نريد دولة ننتمي اليها / موسى عاصي

نريد دولة ننتمي اليها / موسى عاصي

سمِّها ما شئت، علمانية، مدنية، أو عدالة اجتماعية لا فرق، لكنني أريد دولة.

دولة افتخر بالوقوف بصمت وخشوع عندما ينشد نشيدها، دولة اعتزّ بحمل جواز سفرها من دون البحث عن جواز آخر، دولة أربّي فيها أطفالي من دون البحث عن وطن بديل.

هو الحق الطبيعي لكل البشر، حق الارتباط بالوطن مباشرةً من دون وسيط، ولا عرّاب.

وهو الحق ذاته، الممنوع علينا بقوة الأمر الواقع الممتدة منذ قيامة لبنان، البعض يقول منذ العام 1943، والبعض الآخر يرجع الى العام 1960، عندما تكوّن لبنان من مجموعات طائفية، حافظت على قوتها وديمومتها حتى يومنا هذا، فكنا دائماً أبناء طوائف، ندين بالولاء لزعماء كرّسوا أنفسهم أولياء أمورنا، فصاروا مع تراكم الترابط بالعلاقة، ملاذنا الاخير، حماتنا من بعضنا البعض، ومصدر رزقنا، واستقرارنا.

في ظل هذا النظام، الذي اصطلح على تسميته النظام الطائفي، نمت علاقة بديلة بين المواطن والمؤسسة الطائفية على حساب العلاقة الطبيعية بين المواطن والدولة، وتحولت الطائفة الى الدويلة التي تقدم الى مواطنيها خدمات الدولة، وباتت لهذه الدويلة مؤسسات صحية، ومؤسسات تعليم وتربية، تنمّي الشعور بالانتماء الى الطائفة بدل الوطن.

في ظل هذا النظام، برز ارتباط عضوي بين الناس وطوائفهم، تحول مع الزمن ليصير علاقة تبعية خالصة، وصناديق الاقتراع في الانتخابات تشهد على هذه التبعية، حيث ورقة الـ 100 دولار ليست الدليل السياحي الوحيد لصوتك، بل يصطفّ الى جانبها شرط الحفاظ على الوظيفة، والتأمين الصحي، والقسط المدرسي.

في ظل هذا النظام، تخلّت الدولة عن دورها الوطني، فظهرت مؤسسات مسلّحة رديفة للدفاع وقت الحاجة ومواجهة خطر الغزو الخارجي وهو دائماً داهم، وتخلّت عن دورها في القضاء العادل لكل المواطنين، فتسلّمت المؤسسات الدولية زمام أمر القضاء والعدل، بعدما تخلّت عن دورها في التربية والتعليم، وفي تأمين الضمانات الصحية والاجتماعية.

في ظل هذا النظام، استطاعت المرجعيات الطائفية أن تجد قواسم مشتركة قائمة على أساس تقاسم دقيق لحصص السلطة، وفي حال اختلال التوازن، يتحول الجمهور الطائفي وقوداً لحروب تخاض تحت عناوين يتم تجهيزها غبّ الطلب، كالخلاف القائم اليوم على سلاح "حزب الله" والمحكمة الدولية.

في مطلع شباط الماضي، وفي زمن الثورات العربية، في زمن كسر حاجز الصمت والخوف، وصلت العدوى الى لبنان، فأسسنا، كما حصل في مصر، مجموعات "فايسبوك" كوسيلة اتصال وتعبير عن الرأي، ولقياس مدى استعداد العيّنة الشابة من الرأي العام لكسر حاجز خوفنا اللبناني، كانت تظاهرة السابع والعشرين من شباط، أو تظاهرة المطر والعواصف، التي أسست لتظاهرة السادس من آذار، ولاحقاً لتظاهرة العشرين منه.

لكن في لبنان، لا نظام قمعياً نتمرد عليه، ولا سلطة ديكتاتورية تقلّص الحريات العامة او تمنعها، ولا أجهزة أمنية من عيار الأجهزة المتحكمة برقاب البشر في كل الدول العربية من دون استثناء. في لبنان نظام هجين، يجمع بين الدولة المدنية والدولة الطائفية، بين تسلط زعماء الطوائف على البشر، وتمتع هؤلاء بقوة التمثيل الشعبي، وقد خرج من هذا المزيج من التناقضات، كونفيديرالية طائفية، لكانتونات متداخلة جغرافياً، لكنها واضحة التقسيم والمعالم على مستوى المؤسسات والمرجعيات الطائفية.

مطلبنا: دولة ننتمي اليها ¶

 

 عن جريدة النهار 3/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق