نصف قرن على الـ “ميني جُب”

مرت سنة على الذكرى الخمسين الأولى لظهور إحدى أعظم صرعات الموضة المعاصرة، على تنّورة “الميني جُب”.

وقد احتفلوا في بريطانيا بهذه المناسبة بوصفها عيداً وطنياً كبيراً. وأصدرت مصلحة البريد الملكي طابعاً بريدياً خاصاً وعليه صورة عارضة أزياء ترتدي ثوباً قصيراً، وفي الزاوية اليسرى من الطابع صورة جانبية (بروفيل) للملكة إليزابِت الثانية. وفي روسيا يُقرّون بالعرفان مسرورين لهذا اللباس المثير بين ثياب المرأة الذي يطلقون عليه اسم “سلاح الدمار الشامل”.

{{المصلحة الخاصة:}}

نصف قرن ليس بالزمن الطويل، طبعاً. على أنّ لكلّ طريقته في الحساب. فهناك بعض شبه بين التنورة القصيرة وما كان معروفاً من لباس عند أقدم البشر. إذ ما الفرق بين الربطة على الوركين وبين تنورة الـ “ميني”؟ أو بين هذه والسخينتي الفرعوني المصري الذي كان يتألف من قطعة قماش تلف الوركين وتثبّت بحزامٍ (خيط) على الخصر؟ ولا يهمُّ أنّ السخينتي كان يرتديه في تلك الأزمنة أبناء الجنسين إناثاً وذكوراً.

يعود تاريخ ظهور التنورة كجزء من ثياب المرأة حصراً إلى القرن السادس عشر (وإن كان الاختلاف هنا ممكناً بشأن الكيلت الذي ظهر متزامناً معها، في الوقت نفسه تقريباً، كلباس للجبليين). غير أن طول التنورة، رغم تعدّد أشكالها وتفصيلاتها، ظلّ حتى منتصف القرن العشرين لا يرتفع عن الكاحل. ولم يكن يجوز أن تقلَّ عن ذلك طولاً حتّى التنورة الداخلية. وهذا يعني أنّ الشاعر الروسي ألكساندر بوشكِن الذي كان يحلم برؤية ساقين رشيقتين مستقيمتين، هيهات أن يكون قد قُدِّر له أن يرى تينك الساقين في الشارع يوماً.

يعود تاريخ ظهور تنورة الـ “ميني” في أوروبا إلى الشهر الأول (كانون الثاني/ يناير) من عام 1959، عندما قامت مصمّمة الأزياء المبتدئة، الشابّة ماري كوانت، وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، بصنع تنورة من نوع جديد في شقّتها اللندينية بحيّ تشيسلي. وأطلقت على هذه التنورة اسم “ميني” احتفاء بالسيارة “ميني” التي كانت ذائعة الصيت بين الشباب الإنكليزي تلك الأيام. وقد أثار تصميمها هذه التنورةَ يومها فضيحة كبيرة بين أهل الموضة اللندنيين، أوّلاً، ثمّ في العالم كله عندما قامت ماري كوانت في عام 1962 بعرض أوّل مجموعة من تنورة الـ “ميني” التي كانت الألسنة الشريرة تقول يومها إنها تتطلّب من القماش أقلّ ممّا كانت تتطلّبه المحرمة (منديل الجيب) في العهد الفيكتوري.

{{تنّورة تزيد عدد الولادات:}}

ولئن راحت الصحافة في ذلك الزمن تعبِّر عن امتعاضها من الـ “ميني”، فإنّ الفتيات وحتى النساء المسنّات رحن يكِلن المديح للتنورات الجديدة ويرتدينها من غير ما تردُّد، مُتخلِّيات عمّا مللنه من التنورات الكلاسيكية الطويلة التي كانت شائعة في النصف الأوّل من القرن العشرين.

وفي عام 1965 أقيم في نيويورك عرض لمجموعة أنواع الـ “ميني” التي صممتها ماري كوانت، وبعد العرض مباشرة خرجت عارضات الأزياء يتجوَّلن في شارع برادواي وهن يرتدين تلك الأزياء والتصاميم عينها. يومها توقفت حركة السيارات عدة ساعات، ونقلت القنوات التلفزيونية كلها هذا الحدث في نشرات أخبار المساء.

غير أنّ تنورة الـ “ميني” لم تحظَ بصفة رسمية إلا بعد أن راحت ترتديها في عام 1966 جاكلين كينِدي – أوناسيس. بل وقصّرت تنوراتها وفساتينها إلى ما فوق الركبة حتى أنّ ملكة إنكلترا إليزابِت الثانية قلَّدت ماري كوانت في قصر بكينغهام سنة 1966 وسام الإمبراطورية البريطانية لقاء خدماتها الاقتصادية المتميِّزة. على أنّ هناك رأياً يقول إن مبتكرة تصميم الـ “ميني” إنما قُلِّدت هذا الوسام لأنّ الولادات في بريطانيا العظمى حققت قفزة كبيرة بفضل ابتكارها هذا.

{{جاءت من تلقاء نفسها!}}

وقد ظهرت أولى التنورات والفساتين القصيرة في روسيا سنة 1966، أي قبل عام من مهرجان الموضة العالمي في موسكو. وبعد ذلك المهرجان أصبحت موضة الـ “ميني” علنية هناك. غير أنّ أبناء الجيل الذي تخطّى عتبة الشباب يومها ظلوا يقفون موقفاً استنكارياً من هذه التنورات الجريئة “غير المحتشمة”، وينظرون إلى من يرتدينها على أنهن من بنات الهوى سلفاً. فليس مصادفة أن أكبر الشريرات والغاويات في فيلم “اليد الألماسية” تؤدي رقصتها الخليعة وهي ترتدي الـ “ميني” تحديداً…

ومع ذلك، فإنّ تنورات الـ “ميني”، كما يقول علماء النفس، لعبت دوراً هائلاً في تطوير الحضارة المعاصرة، لأنها حرّرت المرأة ومنحتها فرصة للتعبير عن حقوقها بجلاء أكبر. فكيف بالذكور من السكان الذين سرعان ما تقبّلوا هذا الابتكار الجديد.

وتعتقد ماري كوانت التي تبلغ اليوم من العمر 75 عاماً أنّ تنورات الـ “ميني” تحديداً هي الإنجاز الأهمّ في مجال الموضة. بل وتغامر ماري كوانت نفسها أحياناً بالذهاب إلى حفلات الاستقبال اللندنية مرتدية الموضة التي كانت هي مصممتها الأولى.

{{كل ما هنالك غسلُ أرض البيت:}}

تقول الحكاية إن الفكرة العبقرية بخصوص موضة الـ “ميني” إنما ولدت عند ماري كوانت بمحض المصادفة. فذات مرة عند تنظيف أرضية البيت قامت صديقتها ليندا كوايزِن بقص تنورة عتيقة بالمقص كي لا يضايقها طولها أثناء التنظيف. ولمّا زارتها في ذلك اليوم صديقتها ماري كوانت ورأتها في زيِّها الجديد المدوِّخ أسرعت فتناولت القلم وخططت في دفترها فكرة هذه التنورة.

هناك رواية أخرى لثورة الـ “ميني” في أوروبا، هي الرواية الفرنسية. فإذا ما صدّقنا هذه الرواية توجّب علينا أن نتقدم بالشكر على استعراض أرجل النساء المستقيمة (بل وغير المستقيمة تماماً أيضاً) إلى أندريه كورِّيج الذي كان بين مصمّمي الأزياء أوّل من أدرج تنورات الـ “ميني” في مجموعته. إلا أنه لم يسجِّل اختراع هذه الأزياء باسمه، فجاء من نسخها، ووجد كورِّيج نفسه على حافّة الإفلاس المالي. وقد قال في إحدى المقابلات التي اُجريَت معه: “أنا بالذات من اخترع الـ “ميني”، ولم تفعل ماري كوانت إلا أن تاجرت بفكرتي”. بينما ردّت ماري كوانت على هذا التصريح بدعابة قائلة: “جميع الفرنسيين هكذا. والحقيقة هي أن تنورات الـ “ميني” ليست من ابتكاري ولا من ابتكار كورِّيج، لقد ابتكرتها البنات في الشوارع”.

{{ محرمة أم تنورة؟}}

ومع الزمن راحت تنورات الـ “ميني” تحتلّ مزيداً من المواقع الراسخة، فتحولت منذ أواسط الستينات إلى مجرد تنورات “ميكرو” (شديدة القِصَر) لا تكاد تستر الأجزاء الحميمة من الجسد. ولكن منذ السبعينات درجت تنورات الـ “ماكسي” (الطويلة) والـ “ميدي” (متوسّطة الطول). وفي الثمانينات شرعت موضة الـ “ميني” تصبح ثياباً عملية.

نستطيع واثقين أن نُدرِج تنورات الـ “ميني” في عِداد أسلحة الدمار الشامل، لأنّ لها مفعول انفجار قنبلة. فالمرأة التي ترتدي الـ “ميني” تضمن لنفسها دائماً درجة انتباه عاليةً من جانب الجنس القويّ، مهما فعلت. ولكن لكي يكون ذلك أكيداً ما عليكن إلا أن تحاولن غسل أرضية البيت…

{{تحريم الـ “ميني”:}}

ولكنْ ما دمنا قد اتفقنا على أنّ الـ “ميني” سلاح خطير، فلا يحسُن أن نتعجَّب من تحريمه في عدد من البلدان. فقد أصدرت وزارة التعليم في طاجيكستان قبل بضعة أشهر تعميماً خاصاً يحدّد شكل ثياب التلميذات والطالبات. وتقضي هذه الوثيقة بمنع لبس تنورات الـ “ميني” والحلى الثمينة (من ذهب وألماس وفضة…) في المؤسسات التعليمية. ومن تخالف هذا التعميم تكون عرضة لعقوبات إدارية مختلفة تصل إلى حدِّ الطرد من المؤسسات التعليمية.

أمّا في جمهورية جنوب أفريقيا فقد تسبّبت تنورات الـ “ميني” بتظاهرة نسائية حاشدة. فقد ارتدت النساء الغاضبات هذا الزيّ ومضين صفاً متصلاً حتى وصلن المحطة المركزية لسيارات الأجرة في العاصمة جوهانسبرغ، وكانت قد تعرضت في تلك المحطة امرأة تلبس الـ “ميني” لاعتداء وتحرّش جنسيّ من قبل سائقي التكسي الذين اعتبروها غير محتشمة في اللباس.

وفي أوغندا مُنِع لبس الـ “ميني” بعد أن بيَّنت الإحصاءات للشرطة أن أكثر من نصف حوادث الطرق وقع بسبب النساء اللاتي يرتدين ثياباً قصيرة. علماً بأنه ليس واضحاً ذنْب الحسناوات في ذلك ما دام السائقون لا ينظرون إلى حيث ينبغي لهم كسائقين. والأمر نفسه في اليونان، وجورجيا، والإمارات العربية المتحدة وكثير من الدول الأخرى في الشرق.

ويوجد في روسيا أيضاً بعض المسؤولين المتشددين في نظرتهم إلى المرأة. فلا يُسمَح للنساء في الـ “ميني” بتخطي عتبة بعض المصانع في مدينة تولا. وقد اتُّخِذ في مقاطعة كاليننغراد قرار يقضي بفرض رقابة مشددة على طول تنورات النساء العاملات في إدارة المقاطعة. ويعزو نائب محافظ هذه المقاطعة أليغ شليكا السبب إلى: “خفّة في المزاج تعيق العمل… ولا حاجة للتبختر في أزياء فاضحة عندما يكون المطلوب هو وضع قوانين تهم المقاطعة”.

وممنوع لبس الـ “ميني” حتى في مكاتب القوات الجوية. بعضهم يرى هذا اللباس غير محتشم، وآخرون يرون أنه لباس غير عملي يعطِّل عن العمل. ولكن النتيجة واحدة…

فلا تنسينَ، أيتها العزيزات، أن من يضع هذه التحريمات هم حسّادكنّ. وإذا كان ممنوعاً لبس الـ “ميني” فما عليكنّ إلا أن تلبسن الـ “ماكسي” الضيق المشقوق عالياً. وعندها لن يكون للرجال مفرّ من الانتباه إليكنّ. وفي نهاية المطاف ليست إثارتكن الجنسية كامنة في شكل الثياب بقدْر ما هي كامنة في عيونكن الزرقاء، وفي رشاقة حركاتكن، وتنوعِ نغمات أصواتكن. كلا، فهم في جميع الأحوال، أيتها العزيزات، لن يصمدوا أمامكن! ولا أهمية للثياب التي تلبسنها، وهل تلبسن أم لا…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق