نصر حامد أبو زيد : كفاح من أجل التغيير

عتدما تتعرّف على نصر حامد أبو زيد وتقترب منه فإنّك تدخل عالم عقل كبير وقلب فسيح. لم يكن نصر مجرّد أكاديميّ متمكّن من حقله وباحث متقن لآلة بحثه، وإنما كان أيضا مثقفا مشبّعا بانتمائه لقضايا التغيير والتقدّم ومواجهة قوى التخلّف والنكوص في واقع المجتمعات العربية والمسلمة. وانتماء نصر لقضايا التغيير متجذّر في انتمائه الأصيل لواقعه المصري، فهو يضوع برائحة وطنه وظلّ دائما مسكونا بقضايا وطنه وحاملا لهمومه أينما ذهب. ولقد عبّر هذا الهمّ عن نفسه في مرحلة مبكّرة من مراحل تطوّره الفكريّ في انجذابه لفكر الإخوان المسلمين، وهو انجذاب مرّ به الكثيرون من جيله. إلا أنّ نصر ما لبث أن تجاوز هذا الانجذاب لينطلق لآفاق أكثر رحابة لم تتجاوز فكر الإخوان المسلمين فقط، وإنما أيضا مجموع البنية التي تشكّل الخطاب الديني. وعندما نتأمّل مجمل سيرة نصر وحياته فإنّ ما يأسرنا في تلك السيرة هو قدرته الفذّة في فترة مبكّرة من فترات حياته على تجاوز ظروفه الشخصية بكلّ شدّتها وشقائها وعوائقها، وهي قدرة تدلّ على صلابة في التكوين والشخصية يلمسها كلّ من يقترب منه ويتعامل معه. فرغم العقبات التي انتثرت في طريقه استطاع ومنذ فترة مبكرة أن يتلمّس ملامح مشروع فكريّ بديل ما لبث أن شمّر عن ساعديه ليحقّقه.


وتتجلّى الملامح الأوّلية والمبكّرة لهذا المشروع في اختياره لموضوع الماجستير وهو قضيّة المجاز في القرآن عند المعتزلة. وهذا الموضوع لم يشبع فقط حاجة نصر كباحث في فقه اللغة ودلالاتها وإنما أتاح له أيضا إعادة إثارة قضية هي من أخطر قضايا الفكر الإسلامي وشكّلت أساس العطاء المتميز للمعتزلة، ونعني بها قضية العلاقة بين القرآن والعقل. ولقد استلزم استقصاء نصر لقضية المجاز عند المعتزلة قراءة مؤلّفات القاضي عبد الجبار الأسدأبادي، وهي مؤلفات تتطلّب قراءتها قدرا عاليا من الصبر والأناه والمثابرة.  ومنذ هذه الفترة المبكّرة انتبه نصر لضرورة فحص النصوص في إطار سياقها التاريخي وسياقها التفسيري (الذي لا ينفصل بدوره عن السياق التاريخي) وأصبح هذا المنحى سمة أساسية من سمات منهجه في فحص النصوص، وهو منحى قاده فيما بعد لتأكيد مفهوم "الخطاب" كمفهوم أساسي في أية محاولة لفهم النصوص وإعادة تفسيرها وتأويلها.

وعقب الفراغ من بحث المعتزلة واتجاههم العقلي في التفسير اتجه نصر لدراسة الجانب الآخر لعلاقة التراث الإسلامي بالنص الديني، وهو جانب المتصوّفة ونهجهم الذوقي أو الرمزي في معالجة القرآن. وفي بحث هذا الجانب اختار نصر لموضوعه لأطروحة الدكتوراة التركيز على محيي الدين بن عربي والتركيز على كتابه "الفتوحات المكية" الذي يمثّل قمّة الإنجاز الفكري للتراث الصوفي الإسلامي. و"الفتوحات المكية" موسوعة هائلة ضخمة صعبة المداخل، ولكنّ نصر سبكته تجربه الماجستير ومجاهداته لكتابات القاضي عبد الجبار،  فاكتسب ما اكتسب من صبر وأناة ومثابرة وولع بفكّ شفرات النصوص وسبر أغوارها، كان قد تأهّل للغوص في عوالم ابن عربي وأنضج إطاره المفهومي وصقل أدواته المنهجية.


والخيط الذي ربط هاتين الدراستين كان هو مسألة طبيعة القرآن. ومثلما أصبحت قضية طبيعة عيسى هي القضية المركزية في اللاهوت المسيحي، فإنّ مسألة طبيعة القرآن هي القضية الكلامية المركزية في الإسلام. ولقد تمخّض عن هذا الهم كتاب "مفهوم النص القرآني: دراسة في علوم القرآن"، وفي تقديري أنّ هذا الكتاب هو أهمّ مؤلفات نصر. ويدخل نصر في هذا الكتاب في حوار مع الزركشي والسيوطي وعبد القاهر الجرجاني والغزالي وقد وضع نصب عينيه تحدّيا كبيرا وهو تحدّي : ما الذي يستطيع الباحث المعاصر أن يقدمه وعلى ضوء معارف عصره كمساهمة متميزة عن مساهمات السلف في ميدان علوم القرآن؟ وإجابة نصر على هذا السؤال تأتي من النظرية التفسيرية الحديثة أو ما يعرف في الدوائر الأكاديمية بالهرمنيوطيقا. وهذه النظرية تبدأ من نقطة بديهية وأولية وهي تاريخية النص (أي نص) ثم تنطلق بعد ذلك لتفحص العلاقة بين النص وقاريء النص أو مفسّره. وترفض النظرية المفهوم القديم للعملية التفسيرية كمحاولة للوصول للمعنى "الأصلي" للنص، فهذا المعنى لا يمكن الوصول إليه وقصارى ما يستطيع أن يفعله المفسّر المعاصر في سعيه لاستكناه النص واستنطاقه هو أن يمدّد أفقه المعرفي ليلامس الأفق المعرفي للنص أو ما يصفه هانز غيورغ غادامر بـ"امتزاج الآفاق". ولقد كانت النظرية التفسيرية الحديثة طموحة فتحت مفهوم النص ليشمل كلّ علامة، وهكذا استوعبت مبحثا آخر هاما وهو علم العلامات أو السميوطيقا. ولقد رأى نصر ببصيرة ثاقبة قيمة هذا المنهج في قراءة القرآن، خاصة أنّه قد طُبق وآتى ثماره في مجال الدراسات التوراتية.  


ولأن نصرا كان مثقفا ذا قلب، ومنحازا للمسحوقين في مجتمعه، فإنّ مسألة مفهوم النص لم تكن بالنسبة له مسألة ترف أكاديميّ معزول عن قضية التغيير. فلقد رأى فيها مشروع صياغة لوعي علمي بالتراث، وكان منتبها كل الانتباه لخطورة هذا الوعي على حراس التراث، أو حملة "الفكر الرجعي التثبيتي" كما وصفهم، الذين يريدون المحافظة على "الأوضاع الاجتماعية المتردية". ولقد كان من الطبيعي أن تصل قراءة نصر للقرآن وللنصوص الأخرى ذات السلطة في التراث الإسلامي بمنهجها الذي استندت عليه لرفض سلطة النص. وهو رفض ارتبط عنده بقضية الحرية وفعالية الإنسان. فالإنسان من حيث هو فعالية هو الذي يبدع خطابه وفي الواقع الذي تسوده الحرية فإنّ الخطابات التي يبدعها البشر لا تنغلق وإنما تنفتح على بعضها. وعندما تُصادر هذه الحرية يصاب هذا الواقع الإبداعي بأزمته وينشأ خطاب استبعادي يحاول إقصاء الخطابات الأخرى وفرض هيمنته المطلقة.
ولاشك أنّ المعضلة التراثية الكبرى يجسدها الخطاب المحيط بالقرآن. فالتبنّي المطلق للاعتقاد الموروث بأن القرآن هو كلام الله والرفض المطلق لمراجعة هذا الاعتقاد (مثلما روجعت الكثير من المعتقدات) يصطدم اصطداما واضحا بواقع القرآن كنص لغوي يعبّر عن نفسه بلغة بشرية وكنص تاريخي يعكس معرفة عصره وقيمه. وعندما نتأمّل ما كتبه نصر فإننا سنجد أن ما يترتب منطقيا عما يقوله هو أن النص القرآني نصّ بشريّ، وأن كل النصوص في واقع الأمر بشرية سواء عبّرت عن نفسها بوسيلة اللغة أو بأية وسائل أخرى. والنتيجة الأخرى الهامة التي تترتّب على ذلك هو أنّ النصوص، مثل الخطابات، حتي ولو كانت سائدة، لا تملك سلطة مطلقة. ومثلما أنّ الخطاب، أي خطاب، لا يستطيع أن يزعم أنه يملك الحقيقية المطلقة، فإن النص، أي نص، لا يستطيع بالمثل أن يزعم أنه يحوي الحقيقة المطلقة ولا يستطيع القائمون على سدانته وتفسيره أن ينسبوا له مثل هذه الصفة.


كان مشروع نصر الكبير الذي يحلم بانجازه ويزمع التفرّغ له عقب تقاعده هو كتابة تفسير جديد للقرآن. لن نرى هذا التفسير ولكننا نملك تراثا غنيا من أعماله سنجد فيه دائما ما يحرك عقولنا ويحفزنا باستمرار للتساؤل والمراجعة النقدية. لا بدّ لكل العاملين من أجل التغيير في البلاد العربية والإسلامية من الاهتمام بهذا التراث وتوسيع دائرة قراءته ومناقشته. يجب ألا تترك الشمعة التي أوقدها نصر نهبا لرياح وأعاصير قوى النكوص المعادية للتغيير.
        

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق