نحو حركات مدنيّة للدّفاع عن لحظات الجمال المتبقّية

تحت عنوان “إنّه موت التّاريخ” نشر روبرت فيسك في صحيفة “ذي اندبندنت” بتاريخ 17 سبتمبر 2007 تحقيقا مروّعا عن نهب وتدمير آثار العراق. لقد أصبحت معظم المواقع الأثريّة في جنوب العراق تحت سيطرة عصابات التّهريب وحوّلت قوّات الاحتلال مدنا أثريّة بأكملها إلى مراكز للعمليّات العسكريّة والأمنيّة في انتهاك صارخ لاتفاقية لاهاي وبروتوكولها المعتمد سنة 1954. فأسوار مدينة “أور” السّومريّة مثلا بدأت تتداعى بفعل ثقل تحرّكات الآليّات العسكريّة. هذه المدينة التي تعتبر مهدا لحضارة برعت في تطوير الزّراعة وتقنيات الريّ والمعمار وبلورت تجارب أوّليّة للكتابة، مهدّدة اليوم بزوال ما يذكّر بها.

لقد تحوّلت أكبر عمليّة لفرض “الديّمقراطيّة وحقوق الإنسان” بقوّة السّلاح إلى كابوس كونيّ تتوالد من خلاله معاني العنف المطلق والتّدمير. كابوس إرهاب الاحتلال والإرهاب المضادّ وكابوس تدمير لحظات الذّاكرة الانسانيّة.

ليست الآثار تجميعا لحجارة أو لكنوز ماديّة يغلّفها حنين الذّاكرة المنغلقة على كآبة اجترار الأمجاد البائدة. إنّها كتاب كونيّ هائل يحكي أسرار سعي الإنسان لمواجهة غربة قدره وبناء “مسكن” يجرّب من خلاله معاني الإبداع في بيئته. كلّ تجارب تحويل بيئة الإنسان وتطوير العمران انبنت على مغامرة اختراق الحدود وعلى التّجربة العلميّة والفكريّة والفنّية وعلى صراع تصوّرات متعدّدة حول دور المقدّس ومفهوم السّلطة ومعاني السّياسة ودور العنف في التّاريخ. ولم يكن لمغامرة بحثالإنسان عن مسكن في الوجود أن تتواصل بدون البحث الشّاق في فترات متعدّدة وبمعان وأشكال مختلفة عن تعريف الجمال وتوسيع هوامش احتضان تجاربه وتعبيراته. ولم يكن لهذه المغامرة أن تدوم كذلك بدون انفتاح ” بيوت” الإنسانيّة بعضها على بعض وبحثها الشّاق والأليم عن المشترك الانسانيّ وهو ما نسمّيه اليوم الكونيّة.

إنّ مغزى استباحة آثار العراق ومن قبلها تدمير التّماثيل البوذيّة في عهد “طالبان” وإحراق ألف ليلة وليلة في بعض ساحاتنا العامّة وإصدار بعض محترفي الدّين فتاوى تعتبر المنحوتات والأعمال الفنّية بجميع أصنافها أصناما يجب أن تحطّم، هو تدمير لحظات الجمال في ذاكرة الإنسان ووأد أرشيف الرّغبة في الكونيّة وتعويض المشترك الإنسانيّ بتوحّش الهويّات والذّهاب إلى موت حضاريّ يفقد فيه الإنسان قدرته المبدعة على الوعي بضرورة تحويل بيئته والمحافظة على مسكنه في الكون.

إنّ ما يحصل في العراق وفي أماكن أخرى من العالم، في أشكال قد تكون مختلفة في الظّاهر ولكنّها متشابهة في جوهر منطقها، هو انتزاع خصوصيّة الإنسان وكرامته ليس فقط من خلال الهيمنة السّياسيّة والتّفقير والتّهميش بل كذلك من خلال انتزاع خصوصيّة الإنسان في علاقته ببيئته.

نقف اليوم مشدوهين وعاجزين أمام وضع يعتبر العنف والإرهاب والتّطرّف والعودة إلى سباق التّسلّح وإبادة الأفراد والجماعات مظهرا عاديّا لحلّ الصّراعات. ولكن تحيط بنا مظاهر أخرى ليست أقلّ إرباكا لتصوّراتنا الأخلاقيّة حول ما يعرّف إنسانيّاتنا ومصيرنا. فتدمير الفرد والمجتمعات الذي نعيشه من خلال هيمنة منطق العنف على العلاقات بين الدّولة ومواطنيها وفي العلاقات الدّوليّة تضاف إليه اليوم مخاطر جديدة أصبحت تتجلّى في كامل رعبها. إنّه تدمير “مسكن” الإنسان الاصليّ والفضاء الذي كان يسمح لتجارب الحياة بأن تكون.

لقد أكّدت الدّراسة الأخيرة التي نشرتها “هيئة الأمم المتّحدة الحكوميّة المعنيّة بتغيّر المناخ” أنّ الاحتباس الحراريّ والتغيّر المناخيّ قد بلغا مرحلة اللاّعودة. وستنتج عن هذه الظّاهرة مظاهر مأساويّة كالتّصحّر والفيضانات والمجاعات المتكرّرة والدّائمة التي ستمسّ مناطق شاسعة من العالم. كما تؤكّد الدّراسة أنّ أكثر من ملياري إنسان سيعانون العطش وأنّ أكثر من ثلاثين بالمائة من النّباتات والحيوانات ستواجه خطر الانقراض في السّنوات القادمة. وستعاني بلدان الجنوب أكثر من غيرها من آثار هذه التّحوّلات المدمّرة.

كيف تحوّل التطّوّر الأخلاقيّ ودعوات الحرّية والكرامة والمساواة إلى تبشير بغرائز العنف والانحطاط؟ وكيف تحوّل التطوّر العلميّ والتّقنيّ إلى قبر للإنسان؟

كلّ انتقال إلى قرن جديد كان علامة خوف فارقة في رؤية الإنسانيّة لمصيرها ولكنّه كان في الوقت ذاته مختبرا لتجارب وأفكار وإبداعات للبحث في مفهوم التّطوّر. أمّا بدايات هذا القرن فهي مطلق عراء الإنسان وخوفه على مصيره.

هل وصلنا إلى بداية النّهاية في مغامرة الإنسان على وجه الكوكب الأرضيّ؟ وهل انتقل الإنسان من مرحلة صياغة أسئلة وأجوبة التّطوّر إلى مرحلة جديدة تطرح فيها أسئلة إمكانيّة تواصل وجوده؟

حتّى ما نطلق عليه اليوم تطوّرا علميّا وتقنيّا لا يخدم في نهاية الأمر سوى مصالح نظام ليبراليّ معولم متوحّش. تقوم سياسته على هيمنة الرّبح الذي ينهب موارد الارض ويدمّرها في الوقت ذاته. يطوّر أدوات رقابته الأمنيّة وعنفه الماديّ والرّمزيّ لمحاصرة كلّ من يحاول حماية ما تبقّى من جمال في بيئة الإنسان.

إنّه تطوّر يعجّل في نهاية الإنسان وموته ككائن حين يحرمه من الفضاء الذي كان مسكن تجاربه في الحياة.

لقد ارتاد البحث العلميّ في السّنوات الأخيرة مناطق كنّا نتصوّر أنّها مستعصية على الإدراك. فالسّلطات البريطانيّة مثلا قد أعطت الضّوء الأخضر للعلماء لخلق أجنّة هجينة من خلايا بشريّة وحيوانيّة لمعالجة بعض الأمراض المستعصية. ولكن هل يكفي البيولوجيّ للإجابة عن وضع الإنسان في علاقته بمحيطه أم أنّ النّظر في مصير الإنسان يستوجب عملا أخلاقيّا وقانونيّا وثقافة إنسانيّة جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ قد تصلح الأجنّة الهجينة لرتق الأجسام وإطالة الأعمار ولكن هل توفّر حلاّ لدمار أوسع تعيشه البيئة؟

يكفي أن يجيل الإنسان نظره في مدننا وأريافنا وسواحلنا وجبالنا وغاباتنا ليكتشف هول الدّمار الذي لحقها. لقد تحوّل بعضها بالفعل إلى فضاءات قاسية يكاد يستحيل فيها العيش. فضاءات يتحرّك فيها النّاس حاملين أثقال كرههم لوجودهم وعزوفهم عن الواقع.

ولكن الوضع أكثر تعقيدا ممّا يبدو. فلحظات الهمجيّة والتّدمير تتجاور في واقعنا مع لحظات جمال خارق يذكّرنا بطفولة وجودنا، ويذكّرنا في الوقت نفسه بطفولة الأرض وسرّها العميق. لحظات جمال نادرة منتزعة من سلطة القبح المعمّم هي سبيلنا الوحيد لمواصلة الحياة.

إنّها اللّحظات التي يمكن رعايتها بإدامة شوقنا إلى التّحرّر من سلطات القبح والتّدمير وبإبداع امكانات العيش المشترك. وهي اللّحظات التي تدعونا إلى إعادة تعريف علاقتنا بالسّياسيّ وتحويله من خطاب اجترار للمفاهيم الكبرى والجوفاء إلى مسار متواصل للتّفكير في تفاصيل اليوميّ وتحويله.

إنّ خطابنا السّياسيّ سجين التّأمّل في الأصول والانبهار بالعلاقة مع مفهوم الدّولة المجرّد لذلك ما زال يقصي من مجاله الفرد والمجموعة في علاقتها ببيئتها وما زال يقصي تفاصيل الحياة الصّغيرة التي تجعل “سكن” الإنسان في محيطه ممكنا أو مستحيلا.

إنّ إغراق الخطاب السّياسيّ الرّاهن في “أمّهات” القضايا وتفنّن بعض المثقّفين في إضاعة الوقت في تهويماتهم العامّة عن العلمانيّة واللاّئكيّة والدّيمقراطيّة والاستبداد إلخ.. وردّ هذه القضايا بشكل دائم إلى الدّولة في مفهومها المطلق وإلى صراع ثنائيّات الخاصّ والعامّ والدّولة /الشرّ والشّعب /الخير. هذا الإغراق يبدو اليوم عاجزا عن الإنصات إلى التّحوّلات التي حصلت في علاقة الإنسان ببيئته. فلحظات القبح والعنف وتدمير الوجود هي مسؤوليّة مشتركة اليوم بين الدّولة والقطاع الخاصّ والأفراد والجماعات. هذا ما تدلّ عليه الانتهاكات المتواصلة للحقّ في السّلم والتّنمية والبيئة السّليمة. كما أنّ حماية لحظات الجمال لا يمكن أن تحلّ اليوم فقط من خلال تطوير الدّولة ومراقبتها بل إنّها تستوجب حركات مدنيّة أوسع تطوّر الحقّ في المشاركة في صنع القرار ومراقبة آداء المؤسّسات ولكنّها تعمل كذلك على تطوير المسؤوليّة الاجتماعيّة للشّركات وتبلور ثقافة مدنيّة للدّفاع عن وجود الإنسان ومعالجة كره الأفراد لوجودهم ويأسهم من تغيير واقعهم.

لقد شهدت بدايات القرن الماضي قيام “مغامرة” حقوق الإنسان التي ركّزت على مطالبة الدّولة باحترام التزاماتها في حماية حقوق مواطنيها المدنيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة. هذه المغامرة ما زالت متواصلة ولكن المخاطر الجديدة المحدقة ببيئة الإنسان ومصير وجوده في حدّ ذاته تستدعي العمل كذلك على بلورة طرق لحماية حقوق أخرى مثل الحقّ في السّلم والبيئة السّليمة. هذه الحماية تتطلّب فيما تتطلّب توسيع مجال الخطاب السّياسيّ عندنا حتّى يهجر التّفكير في” الجثث” ويبدع رؤية للأجيال القادمة من خلال العودة إلى فهم لحظات الحاضر.

كم كانت إقامة الإنسان في هذا الكوكب مثيرة ورائعة. هذا الكائن بتعقيدات كينونته الفريدة قد يذهب إلى نهايته إذا لم يستعد قدرته المبدعة على حماية “مسكنه” في الوجود

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This