نحو منظورات وحدوية جديدة

بنى الفكر القومي العربي، التقليدي والرومانسي، تصوراته وأطروحاته الوحدوية على فرضية وجود أمة عربية واحدة مكونة تاريخياً، وعلى التضاد بين الوحدة والتجزئة الكولونيالية الحديثة، ولم يلتفت سوى عدد قليل من المفكرين القوميين إلى حقيقة أن “التجزئة” أقدم من الاستعمار الغربي الحديث، باستثناء إعادة تجزئة سوريا الكبرى أو بلاد الشام إلى أربع دول، واقتسام الفرنسيين والإسبان بلاد المغرب (مراكش). ولم يلتفت سوى قلة من الباحثين إلى حقيقة أن التوحيد القسري، في ظل النظم الإمبراطوريات القديمة، من إمبراطورية الإسكندر المقدوني إلى الإمبراطورية العثمانية، مروراً بالإمبراطورية العربية الإسلامية لم يدمج شعوب البلدان المسيطر عليها في أمة واحدة أو في فضاء سياسي مشترك. ففرضية وجود أمة عربية، بالمعنى الحديث لكلمة أمة، كانت موحدة ذات يوم لا تطابق فكرة الإمبراطورية العربية الإسلامية التي عدها القوميون أساساً لوحدة عربية مفقودة ولفردوس مفقود. فلا الإمبراطورية العربية الإسلامية كانت دولة قومية بالمعنى الحديث للدولة ولا العرب كانوا أمة بالمعنى الحديث للأمة. فضلاً عن عصر المماليك الطويل، الذي أعقب سقوط حكم العباسيين، وتحول العرب بعده إلى رعايا في الإمبراطورية العثمانية.

لعله يشق على “الفكر القومي” العربي، بل على الشعور القومي العربي،أن يعترف بالقطيعة التاريخية الجذرية، التي حدثت لدى انهيار الإمبراطورية العثمانية واقتسام تركتها، وتحول ما كانت أسلابها ومستعمراتها إلى دول حديثة اتساقاً مع منطق التوسع الرأسمالي. ونعني بالقطيعة الجذرية انتهاء عصر الإمبراطوريات إلى غير رجعة وتحلل نمط الإنتاج الإقطاعي الشرقي (الإقطاع العسكري)، لأن مثل هذا الاعتراف من شأنه أن يخلخل مرتكزاته وثوابته القومية أو يزعزعها. ويشق عليه أكثر من ذلك الاعتراف بالمديونية المعرفية والثقافية للغرب، وبفضل التوسع الرأسمالي الغربي، وإن في صيغته الاستعمارية، الكولونيالية، في تحديث البلدان “العربية” قياساً بما كانت عليه في العصر العثماني الطويل، بحكم افتقارها إلى عوامل نهوض داخلية، ذاتية وموضوعية. ويشق عليه أيضاً إدراك الطابع المزدوج: الرأسمالي والإمبريالي للدول الغربية لرسم سياسات عقلانية إزاءها، ولا سيما أن بلداننا لا تشكو من الضغوط الإمبريالية فقط، بل من نقص التطور الرأسمالي أساساً، وهذا الأخير لا يختزل إلى نقص في التطور الاقتصادي. ويشق عليه أخيراً الاعتراف بمنطق التاريخ ومنطق الواقع، فيشطب نحو ألف عام من التاريخ (من سقوط الحكم العباسي إلى سقوط الحكم العثماني) في سبيل إنقاذ وهم الاستمرارية التاريخية للأمة العربية والقومية العربية، ويتجاهل حقيقة أن تاريخ بلداننا الحديث، ولا سيما بلدان المشرق العربي، بدأ بعد الحرب العالمية الأولى، وكان قبلها جزءاً من تاريخ العثمانيين ومن تاريخ المماليك. يمكن القول إن العصرين المملوكي والعثماني أشبه ما يكونان بالعصور الوسطى الأوروبية في حيثيات شتى.

ولعل الطابع الإذلالي للاستعمار الغربي وقسوة التجزئة الكولونيالية لبلاد الشام وفظاظتها، ثم الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي لفلسطين، وما كانت النزعة القومية العنصرية الطورانية قد أحدثته من استفزاز للشعور العربي، وتلاشي الآمال بإقامة مملكة عربية هاشمية، لعل هذه كلها وغيرها أسهمت في نشوء أيديولوجية قومية مشرقية أو شرقية تبحث عن نقطة ارتكاز أو دولة / مركز”، بتعبير ياسين الحافظ ونديم البيطار، للمشروع الوحدوي، القومي العربي، وجدتها في العراق، ثم في مصر، ومن المفارقات أنها لم تفترضها لا في سورية الطبيعية، على نحو ما افترضها أنطون سعادة، ولا في سورية السياسية، بل في العراق ثم في مصر. (ولعلها اليوم في المملكة العربية السعودية، بعد أن تماهى القومي العربي والإسلامي في هوية واحدة وخبت نار الثورة التي كانت تعد السعودية قائدة للرجعية، والمملكة السعودية مؤهلة لذلك موضوعياً.) ولهذا دلالات أهمها الشعور العميق بنقص الاكتفاء الكياني لكل من سورية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن، وتداخل القومي والديني، الإسلامي، السني، في وعي النخبة القومية المشرقية، على الرغم من الدور المميز لمسيحيين من أمثال قسطنطين زريق وجورج حبش وميشيل عفلق والقائمة طويلة قبلهم وبعدهم. ولعل التنوع الإثني / اللغوي والديني والمذهبي والطائفي في بلاد الشام حال دون افتراض أن تكون سورية السياسية أو سورية الطبيعية مركز الثقل أو الدولة / المركز. في المشروع الوحدوي العربي، حتى عندما حسم الصراع داخل حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية لمصلحة من كانوا يوصفون بالقطريين، الذين لم يكونوا ميالين لا إلى عبد الناصر والقومية الناصرية ولا إلى قيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق؛ مع أن سورية الطبيعية هي مهد الأيديولوجية القومية العربية ومهد الحركة القومية العربية.

الدول “القطرية”، التي لم يمنحها الفكر القومي العربي والأحزاب القومية والإسلامية والاشتراكية أي مشروعية، كانت تتعزز وتترسخ عاماً بعد عام، تحت شعارات ثورية: قومية ووحدوية وإسلامية واشتراكية ، لكنها كانت تتعزز وتترسخ، بل تتقومن، بتعبير جورج طرابيشي، وقد تحول معظمها، بدرجات مختلفة، إلى دول شمولية، تسلطية أو أمنية، أجهزت في كل مكان من العالم العربي على جنين الدولة الوطنية، التي كانت آخذة في النمو. وقد بدأت نذر هذا التحول بالظهور مطالع سبعينات القرن الماضي. ولعل هذا التحول كان سبباً جوهرياً من أسباب «هزيمة المشروع الوحدوي” وتفاقم الخلافات والنزاعات العربية العربية، فضلاً عن النزاعات الداخلية، الكامنة والمتفجرة، في كل بلد على حدة.

فلا يسع المرء أن يتجاهل جملة من الوقائع أهمها انفصال سورية عن مصر 1961، وإخفاق أول تجربة وحدوية في العصر الحديث، وإخفاق محاولات الوحدة اللاحقة، كمحاولة الوحدة الهاشمية بين العراق والأردن، وبين سورية والأردن، وبين سورية والعراق، فضلاً عن إخفاق “اتحاد الجمهوريات العربية”. ولا مفاعيل هزيمة حزيران 1967، وآثار الصراع بين جناحي حزب البعث العربي الاشتراكي الذي استولى على الحكم في كل من سورية والعراق، ومفاعيل التدخل المصري في اليمن، والتدخل السوري في لبنان، والغزو العراقي للكويت، والنزاع المغربي الصحرواي، وكثرة من النزاعات والخلافات على الحدود، فضلاً عن مفاعيل اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية والفلسطينية الإسرائيلية والأردنية الإسرائيلية، وانكفاء مصر بعد وفاة عبد الناصر، وغيرها من الوقائع، التي تدل على إخفاق ما كان يسمى “حركة الثورة العربية” وتهافت أيديولوجيتها.

ياسين الحافظ، القومي الديمقراطي، وأحد أهم رواد الفكر النقدي في الحركة القومية العربية، رأى أن هزيمة المشروع القومي العربي الوحدوي لم تكن هزيمة للوحدة العربية فقط، بل “هزيمة أشمل، هزيمة حركة الثورة العربية بوجه عام، وبالتالي فهي (أي هزيمة الوحدة العربية) هزيمة جزء من كل، وليست هزيمة الجزء وانتصار الكل. وهذا يعني أنه عندما تنفض الثورة العربية غبار الهزيمة ستنفض الحركة الوحدوية هي أيضاً غبار الهزيمة، وتستعيد مواقعها وتتقدم”[1].

يعتقد الكاتب أن فكر ياسين الحافظ هو ذروة الفكر السياسي الذي أنتجته الحركة القومية، حتى يومنا، بل كان نقلة نوعية تكثفت فيها عناصر الاستنارة والعقلانية والعناصر الأخلاقية لدى من سبقوه ومن عاصروه من المفكرين القوميين العرب، وفتحت للفكر العربي آفاقاً جديدة، إنسانية وكونية وديمقراطية وضعته على مفترق: إما المضي قدماً نحو هذه الآفاق، وإما الانتكاس إلى السلفية والتقليد، بعد أن خبت تدريجياً جذوة الرومانسية الثورية، التي توهجت في خمسينات القرن الماضي وستيناته، خاصة بعد أن رضّتها هزيمة حزيران 1967 ووفاة عبد الناصر 1970؛ ولكنها لم تخب كلياً في فكر الحافظ ورؤيته الثورية، القومية الديمقراطية الاشتراكية المتفائلة بوجه عام، وفي رؤيته الوحدوية بوجه خاص.

فكرة الثورة العربية في منظور ياسين الحافظ ذات طابع مركب، فهي تتصل بفكرة النهضة والإصلاح على نحو ما عبرت عنهما الثورة البورجوازية في أوروربا، من جهة، وتتصل بفكرة الثورة الاشتراكية كما عبرت عنها الأدبيات اليسارية بوجه عام، والماركسية اللينينية بوجه خاص، من جهة أخرى، وتتصل من جهة ثالثة بالأيديولوجية القومية العربية وأدبيات اليسار القومي، التي شاعت في أوساط النخبة المشرقية، ولا سيما النخبة السورية. ولعل هذا التركيب، المستند إلى مسعى نظري لتعريب الماركسية، هو أساس موقفه النقدي من الأيديولوجية القومية العربية بشقيها: التقليدي والرومانسي، وأساس رؤيته التاريخانية. وأساس نزوعه الثوري الموصول بنسق الحداثة، وأساس ورومانسيته الوحدوية. الجانب المتصل بالأيديولوجية القومية اليسارية عززته اهتماماته السياسية والحزبية، فهو أحد منظري الاتجاه اليساري في حزب البعث العربي الاشتراكي، وقد وضع، بالتعاون مع المفكر القومي الديمقراطي الراحل جمال الأتاسي ما عرف باسم “المنطلقات النظرية”، التي انقسم على أساسها حزب البعث إلى “يمين” و”يسار”، وكان أحد مؤسسي حزب العمال الثوري العربي، وأبرز أعضاء قيادته القومية، ومنظره الرئيس. وقد ارتبطت في ذهنه فكرة الثورة العربية بفكرة الحزب الثوري الحديث، أو الطليعة الثورية الحديثة، وبفكرة الإنتلجتسيا اللتين رأى فيهما تعويضاً عن عدم وجود بورجوازية ثورية ومفترسة تقود عملية تحديث المجتمعات العربية وتوحدها.

فإذا كان ياسين الحافظ قد بنى رؤيته للثورة العربية (الثورة القومية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي) على أسس عقلانية وعلمانية وديمقراطية، بخلاف مدرسة البعث والناصرية، وبخلاف القوميين العرب وغيرهم، وشَرَط تقدمها ونموها بمدى نجاحها في تحقيق الاندماج القومي، أي في حل مشكلة الأقليات الدينية والمذهبية والطائفية حلاً علمانياً، وحل مشكلة الأقليات القومية حلاً ديمقراطياً، وبتحديث بنى المجتمعات العربية، ولا سيما البنى الأيديولوجية والسياسية، فإن فكرة الطليعة الثورية الحديثة، أو فكرة الحزب الثوري الحديث، الذي ظل شاغله الرئيس حتى وفاته، وفكرة “الأمة العربية الواحدة”، التي أخذها، كما هي، من المدرسة القومية، من دون أي فحص أو نقد، جعلت موقفه من الدول القائمة بالفعل أقرب إلى موقف الأحزاب القومية الأيديولوجية.

فهو كغيره من القوميين لم يمنح الدولة القائمة بالفعل أي مشروعية، فلم يرَ فيها سوى طابعها “القطري” أو الإقليمي، الذي يعيق الوحدة العربية، على الرغم من شعوره بالحاجة الماسة إليها في لبنان، إبان الحرب الأهلية، وكان مقيماً في بيروت، وعلى الرغم من حديثه الصريح عن المعوقات المذهبية والطائفية التي تحول دون تحوُّل اللبنانيين إلى أمة حديثة. يرجح الكاتب أن فكرة الأمة العربية وفكرة القومية العربية كانتا من الممنوع التفكير فيه، أي من الممنوع تناوله بالفحص والنقد، طيلة نصف القرن الماضي، بعد أن كسبت الحركة القومية معركة إثبات “وجود” الأمة العربية “نظرياً”، ولا سيما بعد تقارب حركة القوميين العرب وحزب البعث والناصرية ونخبة ذات وزن معنوي من الشيوعيين، في ظل تحولات اجتماعية مهمة في البلدان التي استولى فيها قوميون و / أو اشتراكيون على السلطة، وتراءى لهؤلاء أن القومية العربية ذات محتوى اجتماعي ثوري وذات مضمون اشتراكي، عبر عنه شعار “تلازم النضال القومي والنضال الاشتراكي”.

آية ذلك أن التجزئة في منظوره، “هي محصلة وضع التأخر التاريخي للأمة العربية والأوضاع الإمبريالية التي نشأت عنه”. و”الصراع ضد التجزئة هو في الوقت نفسه أشرس صراع مع التأخر التاريخي العربي ومع إمبريالية تبذل وسعها لمنع وحدة الأمة العربية” (ص16) ما يعني أن الوحدة العربية هي نقيض التجزئة الكولونيالية ونقيض “آليات عمل الإمبريالية في الوطن العربي” من جهة، ونقيض التأخر التاريخي العربي من جهة أخرى، وهذه إضافة ياسين الحافظ المهمة، بعد تبنيه مقولة التأخر التاريخي التي قال بها عبد الله العروي. ولكن التأخر، كنقيضه (التقدم) نسبي وقياسي، فليس من الصواب الحديث عن تأخر تاريخي عربي بالجملة. فالإمارات العربية المتحدة، التي اشتق ياسين الحافظ منها مصطلح الشخبوطية نسبة إلى أمير رأس الخيمة آنذاك، تقدمت على سورية، مثلاً، ومدينة دبي، أحدث مدينة في التاريخ، تقدمت على دمشق، أقدم مدينة في التاريخ. لقد نجحت “الشخبوطية” في إقامة دولة اتحادية ذات شأن، وأسهمت في إقامة مجلس التعاون الخليجي، الذي هو شكل مهم من أشكال الوحدة. ولا يقل أهمية عن وحدة مصر وسورية، من حيث توافر شروط الاستقرار والديمومة، وتوافر شروط النمو والتقدم. يبدو لي أن ياسين الحافظ لم يفكر قط في دولة الإمارات العربية المتحدة وفي مجلس التعاون الخليجي، ولم يلتفت قط إلى هذه السيرورة الوحدوية؛ لأنهما كانا مصنفين في خانة الرجعية، وهذه الأخيرة، كانت تعد، كالإمبريالية، معادية للمشروع الوحدوي الناصري والبعثي، وعاملاً من عوامل النبذ عن المركز في “السيرورة الوحدوية”.

وعلى الرغم من نسق مفاهيم الحداثة الذي يؤطر روية الحافظ، كالعقلانية والإنسانوية والعلمانية والديمقراطية وسيادة الشعب وسيادة القانون والمواطنة المتساوية والسيطرة على الطبيعة والسيطرة على الوقت … إلخ، إلا أنه كان يميز “الحداثة الثورية” من الحداثة من دون أي صفة (الحداثة حاف) أي الحداثة الليبرالية بورجوازية الطابع. وكانت رؤيته محكومة بفكرة الثورة أو الانقلاب الجذري الذي تقوده طليعة ثورية هي نسخة مصغرة عن المجتمع المنشود. على أن نسق الحداثة هذا ليس له أن يتموضع في أي من الدول القائمة بالفعل، بل هو موقوف على المجتمع العربي وعلى الحياة العربية وعلى الدولة العربية الكبرى المنشودة، كأن ياسين الحافظ كان يخشى أن تُمنح الدولة القطرية أيَّ مشروعية من جراء الدعوة إلى تحديثها ودمقرطتها والارتقاء بها إلى مستوى دولة وطنية / قومية، دولة / أمة. بل لعل صيرورة أي من هذه الدول دولة وطنية حديثة أو صيرورتها جميعاً دولاً وطنية حديثة تعني ضياع المشروع الوحدوي وخسارته نهائياً. كأن المشروع السياسي الوحدوي لا يقوم إلا على أشلاء هذه الدول القطرية. مع أنه كان يؤكد أن الوحدة، “ليست اتفاقاً بين دولتين أو عدة دول، إنها أكثر من ذلك وأبعد من ذلك؛ إنها وعي سياسي وعملية أو سيرورة تاريخية كاملة: سياسية أيديولوجية اقتصادية اجتماعية” وأن الإطار السياسي الواحد الموحد يشكل المرحلة العليا الأكثر نضجاً، الأكمل تعبيراً عن المطلب القومي”. ولكن، إذا افترضنا أن الطليعة الثورية الحديثة استطاعت أن تنفض الغبار عن الثورة العربية، وانطلقت هذه الأخيرة من مصر بقيادتها، فإن هذه الطليعة ليست معنية بتنمية الموارد البشرية والمادية المصرية وبناء اقتصاد مصري حديث ومتمحور على ذاته، وليست معنية بإقامة دولة حق وقانون لجميع المصريين بالتساوي، وليست معنية بتمكين المجتمع المدني المصري من السيطرة على جميع مجالات حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وتحديد اتجاه سيره، فإن هذا وذاك وذلك مما يعزز الإقليمية ويعترض طريق الوحدة العربية. بل إن عليها أن تمضي في النضال القومي، الوحدوي. “وفي طريق هذا الهدف تتنوع أشكال النضال الوحدوي وتتدرج بدءاً من الدعوة الأيديولوجية إلى الدعاية التحريضية وصولاً إلى الخطوات التنفيذية في شتى أشكالها التطورية أو الثورية، السلمية أو العنفية، الدستورية أو التآمرية، النخبوية أو الشعبية” (17). (أليس هذا ما فعله البعثيون في سورية والعراق فأوردوهما موارد الهلاك؟!، وهل يكفي الرهان على طليعة ثورية حديثة مختلفة نوعياً عن حزب البعث والاتحاد الاشتراكي العربي ومنظمة التحرير الفلسطينية وجبهة التحرير الوطني الجزائرية والمؤتمرات الشعبية الليبية … فكرياً وسياسياً وأخلاقياً؟!، وهل أزمة الثورة العربية هي مرة أخرى أزمة قيادة البورجوازية الصغيرة لها؟!) هذه الرؤية تضع مسألة الوحدة العربية في صلب حركة الثورة العربية، وفي “محور (عمل الطليعة الثورية) الاستراتيجي في المرحلة التاريخية الكبرى، مرحلة القضاء على النفوذ الإمبريالي وإسرائيل والرجعية، ومع ذلك وبموازاته، وقبله أحياناً، تحديث الحياة العربية وعقلنتها وتوحيدها”. وتحدد، من ثم، ماهية الثورة العربية وماهية العمل الاستراتيجي في المرحلة التاريخية الكبرى؛ الثورة هي ثورة قومية ديمقراطية ذات أفق اشتراكي، والعمل الاستراتيجي هو عمل الطليعة الثورية أو الحزب الثوري، الذي يناضل في سبيل القضاء على النفوذ الإمبريالي وعلى إسرائيل وعلى الرجعية، وفي سبيل تحديث الحياة العربية وعقلنتها وتوحيدها، بجميع أشكال النضال الممكنة: التطورية أو الثورية، السلمية أو العنفية، الدستورية أو التآمرية، النخبوية أو الشعبية. أما في مناخ “غياب المشروع الوحدوي السياسي، وكعملية نقض طويلة، دؤوبة، صبورة، لهذا المناخ، يرى الحافظ أنه “ينبغي للعمل الأيديولوجي الوحدوي أن يستمر، وذلك لأن المشروع الوحدوي السياسي يتحول من القوة إلى الفعل بقدر نمو الوعي الوحدوي. والدعوة الوحدوية المستندة إلى رؤية نظرية صافية ومعرفة صحيحة للواقع العربي هي التي تهيئ الجو لعدم شرعية التجزئة ولا عقلانيتها، وبالتالي تجعل الوحدة راهنة، مهما بدت بعيدة”، (18).

رهان الحافظ الوحدوي، والثوري جملة، هو رهان على حركة ثورية، قومية ديمقراطية، بل على حزب قومي ديمقراطي أو طليعة ثورية حديثة تتبنى نوعاً من “ماركسية عربية”، وتمتلك رؤية نظرية صافية ومعرفة عميقة بالواقع العربي ووعي مطابق بحاجات تغييره، وعلى إرادة هذه النخبة أو الطليعة، التي يعقد لها الحافظ لواء القيادة، ولعل النموذج اللينيني ، ولا سيما “الروح اللينينية الغازية”، كان حاضراً في ذهنه على أنه مثال يحتذى. فعلى الرغم من مناخ “الاستنقاع الإقليمي”، وعلى الرغم من أن تطور الاقتصادات العربية لا يذهب في اتجاه الوحدة، بتعبير الحافظ نفسه، وعلى الرغم من جميع معطيات الواقع الدولي والإقليمي، فإن الإرادة الثورية، إرادة الطليعة، ونمو الوعي الوحدوي كفيلان بتحويل المشروع الوحدوي السياسي من القوة إلى الفعل. ومن الواضح أن الطليعة الثورية تنطلق من لا عقلانية التجزئة ومن عدم شرعيتها، أي من عدم شرعية الدول القائمة بالفعل وعدم عقلانيتها. ومن ثم فإن السيرورة الوحدوية لم تعد سيرورة نمو المجتمعات العربية وتقدمها في جميع الميادين، بل هي سيرورة نمو الطليعة واندياحها في أوساط “الشعب العربي” وصولاً إلى استيلائها على السلطة، على نحو ما فعل البلاشفة في روسيا القيصرية، أو على نحو ما فعل عبد الناصر في مصر والبعثيون في سورية والعراق.. وإلا فكيف ستقوم الطليعة الثورية بتحديث الحياة العربية وتوحيدها؟! وفي اعتقادي أن هذه الرؤية أبعد ما تكون عن الواقعية أولاً وعن الديمقراطية ثانياً، بدليل ما آلت إليه قيادة الطليعة الثورية في غير مكان من العالم العربي ومن العالم. لأنها نسخة معدلة أو محسنة فكرياً وسياسياً وأخلاقياً عن رؤية حزب البعث العربي الاشتراكي، وإن تكن معدلة جذرياً على الصعيدين الفكري والأخلاقي، ولا سيما بعد تحول البعث إلى حركة توتاليتارية ذات سيماء رعاعية.

لعل حديث الحافظ عن “الاستبداد الشرقي المنبعث من جوف التاريخ”، وعن “الاستبداد الشرقي المحدث” يشير إلى عدم التقاطه جماع الظاهرة الأبرز في ما كان يسمى “الدول التقدمية”، التي يفترض أنها المناخ المواتي لنمو الطليعة الثورية الحديثة، أعني الظاهرة الشمولية (التوتاليتارية)، التسلطية، التي كان خلدون حسن النقيب سباقاً لا إلى الإشارة إليها فقط، بل إلى تعرية جذورها أيضاً. على الرغم من أن الحافظ استعمل مصطلح الشمولية (التوتاليتارية) في أكثر من مكان. ففي ضوء انتشار هذه الظاهرة وتعمقها وفي ضوء ما أسفرت عنه من نتائج اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية، صار يمكن، بل يجب أن يعاد وصف الواقع وتحليله وإعادة بناء صورته في الذهن، وصار يمكن تلمس مخاطر أن تستبد طليعة ثورية بالمجتمع، لكي تفرض عليه السعادة، وتقوده إلى مراعي الفردوس وزرائب “الديمقراطية الشعبية” ومسالخ “مناهضة أهداف الثورة”، بغض النظر عن نياتها الطيبة وعن رؤيتها النظرية الصافية ومعرفتها العميقة بالواقع ووعيها المطابق بحاجات تغييره. وصار يمكن نقد فكرة الثورة وإعادة موضعتها تحت مقولة التقدم وتحسين شروط الحياة، كالثورة العلمية التقنية وثورة الاتصالات والمواصلات والمعلومات وثورة المجتمع المدني ومناهضة الرأسمالية المتوحشة، التي تقرع الأبواب. وهو ما يحتاج إلى أدوات معرفية جديدة ذات صلة وثيقة بنظرية المعرفة الديمقراطية وبالفضاء الثقافي الديمقراطي والإنساني. عذر الحافظ أن هذه الظاهرة لم تكن قد تبلورت بعد في أيامه، وأن المناخ اليساري العالمي لم يكن يسمح آنذاك بالحديث عن اشتراك الستالينية والنازية والفاشية وما في عدادها في الخصائص العامة للتوتاليتارية، ولم تكن شهادات المنشقين الروس وآراؤهم تؤخذ في الحسبان إلا على أنها ضرب من ضروب الانحراف إن لم نقل الخيانة للنظام الاشتراكي، الماركسي اللينيني، بل إن نقد ماركسيين للتجربة السوفييتية وللماركسية المسفيتة، ومنه نقد ياسين الحافظ نفسه، لم يكن موضع ترحيب وتقدير.

ويمكننا الحديث، من غير مبالغة، عن هوى لينيني ما وهوى ناصري ما تشارك فيهما الحافظ والياس مرقص في مرحلة من المراحل. (وكان الكاتب من تلاميذهما في ذلك وفي كثير غيره. إلا أن الياس مرقص اكتشف أنه لم يتجاوز مرحلة النفي إلى نفي النفي، وخاصة في كتابه الشهير “نظرية الحزب عند لينين والموقف العربي الراهن” 1963). ياسين الحافظ أيضاً لم يتجاوز مرحلة النفي إلى نفي النفي في موضوع الطليعة الثورية الحديثة. فالطليعة الثورية الحديثة عنده نفي لحزب البعث العربي الاشتراكي والتنظيمات القومية الأخرى، ولا سيما الناصرية. ويتضح ذلك في حديثه المرسل عن “قوى الثورة العربية”، التي ليس لها من تعين واقعي سوى صورة حزب العمال الثوري العربي في ذهنه، أي على نحو ما كان يريده أن يكون. يبدو ذلك جلياً في النظام الداخلي الذي وضعه الحافظ للحزب، وفي عدة دراسات تنظيمية أخرى، منها كراس “أزمة الثورة العربية” و”بعد عامين على الهزيمة” هزيمة الخامس من حزيران 1963 وتداعياتها. وفي كتابه المهم “الهزيمة والأيديولوجية المهزومة”. وقد أشرت إلى أن النفي هو بالأحرى نفي نظري، فكري وأخلاقي. وأحاول أن أقول رومانسي؛ لأن عملية بناء الحزب السياسي الثوري تظل محكومة بأوضاع المجتمع المعني، الذي يقيم الحد على الرومانسية الثورية، ويحد من تفاؤلها الثوري. وتتضح آثار هذه الأوضاع، وقد اتضحت في غير مكان، في النتائج، لا في الأهداف، في حساب البيدر، لا في حساب الحقل.

الوحدة العربية، في منظور الحافظ “شرط أولي للبقاء العربي وللتحرر العربي، وشرط أولي، أي شرط لازم وغير كاف، للتقدم العربي” (21). لا ندري إذا كان بقاء العرب في العالم وفي التاريخ حتى يومنا هو نتيجة وحدتهم، ولسنا على يقين اليوم إذا ما كانت إسرائيل وإيران والحبشة وتركيا أيضاً قادرة على تهديد البقاء العربي وقضم وجود العرب، إلا إذا افترضنا حرباً نووية تشنها إسرائيل على جميع الدول العربية، بما فيها تلك التي أقامت معها معاهدات سلام أو علاقات تجارية، وعلى الدول الصديقة للولايات المتحدة الأميركية، الحليف الاستراتيجي لإسرائيل. ولسنا على يقين أيضاً من أن الوحدة العربية شرط لازم للتحرر العربي وللتقدم العربي؛ فقد تحررت البلدان العربية من الاستعمار المباشر بجهود شعوبها، لا بسبب الوحدة العربية، ويمكن لأي منها أن تعيد بناء علاقاتها مع الدول الكبرى، الإمبريالية، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، على أساس المساواة في الحقوق وفي السيادة الوطنية وعلى أساس المصالح المتبادلة، بجهود شعوبها وبإرادة شعوبها. وقد تحسنت شروط الحياة في البلدان الغنية منها تحسناً ملحوظاً من دون الوحدة العربية، إذا كان التقدم يعني تحسين شروط الحياة، لا محاربة الإمبريالية والصهيونية والرجعية وطواحين الهواء على غرار تقدمية القوميين.

الشرط اللازم هو ما لا يتحقق المشروط إلا به. الوحدة مهمة ومطلوبة وذات منافع جمة ولكنها ليست شرطاً لازماً لا للبقاء العربي ولا للتحرر العربي ولا للتقدم العربي. بل لعل الافتراض الأكثر واقعية أن الوحدة قد تكون نتيجة لتقدم الدول العربية القائمة، أي لتحسن حياة شعوبها في مختلف الميادين، وصيرورتها دولاً وطنية وديمقراطية تدفعها مصالح شعوبها إلى نوع من وحدة أو اتحاد فدرالي، على غرار الاتحاد الأوروبي. واللافت أن الحافظ يربط تقدم الدول صناعياً بحجمها وبما تتوفر عليه من موارد، كالصين والاتحاد السوفياتي السابق، ويتجاهل اليابان مثلاً، ناهيك عن سويسرا أو هولندا أو غيرهما من الدول الصغيرة، ويتجاهل إسرائيل أيضاً. ولعل التصنيع، بوصفه رافعة أساسية من روافع التقدم يتعلق عندنا بالاستقرار السياسي وبالأمن والسلام وتسوية “الصراع العربي الإسرائيلي” سلمياً، وبتوفير شروط مناسبة لزيادة الاستهلاك وزيادة الادخار، ومناخات مناسبة للاستثمار. بقدر ما يتعلق بتنمية الموارد البشرية والمادية المتاحة وإقامة هيكل صناعي حديث، سواء في إطار الدول القائمة أو في إطار وحدوي وتكاملي أوسع. إن رهن الإصلاح السياسي ورهن التقدم الاقتصادي وبناء صناعة حديثة بالوحدة العربية وبالقضاء على النفوذ الإمبريالي وإسرائيل والرجعية كان ولا يزال يصب في مصلحة الطغم المستبدة التي نهبت البلاد وأذلت شعوبها.

[1] – ياسين الحافظ، في المسألة القومية الديمقراطية، دار الحصاد للنشر والتوزيع، دمشق، 1997، الطبعة الثانية ضمن الأعمال الكاملة، ص 15- 16. وسوف نشير إلى الاقتباسات التالية من ياسين الحافظ بإدراج رقم الصفحة في المتن.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق