلة والتشكك اللذين يضعان القرار السياسي وتبعاته تحت مجهر مراقبة الشارع، فإنه من الملاحظ أن حزب الله ومؤيديه لا يستسيغون مثل هذا النقد أو المساءلة، لأسباب عدة منها، في رأيي، أنهم أعلنوا أنفسهم المقاومة الأولى والفريدة على الساحة في إخلاصها للمبدأ، ومنها الصبغة الدينية للحزب التي يتوقع أصحابه أن تقيه وتقيهم «شر» النقد.

 

 

وقد جاء في خطاب نصرالله ما يؤيد وجود هذه الحساسية لأسباب دينية، حيث ذكر في معرض رده على مدى قبول الحزب وأعضائه، وهو شخصياً المزحات و«النكت» التي تطلق عليهم وعلى الحزب، أنه شخصياً لا يمانع، في حين أن الرفض يأتي من مؤيدي الحزب وأعضائه الذين لا يقبلون ذلك احتراماً للمكانة الدينية والزي الديني لنصرالله. ولذا، فهم يتوجهون بمزحاتهم، المتعلقة بالأشخاص، لقياديين آخرين في الحزب لا يعتمرون الزي الديني ذاته. وهنا، في رأيي، تكمن المشكلة. أن «تنزل للساحة» كحزب سياسي يعمل من أجل أهداف سياسية لوجستية على أرض الوطن.. ذاك يجعلك عرضة للنقد الشديد، الذي من شأنه إبقاء عمل الحزب حياً، ويجعلك عرضة للمزحات الثقيلة والخفيفة التي من شأنها التأكيد على شعبيتك وانتشارك، ويجعلك عرضة «للعرض» الإعلامي بمختلف صوره. ولكن أن تضع بينك وبين هذا الحق الشعبي، لباسك أو مكانتك الدينية، فهذا مما لا يتناسب وطبيعة العمل السياسي، ومما يهضم حق العامة في النقد والمحاسبة، بل والضحك على شؤون شارعهم السياسية. نصرالله أعلن عدم ممانعته، ولكنه أكد عدم القبول العام لهذا النقد، وإعلانه هذا يتضمن الممانعة، واستياؤه من النقد وإعلانه الألم والانزعاج منه، يعمق الممانعة لتشمل ليس الممازحة فقط، ولكن كل منهجية نقد، أياً كانت صورتها أو طريقتها أو توجهها.

 

 

هذا وتحدث نصرالله، في رده على سؤال بوفتين عن مشاعره الأبوية بعد فقد ابنه، حديثاً دافئاً يفصح فيه عن دموعه التي سكب، وعن فيضان مشاعره الأبوية وآلامه بسبب هذا الفقد. وهي مشاعر آثر أن يجعلها خاصة، وليس عرضة للعامة، حتى يحافظ على رباطة جأش الحزب بتحكمه بمشاعره، مستعرضاً بهذا القرار النبيل والمخلص للمبدأ والقضية قدراته القيادية الكبيرة. إلا أن ما أثار انتباهي هو إشارته إلى أن ابنه الفقيد قد نال بغيته بالشهادة، فهي ما كان يتمنى. ومنطق الرغبة في الموت، والسعي لنيل الشهادة.

 

 

هذا هو أكثر ما يخيف في العمل الحزبي الإسلامي الذي يجد في الشهادة، بحد ذاتها، هدفاً عوضاً عن تحديد هدف سياسي يتحقق على أرض الواقع، ويتمتع به أهل البلد أحياء صحيحين. إنها ثقافة الموت التي يروج لها بقوة التوجه الإسلامي المعاصر، عوضاً عن منطق السعي للمحافظة على الحياة وتقدير قيمتها.

 

 

بلا شك، كان لحديث الأب نصرالله عظيم الأثر في نفسي، ولكن حديث الشوق للموت واستحسانه، بل وانتظار مقابلته هو حديث هادم للنفس البشرية، ولمنطق إعمار الأرض ومبدئية تحديد هدف دنيوي واقعي صالح، والسعي لتحقيقه، وهي مبدئية يجب أن تكون أساسية في أي عمل حزبي سياسي.

 

 

يبقى أنني لا أعرف سبب ممانعة نصرالله والحزب بشكل عام التصريح حول مصادر وطرق دخول الأسلحة للحزب، وقد نكون جميعاً في الواقع نعرف، ولكنني أستاء من هذا التعتيم الذي يسذّج عقلنا ويستصغره. ويبقى سؤالاً معلقاً كنت أتمنى على بوفتين توجيهه للسيد: ماذا عن الأسرى والسجناء اللبنانيين في سجون سورية، لم لا يسعى الحزب لإنقاذهم وهو حليف ووليف جيد لسورية، كما يحاول إنقاذ الأسرى في السجون الإسرائيلية؟

 

 

كما ويتعلق سؤال آخر: أليس في تصريح نصرالله، الذي جاء في المقابلة أن المقاومة لم تهزم أبداً منذ نشأتها، شيء من اللاوقعية، وعدم مراعاة لمن فقدوا أطفالهم وأحبتهم في 2006، ولمن فقدوا بيوتهم ومصادر دخولهم منذ تلك السنة. ولهذا الحين، وللبنان ككل، الذي بالكاد يتعافى من هدم بناه التحتية، وشبه القضاء على السياحة، كمصدر دخل رئيسي فيه؟

 

 

{ قالها السيد، وهو يحكي عن دموعه بعد فقد ابنه، تاركا أثرا عميقا في القلب وسؤالا أعمق: إلام سيظل البكاء سلعتنا وفخر طبائعنا؟

 

 

 

 

عن جريدة أوان 3/5/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق