نص اسرائيلي ظـــلــــمــــة أخــــلاقـــــيـــــــة

بقلم: جدعون ليفي

(صحافي عضو في هيئة التحرير في صحيفة “هآرتس” – ناطق سابق باسم شيمون بيريس)

تُطفأ الأنوار الأخيرة الواحد تلو الآخر، وتحل ظلمة أخلاقية علينا بينما نقف عند حافة هاوية. الأسبوع الماضي، أُطفئت ثلاثة أنوار إضافية. لم يشجب تقرير فينوغراد بوضوح واقع أن إسرائيل شنت حرباً عقيمة؛ وأجازت المحكمة العليا العقاب الجماعي؛ واستنتج المدعي العام أن مقتل 12 مواطناً إسرائيلياً وشخص من الأراضي لا يستدعي محاكمة. الحارسة الأخيرة للانضباط والنظام، منارات العدالة والقانون، تتصالح مع أشكال الظلم الأكثر خطورة من جانب مؤسسات السلطة، ولا أحد يتفوّه بكلمة واحدة حول الموضوع. لقد رسمت المحصّلة المحبطة والمقلقة لأسبوع واحد، الصورة الأخلاقية للبلاد.

كما كان متوقعاً، فقدت لجنة فينوغراد مغزاها. فقد تفادت التعاطي مع السؤال الأول الذي كان يجب أن يرد على جدول أعمالها: هل كان هناك مبرّر لخوض الحرب؟ اللجنة التي لا تقول شيئاً عن بلد يعلن الحرب على جاره ويقتل ألفاً من مواطنيه ويسبّب دماراً شاملاً ويستخدم ذخائر مروّعة ولا يزال يقتل عشرات الأبرياء حتى يومنا هذا – هي لجنة مقصِّرة في أداء واجبها.

إذا لم تبحث اللجنة في هذه المسائل الأساسية، فمن سيفعل؟ فضحت ملاحظة واحدة غير مباشرة اللعبة: “لا نستنتج، ولم نستنتج أن قرار خوض الحرب بعد اختطاف [الجنديَّين في الاحتياطي] لم يكن مبرّراً”. حسناً، ماذا استنتجت؟ على الرغم مما قالته، هذا هو في الواقع ما نفهمه: من المشروع في نظر اللجنة أن نخوض حرباً بسبب جنديَّين مخطوفَين. من المشروع استعمال أداة الحرب وممارسة القتل العشوائي، واللجوء إلى القصف والتدمير بطريقة غير متكافئة – فهذا كله هو الردّ الأول المفضّل. لا مفاوضات، لا عملية عسكرية محدودة – حرب وحسب – وانطلاقاً من أسباب مثيرة جداً للشكوك، وبالتأكيد مع نتائج مثيرة جداً للشفقة. ولا كلمة واحدة عن القتل والدمار اللذين تسبّبنا بهما عبثاً. تصرّفت اللجنة التي بدت مرموقة وكأنها مكتب استعلامات عام، ودعمت ما وصفه كثر حول العالم بأنه جرائم حرب. لقد أُهدِرت فرصة ذهبية لقول شيء أخلاقي عن لغة القوة التي نتحمّس دائماً لاستعمالها. وهكذا فإن لجنة فينوغراد هي هيئة تفتقر إلى العمود الفقري الأخلاقي، وقد تفادت حسم مسائل مهمة.

في اليوم الذي أصدرت فيه تلك اللجنة تقريرها الختامي، أجازت المحكمة العليا، المؤسسة عينها التي تتركّز عليها كل الأنظار وتدور معركة ضارية ومستمرة حول تأثيرها، علّة أخرى في الجهاز. فقد حكمت هيئة قضاة برئاسة رئيسة المحكمة العليا دوريت بينيش، بأنه يحق لإسرائيل أن تحد من إمدادات الكهرباء والبنزين والديزل لقطاع غزة “لأنه حتى هذه الكميات المخفَّضة تكفي لتلبية الحاجات الإنسانية”.

من الصعب أن نحدّد ما هي “الحاجات الإنسانية” في نظر بينيش، لكن في قطاع غزة، يطالب مليون وخمسمئة ألف شخص بالوقود والمياه والكهرباء. من العدل أن نسأل رئيسة المحكمة العليا: هل رأت مشاهد البؤس في قطاع غزة؟ هل رأت الناس البؤساء هناك يحملون غالونات وقود أحضروها من مصر؟ هل فكّرت في البرد الذي لا يمكن مقاومته من دون كهرباء أو وقود؟ هل فكّرت جدياً في ما يحل بالأولاد والمرضى والشيوخ من دون هذه الحاجيات الضرورية؟ جميعهم أبرياء.

لكن خطورة قرار المحكمة العليا لا تقتصر على المستوى الإنساني: فالمحكمة تجيز العقاب الجماعي الذي يحظّره القانون الدولي (المادة 33 من اتفاقية جنيف). وبناءً عليه، لن تتمكّن إسرائيل بعد الآن من التشكّي من الهجمات على الأبرياء في الداخل: إذا كان كل سكان قطاع غزة يستحقّون العقاب بسبب صواريخ القسام، فربما يستحق كل الإسرائيليين العقاب بسبب الاحتلال؟

أعلنت المحكمة العليا بأسلوب واعظ منافق مثل ناطق منخفض الرتبة باسم وزارة الخارجية “هذا هو الفارق بين إسرائيل، الديموقراطية التي تناضل من أجل حياتها في إطار القانون، والمنظمات الإرهابية التي تحارب ضدّها”.

“بحسب القانون؟” أي قانون. بالتأكيد ليس القانون الدولي. “إسرائيل تناضل من أجل حياتها؟” وربما يخوض الفلسطينيون حرباً ليست أقل تبريراً، ضد الاحتلال والسجن؟ لم يكن هذا كله وارداً على جدول أعمال اللجنة.

أخيراً وليس آخراً: المدعي العام مناحيم مزوز. قُتِل 12 مواطناً وشخص من الأراضي على يد الشرطة، وقد اعتبر مزوز أنه لا فائدة من فتح تحقيق جنائي في هذه المرحلة المتأخّرة (قرّر الادّعاء العام عند وقوع الحادث إرجاء التحقيق حتى تُنجز لجنة أور عملها). لماذا لا تحكم المحكمة في القضية؟ كل الأعذار، بما فيها إلقاء اللوم على عائلات الضحايا التي لم تسمح بتشريح الجثث، لا تقضي أبداً على الشك المبني على أساس من الصحة: لو كان القتلى مواطنين يهوداً، لما حصل هذا؛ ما كانت الشرطة لتقتلهم وما كان المدعي العام ليغلق القضية.

بعد هذا كله، يشتكي الناس هنا من أن من يرغبون في العيش في بلد أكثر عدالة يُضطرّون إلى اللجوء إلى مؤسسات القانون الدولي. وإلى من يمكنهم أن يلجأوا؟ المحكمة العليا؟ فينوغراد؟ المدعي العام؟ لقد أطفئت أنوارهم كلها.

—-

عن “هآرتس”

نشر بالعرية في جريدة النهار في 6/2/2008

ترجمة نسرين ناضر

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق