نحو “مونديال” أكثر عدلاً / وحيد عبد المجيد

ليس السكرتير العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان هو الوحيد الذي تمنى أن تقوم العلاقات السياسية الدولية على العدل الذي رأى أنه يتوفر في الألعاب الرياضية عموما ومسابقات كرة القدم خصوصا. فقد عبر سياسيون ومثقفون كثر في العالم عن مثل هذا الرأي -الأمل في أوقات مختلفة وبصياغات متنوعة. لكن مقارنة أنان بين العلاقات الدولية والمسابقات الرياضية اشتهرت لأنها جاءت من أكبر مسؤول أممي في كلمة وجهها في مناسبة مونديال 2006 في ألمانيا وعشية افتتاحه.

ورغم شيوع هذه المقارنة بين الظلم في السياسة الدولية والعدل في المسابقات الرياضية، فما أكثر شكاوى الخاسرين في هذه المسابقات من ظلم تسبب في هزيمتهم. وإذا كان بين هذه الشكاوى ما يعتبر مبالغات، فمنها ما هو حقيقي لأن العدل المتوخى في المباريات الرياضية يعتمد بالأساس على تقدير أشخاص يمكن أن يصيبوا أو يخطئوا. فالحكَّام الذين يديرون مباريات كرة القدم، وغيرها من الألعاب الرياضية، هم بشر يعتمدون على الاجتهاد ويتوقف أداؤهم على قدرة كل منهم وخبرته ولياقته ومستوى تركيزه. وإذا كان الجدل بشأن مدى توفر العدل الرياضي ينصب على أثر الأخطاء غير المقصودة، على أساس أن تحيز الحكم وفساده ليس إلا استثناء من القاعدة، فقد يكون لهذا الاستثناء أثر فادح سواء كُشف النقاب عنه أو بقى مخفياً.

غير أنه إذا كان الظلم الذي يعود إلى فساد محدود باعتباره استثناء من القاعدة، فكثيرة هي الأخطاء التي فُقد العدل بسببها أو غاب دون قصد أو تعمد. وما أكثر هذه الأخطاء التي حدثت في "مونديال" 2010، الذي تابع أكثر من نصف البشر أحداثه التي انتهت يوم الأحد الماضي. ويتكرر كثير من هذه الأخطاء منذ دورة "المونديال" الأولى عام 1930 في أورجواي. فكم من أهداف صحيحة لم تُحسب بسبب سوء تقدير الحكم أو الحكم المساعد. وكم من أهداف غير صحيحة أو مشكوك في صحتها، في المقابل، حسمت نتائج مباريات، بما في ذلك المباراة النهائية التي يحصل الفائز فيها على كأس العالم كما حدث في نهائي الدورة الثامنة في إنجلترا عام 1966.

فما زال الجدل حول صحة الهدف الذي ساهم في حصول إنجلترا على كأس العالم للمرة الأولى والأخيرة حتى الآن، مستمراً بعد أكثر من أربعة عقود. وكان مثيراً للغاية أن يعلن اللاعب ماجيوف هيرست صاحب هذا الهدف في العام الماضي أنه ليس واثقاً في أن الكرة التي سددها واصطدمت بالعارضة وسقطت على الأرض قد تجاوزت خط مرمى المنتخب الألماني من عدمه. وقد تكررت هذه المشكلة بحذافيرها في مباراة المنتخبين الإنجليزي والألماني أيضا في "مونديال" 2010، لكن بشكل معكوس. فقد أخفق حكم المباراة ومساعده في مشاهدة الكرة وهي تعبر خط مرمي المنتخب الألماني بعد اصطدامها بالعارضة أيضاً، فظلم المنتخب الإنجليزي الذي خرج مهزوماً.

وبخلاف مباراة 1966، كان الخطأ في مباراة 2010 واضحاً تماماً، إلى حد أن حارس المنتخب الألماني أكد أن الكرة عبرت خط المرمي بأكثر من متر واحد قبل أن ترتَّد إلى داخل الملعب.

ولذلك، وبسبب كثرة أخطاء الحكام في هذا "المونديال"، بدأ الاتحاد الدولي لكرة القدم في مراجعة رفضه الاعتماد على التقنيات الحديثة من أجل تجنب الأخطاء أو تصحيحها بشكل فوري، وأعلن رئيسه، في 29 يونيو الماضي، وللمرة الأولي، أنه من الضروري فتح ملف اللجوء إلى التقنية الحديثة بشأن عبور الكرة خط المرمى. والمقصود بذلك تقنية "الكرة الذكية" المزودة بشريحة إلكترونية، والتي سبق أن عارضها هو شخصياً على أساس أن التدخلات غير البشرية ستفسد اللعبة القائمة على الجهد الإنساني، وقد تفرَّغها من الحس الآدمي الذي يميزها ويجعلها بالتالي لعبة جامدة بلا روح.

لكن بلاتر والاتجاه السائد في "الفيفا" ما زال يعارض استخدام تقنيات ثورة الاتصالات لتحديد أخطاء الحكام في ضوء ما تظهره الصورة التلفزيونية التي تنحو إلى مزيد من الدقة في كل يوم. ووجه الاعتراض هنا هو أن إقرار مثل هذه الآلية يجعل كرة القدم لعبة أخرى غير تلك التي عرفها العالم منذ أن بدأ وضع قواعدها بشكل غير رسمي في العقد السادس من القرن التاسع عشر.

وهذا صحيح إلى حد كبير، لأن إدارة المباراة لن تبقى لحكم الميدان ومساعديه، بل ستوضع فعلياً بين يدي لجنة مشاهدة. وستفتح هذه الآلية الباب أمام طعون لا نهائية تفسد اللعبة التي تعايش الجميع مع الأخطاء غير المقصودة التي تحدث فيها باعتبارها جزءاً لا يتجزأ منها مهما كان الظلم الذي تلحقه بأحد الفريقين.

لذلك يبدو التشدد في معارضة إدخال التقنيات الحديثة على هذا المستوى مفهوماً، بخلاف الحال بشأن رفض مراجعة بعض القواعد الأساسية في قانون كرة القدم بحجة أنها من ثوابت اللعبة، رغم أنها المصدر الأكبر للأخطاء التي تحدث فيها. كما أن بعض هذه القواعد جديد إلى الحد الذي لا يمكن اعتباره من ثوابت اللعبة، مثل ركلات الترجيح من نقطة الجزاء التي استُحدثت في ستينيات القرن الماضي. فكثيرة ومتكررة هي الحالات التي يفوز فيها الفريق الأقل استحقاقاً ببطولة ما بسبب ركلة ترجيح يستحيل أن تكون دليلاً على التفوق. وليس هناك ما يمنع من الاستمرار في لعب أشواط إضافية إلى أن يحرز أحد الفريقين هدفاً. وكانت هذه هي القاعدة المعمول بها قبل استحداث قاعدة ركلات الترجيح.

وربما تكون ضربات الجزاء، أيضا، مما ينبغي التفكير في إلغائه لأنها أحد أهم مصادر الظلم الكروي. فيكفي خطأ واحد يقع فيه حكم، فيحكم بضربة جزاء غير مستحقة أو يتغاضى عن أخرى صحيحة، لحسم مباراة بل بطولة كاملة لمصلحة من لا يستحق الفوز. وهذا ظلم بيِّن يمكن رفعه إذا أصبح خطأ اللاعب في داخل منطقة الجزاء كغيره في باقي أجزاء الملعب، مع إشهار الكارت الأصفر وجوباً في وجه اللاعب الذي يرتكب خطأ في داخل هذه المنطقة.

وربما يبدو تزيداً القول إن ثمة ضرورة كذلك للتفكير في إباحة التسلل، رغم أن الخطأ فيه هو أحد أهم مصادر الظلم وتغيير نتائج مباريات بشكل غير طبيعي. لذلك يصح التفكير في إلغاء العقاب عليه ودراسة الأثر الذي يمكن أن يترتب على إباحته، في ضوء ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تغيير في خطط اللعب وأساليبه وتقييم هذا التغيير موضوعياً.

فلا ينبغي أن يكون ما أصبح معتاداً في هذه اللعبة ذات الشعبية الطاغية مانعاً من السعي إلى مزيد من العدل الذي يتوق إليه الناس ويجدونه فيها الآن -رغم نواقصه- أكثر من غيرها. فإذا كان في الإمكان تقليص هذه النواقص تحقيقاً لمزيد من العدل في "المونديال" العشرين، بعد 4 سنوات، لا يصح أن يكون الجمود عائقاً. فما زال في هذه اللعبة متسع للعدل الذي يجعلها نموذجاً يحتذى في عالمنا الذي يئن من الظلم.

 

عن جريدة الاتحاد 15/7/2010

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق