نحن و«الجزيرة» وخيبة الإعلام / ياسر عبدالعزيز

فى مارس من العام الماضى، أتيحت لى الفرصة لحضور فعاليات القمة العربية الأخيرة بالدوحة، حيث لاحظت كيف انكبت وسائل الإعلام المختلفة والصحفيون جميعاً على أداء أدوارهم وممارسة عملهم وفق تصور كل منهم للمطلوب منه وفى نطاق إمكانياته.

فى الجلسة الافتتاحية للقمة وقع حدث لافت من تلك الأحداث التى تخطف الأضواء، ويتسابق الصحفيون على بثها ومتابعة تداعياتها، فيما تفرد لها وسائل الإعلام المساحات المميزة وتورد خلفياتها وسياقاتها وتستدعى الخبراء للتعليق عليها. فقد فجر الزعيم الليبى مفاجأة باختراق ترتيبات الجلسة، موجهاً كلاماً ملتبساً ومثيراً للجدل وحمالاً للأوجه إلى العاهل السعودى.

سمع الحاضرون جميعاً نص مداخلة العقيد القذافى، ورصدوا رد فعل الملك عبدالله عليها، وسارع الدبلوماسيون الليبيون إلى طباعة نص يحوى تصوراتهم عما جرى، وقاموا بتوزيعه على الصحفيين، وأذاعت عشرات من وسائل الإعلام الحاضرة الواقعة، مضيفة إليها خلفيات عن التوتر فى العلاقات السعوديةــ الليبية أو مقتطفات من اختراقات مشابهة للعقيد فى قمم سابقة.

وعندما كان أمير قطر يتوسط الزعيمين السعودى والليبى فى قاعة مغلقة، محاولاً عقد مصالحة بينهما، أمكننى رؤية اثنين من قيادات الإعلام المصرى السابقين، يجلسان منزويين منكبين على أوراق وأقلام، فيما يحاول أحدهما جاهداً نقل وقائع المداخلة الليبية إلى الآخر بصوت بدا مسموعاً للمحيطين، رغم حرصهما اللافت على جعل الأمر فى نطاق السرية اللائقة بـ«الأحداث الخطيرة»، أما الآخر فقد كان مستغرقاً فى كتابة ما يصل إلى سمعه كأنما ينفرد بالخبر اليقين المحجوب عن العالمين.

كان الرجلان رئيسين لمؤسستين إعلاميتين مهمتين فى مصر، وتمتعا بصلة جيدة بمؤسسة الرئاسة، وظلا فى موقعيهما القياديين سنوات طوالاً، ورغم تباين مكانتيهما لجهة المهنية والاعتبار الأخلاقى والقيمى، فقد تمتعا بأفضل المميزات وأوثق الصلات مع النخبة المصرية طوال فترة عملهما القيادى، لكنهما ظلا عقوداً فى خدمة نظام مكث عقوداً، فلم يحاسبهما سوى على الولاء والطاعة وصيانة البقاء.

لم أجد أبداً أفضل من تلك الواقعة لقراءة أزماتنا الإعلامية الراهنة والكشف عن أسبابها واستشراف ما قد تفضى بنا إليه من مخاطر.

نتعاطى الإعلام بمنطق الستينيات الفائتة، فلا ندرك كيف انفتحت السماوات وسقطت الحواجز، ونزدرى التقنية التى لم تواكب أيام تفوقنا ومجدنا، ونظن البقاء استمراراً، ونرى الاستمرار استقراراً، ونعتبر الاستقرار إنجازاً، ونقدم الولاء والطاعة على أى كفاءة أو امتياز، وننفق فى الفساد والمباهاة العمياء أضعاف ما يجب أن ننفق على التطوير والتشغيل وترقية الأداء.

ما فعله الصحفيان المصريان الكبيران فى قمة الدوحة يعكس بوضوح الطريقة التى ندير بها إعلامنا: التقنية الرديئة، والإنفاق غير المبرر، والزهو الفارغ بأمجاد فنت، وعدم الاعتداد بمنافسين باتوا أغزر موارد وأوضح رؤية وأعلى كفاءة وأكثر انسجاماً مع لغة العصر، والتخشب تحت خطوط حمراء وُضعت لعصور سابقة وتجاوزتها الأحداث.

وكأسد عجوز نُزعت أنيابه، يقع الإعلام الرسمى المصرى كاسفاً محسوراً، ولأنه يكابر بالضغط على الحروف والصراخ باستحقاقات الريادة، فقد بات يثير سخرية المنافسين بأكثر مما يستدعى شفقتهم.

هكذا توالت الوقائع؛ منذ تحالفت السياسة الفاشلة المرتبكة مع التسويق الردىء مع الإعلام المُحنط، من أجل تحقيق هدف واحد: الحفاظ على الأوضاع الراهنة بكل ما تؤمّنه من مكاسب للنخبة الحاكمة، وتجره من خسائر للمجموع العام، وتجلبه من كوارث على سمعة البلاد وتاريخها وحضورها فى الزمان والمكان.

وبعد الخسائر المريرة فى حرب الخليج الثانية، وغزو العراق، وحرب ٢٠٠٦ على لبنان، والعدوان على غزة فى الشتاء الماضى، والأزمة مع الجزائر قبل شهرين، ومشكلة «الجدار الفولاذى» على الحدود الشرقية، يأخذنا الإعلام المصرى مجدداً إلى أزمة مع قناة «الجزيرة»، بسبب عدم التوصل إلى اتفاق فى شأن بث مباريات بطولة الأمم الأفريقية، التى تجرى منافساتها حالياً فى أنجولا.

لم يكن الإعلام المصرى موجوداً حين اشترت «إيه آر تى» أهم حقوق البث لأفضل المنافسات الرياضية ذات الأهمية المحلية والإقليمية، كما لم يكن موجوداً حين تمكنت «الجزيرة» من شراء تلك الحقوق مجدداً، لذا فلم يكن أمامه سوى التفاوض على إذاعة المباريات المهمة للمشاهد المصرى مع القناة القطرية، التى تحولت بوضوح إلى أداة سياسية تضع الإضرار بالسياسات المصرية وتلطيخ سمعتها بين أهم أهدافها.

يمول المصريون اتحاد الإذاعة والتليفزيون عبر فواتير الكهرباء الشهرية، ومن خلال الضرائب التى تصب فى جانب الإيرادات فى الموازنة العامة، ولذلك يحق لهم الاستمتاع بمشاهدة مباريات كرة القدم، التى يخوضها فريقهم الوطنى فى منافسة قارية مهمة من خلال خدمة التلفزة العامة، التى أنشئت ومولت بأموالهم. فإذا عجز الإعلام الرسمى المصرى عن تسويق سياسات الدولة وحماية صورتها،

وفشل فى تأمين موارد اقتصادية تسد جزءاً كبيراً من عجز موازنته، كما أخفق فى أن يكون مصدر اعتماد للمواطنين فيما يخص الأخبار المحلية، وتراجع ترتيبه فى مجالات الترفيه والتثقيف، ولم يتمكن من تأمين حقوق مشاهدة مموليه لمباريات فريقهم الوطنى، وفضّل تسول المشاهدة من منافس «حاقد ومكايد» على الدفع من المال الحر حرصاً على الصورة والكرامة، فلم نُبق عليه؟!

عن جريدة المصري اليوم 17/1/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق