نحو عقد مدني واجتماعي جديد / مهى يحيى

لا يمكن واحدنا أن يخطئ البعد الاخلاقي الصارخ للثورات التي تعصف بالمنطقة العربية، ورفض شعوبها، خصوصاً الشباب منهم، الاستمرار في العيش في ظل أنظمة حرمتهم أبسط الحقوق المدنية ومقومات العيش الكريم. هكذا ديست الحقوق وحبست الحرّيات ونهبت الثروات واستبيحت الكرامات وتنامى التفاوت فتوسعت الهوة في المجتمعات. لكنْ إضافة إلى ذلك، فإن الصراع الحالي، وان اختلفت تجلياته بين دولة واخرى، صراع طويل الامد حول المواطنة، مفهوماً وتعريفاً وممارسةً.

 

فالمُوَاطَنة تمثل مقولةً اجتماعيَّةً لتنظيم الحياة المجتمعيَّة بطريقة شاملة، وعلى رغم تجذُّرها في النظرية السياسيَّة الليبراليَّة والفكر التنويري – حيث تشكِّل الفردانيَّة (Individualism) العقيدة المركزيَّة – اتَّخذت المُوَاطَنة أشكالاً متنوِّعة في سياقاتٍ مختلفة. فحقوق المواطنين وواجباتهم تتباين استناداً إلى التاريخ والخلفيَّة الثقافية والتركيبة السياسية – الاجتماعية لكل بلد، وهي توازن بين حقوق الفرد وحقوق الجماعات. وبصرف النظر عن هذه الاختلافات، لا يمكن تجريد المُوَاطَنة لتصبح مجرَّد جملة من الخدمات (حقوق وواجبات)، أي تعرية المُوَاطَنة من صفتها السياسيَّة لأنها أصلاً مقولة تنطوي على طريقة التصرف في الحياة العامَّة.

 

هكذا يمكن فهم المُوَاطَنة كجملة من الممارسات القضائيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة التي تصنِّف أعضاء المجتمع وتوجِّه تدفّق الموارد إلى الأفراد والمجموعات بناء على سلسلة من الحقوق والواجبات التي هي شرط أساسي للمُواطنة في الدولة – الأمة. كما ان قوانين المُواطنة تتيح للمجتمع السياسي تبرير توافقات سياسية/قانونية مختلفة لتنظيم جوانب مختلفة من الحياة العامة، كما ترسي أسس التواجد في الحقل العام.

 

فثـورات المنطقـة العربية، والتي فجرتها لحظة يأس عند بائع الخضار، محمد البوعزيزي، في قـريـة في تونس، أسقطت بعض أعتى الانظمة السياسية، وحولت مسار غيرها بطريقـة لم نـشهد مثيلاً لها في التاريخ الحديث فوصلت ارتدداتها الى الصين، تحت وطأة شعارات أكدت مرة أخرى حقوق وواجبات المواطنة، وماهت بين المطالبة بالحقـوق الاساسية السياسيـــة (الحـــريـــة) والاجتماعيـــة والاقتصادية (العدالة الاجتماعية والانصاف في توزيـع الثروات) والثورة الاخلاقية (رفض الفساد والحق في مساءلة ومحاسبة الذين عبثوا بدولهم خراباً فنهبوا ثرواتها وبطشوا بمواطنيها.

 

والمطلب الاساسي اليوم هو صياغة عقد مدني جديد بين حكومات المنطقة ومواطنيها يقوم على مبادئ الحرية والعدالة والانصاف والحق في المشاركة في صوغ أطر الحياة السياسية والمجتمعية وفي ارساء تفاهم جديد بين الدولة والمجتمع على الاهداف العليا للوطن يعيد النظر في دور الدولة على أساس هذه الاهداف.

 

وهنا يشار الى أنّ أيّ نقاشٍ للمُوَاطَنة وما يرتبط بها من حقوق وواجبات يثير أيضاً نقاشاً حول الديموقراطية ونوع إطار العمل السياسي الضروريِّ لضمان هذه الحقوق. ومن هذا المنظور، ليست المُوَاطَنة مجرَّد معيارٍ قانونيٍّ أو حقٍّ تمنحه الدولة، لكنها شيءٌ يُنالُ بالممارسة. فحقوق المواطنة، كما تظهر هذه اللحظة بالذات وكما أظهرت غيرها في السابق، كثيراً ما تكون ثمرة نضالات تُخاضُ في سبيل قضايا محدَّدة. ويمكن للعمل من أجل المواطنة، كما حصل في عدد من البلدان ومنها تونس ومصر واليمن وغيرها، أن يستجرَّ تغييرات في السياسة قد تساعد في بناء دولٍ متجاوبة مع مواطنيها وخاضعة للمساءلة. فممارسات المُوَاطَنة تتواءم والديموقراطيَّة على نحو وثيق، وتبني إحداهما على الأخرى. ويشير بعض الممارسات التي تجلت خلال الاشهر الماضية الى وعي الشباب العربي لهذه العلاقة.

 

فلكي يكون لربيع العرب تأثير ايجابي طويل الامد يجب ان يتم التركيز في هذا العقد المدني الجديد على ثلاث قضايا أساسية، وهي استراتيجيات النمو القائمة على المساواة والانصاف، والحماية الاجتماعية كعنصر تنمية للجميع، وسياسات حاضنة لمواطنيها بما فيها أنظمة حوكمة سليمة وعادلة تكرس أطراً سليمة لمشاركة الجميع.

 

فاقتصادياً، وفي ظل نسب بطالة عالية وفروقات في الدخول مريعة وشعور شرائح واسعة بتخلي الحكومات عن مسؤولياتها وانسحابها من تقديم الخدمات (المفرطة في بعض الاحيان) نتيجة تبنيها سياسات اقتصادية نيوليبرالية، يجب اعتبار التنمية الاجتماعيَّة والعدالة الاجتماعيَّة والمساواة الاجتماعيَّة أهدافاً رئيسيَّة للسياسات الاقتصاديَّة الكلِّيَّة (الماكرويَّة)، اذ النمّو الاجتماعي يمكن أن يدعم الإنتاجية الاقتصادية. ومن هنا على الحكومات المقبلة تبني سياسات تغيير هيكلي ونمو اقتصادي تساهم في توليد فرص العمل المنتجة وتحسين الدخل وتعزيز الرفاه عموماً. وقد بيّنت التجارب التنمويَّة – لا سيَّما في البلدان الإسكندينافيَّة وأوروبا ما بعد الحرب العالميَّة الثانية وما حدث لاحقاً في شرق آسيا – وجود رابط قوي بين كلٍّ من التنمية الاقتصاديَّة المستدامة والاستثمارات في القطاعات الاجتماعيَّة وتنمية الموارد البشريَّة. فالمواطنون الأصحَّاء، الجيِّدو التعليم، يتركون أثراً منتجاً جداً على الاقتصاد. كما ان السلام الدائم والاستقرار السياسي يتأثَّران إلى درجة معيَّنة بالسياسات المطبّقة لمعالجة الحاجات الأساسيَّة والمساواة.

 

ومن الاجراءات التي تستطيع الحكومات اتخاذها لتحقيق التغيير الهيكلي المطلوب وخلق فرص عمل محلية، الاستثمار في البنى التحتية والتعليم والتدريب والسعي لتحسين مهارات السكان وانتاجيتهم وقدرتهم على التحرك المهني وتوفير التمويل الانمائي والتسليف لمشاريع انتاجية وإجراء الاصلاحات المالية لإعادة التوزيع وتحسين الجباية. كما ان في إمكان الحكومات العربية دعم قدرات الدول المختلفة على ايصال منتوجاتها الزراعية والصناعية الى أسواق مختلفة وتسهيل انتقال العمالة العربية والتأمينات المفترضة في ما بينها. وهذا الاجراء الاخير أساسي في ظل فتوة المجتمعات التي تتميز به دولنا ومستويات البطالة الكارثية التي كانت احدى شرارات الثورات الحالية.

 

ولا يجوز اعتبار السياسات الموجَّهة نحو الحماية الاجتماعيَّة والتنمية الاجتماعيَّة مجرَّد سياسات استهلاكيَّة. فالتركيز على الإنفاق الاجتماعي أو على التقدِيمات الاجتماعيَّة من المالية العامَّة سبيل لتحاشي الدخول في سجالات حول موضوع الاستثمار الاجتماعي، كالإنفاق على التعليم والتدريب. ذلك أنَّ عدداً كبيراً من المبادرات والدراسات الدولية الجديدة يُركِّز على أهمِّية الرأسمال الاجتماعي حيال القضايا الاقتصاديَّة الكلِّية وطرق تقييم العلاقة بين الجوانب الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة ومراقبتها، وتتجاوز في ذلك الدور الحالي للسياسة الاجتماعيَّة في الدول العربية بوصفها جملة إجراءات إصلاحية لتوفير شبكات حماية للشرائح السكانية الهشّة. وهي تأخذ في اعتبارها دور القطاعين العام والخاص في تعزيز التنمية الاجتماعية والتدقيق في المبادرات والمؤسَّسات الضروريَّة لها، بما فيها خفض الدين، والدمقرطة، وإصلاح القطاع العام، والمسؤولية الاجتماعية وتمكين الأفراد والمجتمعات الأهلية والشراكات العامَّة – الخاصَّة.

 

وتتَّصل هذه المسائل مباشرة بقضايا المساواة التي تشكّل بدورها ركناً أساسياً للمُوَاطَنة. فإذ ترتبط المُوَاطَنة مباشرة بمسائل الهويَّة، التي يتم التأكيد على نواح مختلفة منها عبر فضاءات مختلفة ومتصلة بالحياة الخاصة والعامة للمواطنين وليس عبر مؤسسات الدولة فقط، فإنَّ دور الدولة أن تنظر إلى مواطنيها بعين المساواة وتؤمِّن لهم مستوى متكافئاً من ظروف التنافس. وهذه المسائل مرتبطة مباشرة بالتنمية البشريَّة وبالازدهار المستدامين والمتكافئين.

 

لكن ما يبعث على القلق في بعض المبادرات التي تبناها عدد من الحكومات حديثاً ومنها رفع الحد الادنى للاجور والمعاشات التقاعدية لموظفي الدولة وايجاد عدد كبير من الوظائف خصوصاً في القطاع العام، وغيرها من الجهود المشكورة، هو تركيز الجهود الرامية إلى التعامل مع تداعيات الأزمة على الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية أو على شبكات الأمان/والحماية القائمة، مما يضعف الترابط بينها وبين السياسة الاجتماعية الأوسع ذات الأهداف التنموية، مما يقوض أهداف التنمية والنمو على المدى البعيد.

 

وليس في إمكان الدول تبني اي من المبادرات او الافكار المدرجة اعلاه اذا لم تتوافر الارادة السياسية لاعتبار المساواة ركناً أساسياً من المعادلة الجديدة. فسياسياً، على الدول العربية بلورة سياسات حاضنة لمواطنيها وعلى تماس مع حاجاتهم وتطلعاتهم. وهنا تبرز الحاجة الاساسية لأنظمة حوكمة سليمة تتبنى فعلياً مقولة «الشعب مصدر السلطات»، كما يذكر العديد من دساتير الدول، وتضع المسؤولين المنتخبين امام مسؤولياتهم تجاه منتخبيهم. وهنا نشير الى أهمية رعاية الحركات السياسية الناشئة، خصوصاً الشبابية منها، ومساعدتها على بلورة برامج حاضنة للجميع وخصوصاً الفئات المهمشة تقليدياً (كالاقليات والمرأة) لجهة المشاركة والسياسات والبرامج، والى ضرورة سن قوانين انتخاب وأحزاب تفتح باب المشاركة للجميع.

 

فاعتبار المواطنة إطاراً جامعاً للبحث في الحقوق والواجبات، للدول والمواطنين، على الصعيدين الوطني والاقليمي، أساسي الآن لاستشراف مستقبل منير للعالم العربي واستنهاض قدرات شبابه الخلاقة واستكمال ما بدأوه في سبيل نهضة عربية جديدة.

 

عن جريدة الحياة 12/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق