نساء طهران بين مخيّلتهنّ الخاصّة ومشيئة الملالي / فادي طفيلي

أمامها على طاولة المكتب، حيث شرعت آزار نفيسي بتأليف نصّ مذكّراتها الطَهرانيّة، والذي ائتلف فيما بعد بكتاب حمل عنوان «قراءة لوليتا في طهران» (راندوم هاوس 2008)، كان ثمّة صورتان مُؤطّرتان جمعت كلّ واحدة منها نفيسي وتلميذاتها السبعة المختارات.
الصورتان التقطتا في المكان والزمان عينهما، في شقّة نفيسي بطهران وفي الليلة الأخيرة لها، هي أستاذة الأدب الجامعيّة، في تلك المدينة. التلميذات وأستاذتهن، في الصورة الأولى، يقفن أمام حائط أبيض عار، يوحي بحال الشقّة التي وضّبت أغراضها وأخذت تُخلى. وقد أبقين في تلك الصورة الأولى على ما يفرضه قانون البلاد عليهنّ، الملاءات السوداء والأحجبة التي تغطّي أجسادهن، سوى مساحات بيضاويّة الشكل من وجوههنّ وأيديّهن. وفي الصورة الثانيّة تظهر التلميذات ذاتهنّ وأستاذتهنّ في الوضعيّة إيّاها التي كنّا عليها في الصورة الأولى، وكأنّهن أردن أداء لعبة الفوارق البسيطة. فبَدَون، في الصورة الثانية، واقفات أيضا ً أمام الحائط الأبيض العاري، حيث لم يقمن بأيّة حركة أو وضعيّة جديدة سوى أنّهنّ انتزعن أغطيتهنّ التي يفرضها القانون عليهن.

وقد انبثق إذ ّ ذاك، من الصورة الثانية الملتقطة حين انتزعت الأغطية المفروضة، فيض من الألوان المفاجئة. وباتت كلّ واحدة من النساء الظاهرات في الصورة تتميّز عن زميلتها من خلال ألوان ثيابها ودرجتها ومن خلال لون شعرها وطوله وطريقة تسريحته. حتّى أن الشابتين اللتين أبقتا على حجاب الرأس في تلك الصورة ظهرتا على نحو يختلف عن ظهورهما في الصورة الأولى.

والصورتان هاتان، على ما ترى نفيسي وتكتب، ينبغي أن تعرضا هكذا، إحداها إلى جانب الأخرى، لتُمثِّلا «اللاواقع الهشّ» لحياة الأفراد في ظلّ الجمهوريّة الإسلاميّة الثقيل في إيران.

وعلى الرغم ممّا قد تتضمّنه علاقتهما، علاقة كلّ من الصورتين بالثانية، من طاقة نافية، ومختزِلة، أيّ الطاقة التي تحمل الواحدة منهما على نفي الأخرى واختزالها، فأنّ حياة كلّ من الصورتين المذكورتين تبقى ناقصة، أو غير مكتملة، من دون الأخرى. إنّهما متعايشتان في ظلّ علاقة محكومة ومفروضة ومثبّتة، وليست الفسحة بين طرفي تمايزها، الفسحة البسيطة والحادّة في وضوحها، سوى التهديد الدائم لتمايزها ذاك.

في الصورة الأولى حيث تُركت الأثواب السوداء والأحجبة، أمام خلفيّة الجدار الداخلي الأبيض، تظهر النساء وهنّ يجسّدن حلم غيرهنّ فيهنّ، أو حلم ومشيئة غيرهنّ ( مشيئة مُلا ّ من الملالي) فيما يجب أن يظهرن عليه. وفي صورتهنّ الثانية يظهرن وهنّ يجسّدن حلمهنّ الخاص عن أنفسهنّ، الحلم الذي تخيّلن به كيفيّة ظهورهنّ، أو الحلم المضاد الذي أرَدنّ الردّ به على حلم غيرهنّ المفروض عليهنّ.
حلم وحلم مضاد في مجال مواجهة، في حيّزين متواجهين، يكبران ويقتربان شيئا ً فشيئا ً إلى أن يبدأ الفاصل بينهما بالانكماش والتقلّص، فيصبح هذا الفاصل أضيق من أن يتحمّل حلم إضافي أقلّ وطأة وأكثر هامشيّة وتفلّت. وفي كلا الحلمين المواجهين، أو المتواجهين، وفي خضمّ مواجهتهما المريرة، يغدو شعور دفء الداخل، دفء البيت، حميميّة الغرفة، رؤيويّة النافذة، وكأنّه شعورا ً متعذّرا ً ومعلّقا ً ومؤجّلا ً، أو واقعا ً في مرمى منظار الرقيب الحسيب والمتسلّط. فها هي هناك صورة «المرشد» على جدار المبنى الملاصق تظلّل البيت كلّه، وها هي شعارات تنظيم حزب الله وفرقة دمّ الله (المجموعة المكلّفة بقمع مخالفات الالتزام الشرعي في إيران) الداعيّة إلى التستّر والتحجّب وتحديد النظرات وقمعها ونبذ ربطات العنق وذمّها والالتزام بالانفصال الجنسي والتمسّك بحلم «المرشد» عنهنّ (وعنّا وعن العالمين)، ها هي تحت النافذة على الجدار، في مواجهة الشرفة، على شرفة مقابلة، على عمود الكهرباء وعلى إشارة المرور، وفي الفسحة من جدار المبنى التي يغسلها ضوء الشمس، أو في الفسحة المظللة بالفيء والمبتردة بالنسائم.

وهذا الدفء، دفء الداخل والغرفة، المتبدّد في الصورتين، هو الحاضر بقوّة فيهما. وذاك بحسب نفيسي، هو حضور الغياب، أو حضور المكان الشاغر الذي ينتظر صاحبه بنهم الفراغ والوحشة المجنونين. فطهران غدت هكذا، مع قيام الجمهوريّة الإسلاميّة فيها، مكانا ً مُنتظرا ً لكلّ الألوان التي نبذت، ولكلّ المشاهد التي كبتت، والحركات التي قمعت، والمظاهر التي طُمست، والكتب التي أخفيت، والكتابات والصور والمشاعر والوجوه والملامح التي حُجبت. مدينة مُنتظرة حيث «غياباتها أكثر حضورا ً وإلحاحا ً وواقعيّة من صور حضورها».

وآزار نفيسي، الأستاذة السابقة للأدب الغربي في جامعتي طهران و«العلاّمة طباطبائي» و في الجامعة الإسلاميّة الحرّة، والتي فُصلت في عام 1981 من جامعة طهران لرفضها ارتداء الحجاب، ثمّ هاجرت وعائلتها إلى الولايات المتّحدة عام 1997 لتتابع هناك نشاطها الأكاديمي بجامعة جون هوبكنز، تروي لنا في «قراءة لوليتا في طهران» قصّتها خلال السنتين الأخيرتين لها في إيران. فالأستاذة الجامعيّة كانت قد أخذت تنسحب بالتدريج من العبثيّة المتخيّلة المتحقّقة التي أخذت تحكم حياة الأفراد والجماعات في إيران. فقرّرت، بعد الصلف التي أخذت تواجهه في المؤسّسة الجامعيّة، أن تدعو سبعة طالبات من طالباتها اللواتي يُظهرن شغفا ً حقيقيا ً في الأدب ودراسته، إلى لقاء سرّي أسبوعيّ في شقّتها لتحليل ومناقشة روايات يقرأنها في وقت واحد. كان ذلك بمثابة صفّ حرّ يندرج في سياق محاولة الهرب من تفرّس الرقيب «الأعمى» بحياة الآخرين، على ما تقول، و«لنكتشف حقيقة أنّنا أحياء أيضا ً، كائنات بشريّة تتنفّس، على الرغم من قمعيّة الدولة التي نقبع فيها وبغضّ النظر عن التهويل والرعب الذي يحيطنا».

هناك في شقّة نفيسي في طهران، قرأن سرّا ً كتبا ً غدت ممنوعة من التداول، ومحظورة على الدراسة الأكاديميّة في إيران الثورة، هي لوليتا لنابوكوف و «ذا غريت غاتسبي» لفيتزجيرالد و«ذا تراجيك ميوز» لهينري جايمز و«برايد أند بريجيديس» لجاين أوستن. فنفيسي وطالباتها وأقرانهنّ، ومن كان يشبههنّ من إناث وشبّان، كانوا قد حُجبوا في إيران الجمهوريّة الإسلاميّة ونظام الملالي المتشدّد، برداء التهميش والتشكيك، وذلك في حال يشبه ما واجهه فيتزجيرالد من إقصاء نقدي في زمن نجوميّة الناقد الأميركي الأدبي، الشيوعي الراديكالي، مايك غولد، وما واجهه نابوكوف في روسيا في ظلّ حكم ستالين، وما واجهه هنري جايمس من قبل جماعة «فابيين سوسايتي» الثقافيّة، ذات الهوى اليساري، المسيطرة في بريطانيا القرن التاسع عشر (أواخره) ، وما واجهته جاين أوستن من قبل ثوّار زمانها. إذ على الرغم من مجيء الراديكاليين الماركسيين والإسلاميين من خلفيّتين سياسيّتين متعارضتين في الظاهر، فأنّ المؤمنين بالإيديولوجيّتين المذكورتين والقيّمين على تطبيق أحكامهما وفرضها، التقوا في إيمانهم المشترك بالإيديولوجيّة الثوريّة، وبالتوتاليتاريّة السياسة، القامعة والنافية لغيرها، والمُكفّرة الديّانة للمتميّزين عنها.

وعلى هذا الأساس التكفيري يلتقي ويتكافل الإيديولوجي الإسلامي الثوري في إيران، الذي حَذف تدريس جاين أوستن من المناهج الأكاديميّة (وكتّاب كثيرين غيرها في طبيعة الحال) باعتبارها كاتبة «إمبرياليّة»، مع أكاديميين «عالم ثالثيين»، أمثال إدوارد سعيد، هذا الأخير الذي توصّل إلى النتيجة عينها في كتابه «في الثقافة والإمبرياليّة».

و«قراءة لوليتا في طهران» يمضي في تقديم حياة وتجربة كاتبته والطالبات التي اختارتهن، واللواتي كأنّهن اختاروها هي أيضا ً في شغفهنّ وانكسارهنّ الظاهر وتمرّدهنّ السرّي على ما يُفرض عليهنّ وعلى ما يَحجب هويّاتهنّ الخاصّة وخلفيّاتهنّ الفرديّة ، وذلك على ضوء الكتب التي اختاروا قراءتها والاجتماع على تحليلها وإسقاط تجاربهم على تجارب شخصيّاتها وسط مناخ العبث الواقعي المحيط بهم.
أنّهنّ لوليتا وقد صارت شابّات كثيرات يتعرّضن للتطويع، حسب أهواء غيرهنّ ورغباته، وتصادر حياتهنّ الشخصيّة تحت عباءات جامعة وحاجبة. لوليتا التي يُسحب منها تاريخها الشخصي ويُستبدل بتاريخ مطوِّعها، والتي تُسقط في تهويمات الأخير وتُقدّم من خلال سرده هو وخيالاته، لا من خلال ما تقوله هي عن نفسها أومن خلال الصور التي تبدو عليها بعيدا ً عن ظلّه.

غير أنّ الحذف التاريخي ذاك، لأفراد كثر ومجتمع كامل، وقد بات حذفا ً شاملا ً وابتلاعا ً يتعدّى حدود الجنس والانتماءات السياسيّة المباشرة ليصل إلى عصب اجتماعي ثقافي موغل وبالغ الحساسيّة في إيران، كأنّه التقى في مكان ما، وجها ً لوجه، وبملامحه الخمينيّة الصارمة، بقرينه السوفيتي وغريمه، فصعقته مآل التجربة.

عن جريدة المستقبل – ملحق نوافذ

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق