نحن وإيران وانتفاضتها / حازم صاغيّة

حينما تحوّلت بلدان أوروبا الشرقيّة والوسطى عن الشيوعيّة إلى الديموقراطيّة، وجد العرب أنفسهم يواجهون معضلة كبرى لم يعدّوا أنفسهم لها. فهم أصلاً لا يعرفون القوى الديموقراطيّة والشابّة التي حلّت في قيادة تلك البلدان. لكنّهم، فوق هذا، وبوصفهم حلفاء للاتّحاد السوفياتيّ السابق، نظروا بعين الريبة والشكّ إلى التحوّل الجديد وقواه، خصوصاً أن إسرائيل، وطبعاً الغرب في عمومه، رحّبا به وبها. وفي السياق هذا ظهر عندنا من ينبّه إلى “المؤامرة” الشريرة إيّاها، وظهر من يتّحدث عن دور، مشبوه طبعاً، لـ “اليهود”، ما ضاعف الشعور الأوروبيّ الشرقيّ والأوسط بالنفور والابتعاد.

ترافق هذا كلّه مع بُعد ثقافيّ مؤكّد، إذ واظب الفكر السياسيّ العربيّ السائد على ولائه لمنظومات الوعي الاستبداديّ، القوميّ منه والدينيّ والطبقيّ، مشيحاً ببصره عن الأفكار الصاعدة، الحيّة والحيويّة، التي راحت تلهب مخيّلة العالم انطلاقاً من ساحات برلين وبراغ ووارسو.

وكان للمأساة ذروتها التي تجسّدت في التبريرات العربيّة للموقف المذكور، وأهمّها قاطبة يدور حول إسرائيل وفلسطين. هكذا لم تكن عداليّة المسألة الفلسطينيّة كافية لتزيين الانحياز العربيّ للأنظمة الاستبداديّة، فبَدَونا كمن يؤثر البقاء في الأزقّة الضيّقة بعيداً من الأوتوستراد العريض. لكنّنا، فوق هذا، فعلنا كلّ ما من شأنه تكريس بقائنا في الأزقّة تلك وإطالة المسافة الفاصلة عن الأوتوستراد. وفي النهاية خسرنا صداقة دول ومجتمعات سكّانها عشرات الملايين، تتأهّب، بزخم وحيويّة لدخول المسرح التاريخيّ. وما خسرناه ربحته، بطبيعة الحال، إسرائيل.

اليوم يتكرّر شيء من هذا القبيل في الموقف من إيران وانتفاضتها. صحيح أن الأخيرة أصابها القمع بالضمور والانكفاء، لكنّ المؤكّد أن سفينة النظام الخمينيّ قد عُطبت ووُضع التغيير على جدول أعمال الشعب الإيرانيّ. وبدوره، فضعف الاستجابة في البيئة الراديكاليّة العربيّة يسمح بالتساؤل: هل يمكن حقّاً الجمع بين التعاطي الإيجابيّ مع رياح العالم الديموقراطيّة والتقدّميّة، ومن ثمّ مع حركة الحداثة، وبين نظام أولويّاتنا “القوميّ” حيث يتحكّم الصراع مع إسرائيل بعقولنا وسلوكنا؟

ففي إيران تكشّف على نحو ساطع كيف أن القطاع الأقلّ تقدّماً في المجتمع يخسر قدرته على ممارسة الهيمنة، بحيث تتحوّل سيطرةً فجّة على القوى الأكثر ديناميّة وشباباً وتعلّماً وتمدناً وصلةً بمعاصرة عصرها. ومن دون الوقوع في الحتميّات، أغلب الظنّ أن يكون المستقبل لهؤلاء الأخيرين، إن لم يكن غداً فبعد غد، سيّما وأنّهم القادرون على اجتذاب عشرات آلاف المثقّفين والمهنيّين وأصحاب الكفاءات من إيرانيّين يعيشون في الخارج منفيّين أو منفيّين طوعيّين. يعزّز هذا التوقّع أن مشكلة الشرعيّة ستمضي في تفسيخ السلطة الخمينيّة، ما سيوفّر لقوى من خارجها أن تبادر إلى الفعل والتأثير.

وما من عاقل يبادل هؤلاء بأحمدي نجاد، فيعادي مستقبلاً بالغ الاحتمال في سبيل ماضٍ يشيخ ويهرم. ثمّ إن الأنانيّ الذي يرى قضيّته محرّك الكون بأسره هو وحده مَن يطالب ثمانين مليون إيرانيّ بأن يستكينوا ويرتضوا بسلطة تستولي على حريّتهم وتصادر على تقدّمهم في سبيل قضيّته… هذا إذا سلّمنا بأن أحمدي نجاد يخدم قضيّة الفلسطينيّين وقضايا العرب!

الحقّ أن سلوك طريق كهذا أفضل هديّة تُقدّم للقوميّين الإيرانيّين المتعصّبين الذين يرون أن العرب لم يفعلوا، في التاريخ، إلاّ الإساءة إلى بلدهم وثقافته. والشوفينيّون هؤلاء كثيرون في إيران مثلما هم كثيرون بين العرب.

عن جريدة الحياة 4/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق