نظرة إيديولوجية في خلفيّات التخلّف العلمي العربي / كرم الحلو

بعد نحو قرن ونصف من بدايات النهضة العربية الحديثة، يمكن القول بحدوث تقدّم نسبي في النظم المجتمعية والبنية التحتية والنظم الخدمية، ولكن بقي مجال واحد سقط تماماً من خريطة هذا التقدّم النسبي في مسيرة النهضة، هو العلم. فطوال تلك المدة لم تنتج المجتمعات العربية، باستقلال عن الغرب، ابتكاراً علمياً واحداً، ولا عالماً بارزاً واحداً، ولا تطبيقاً تكنولوجياً عالمياً واحداً، أو حتى منتجاً صناعياً جديداً بشكل تام. كل الإنجازات العلمية العربية شديدة المحدودية، تمت إما بواسطة علماء مهاجرين في الغرب، أو باستيراد منظومات غربية بشكل متكامل. باختصار، كل ما يعتمد على الفكر العلمي قد حقق في هذه الفترة فشلاً كاملاً حيث أظهر الفرد العربي والمجتمعات العربية رفضاً كاملاً للعلم، سواء على مستوى السلوك الخاص أو العام، وسواء على مستوى المثقف أو حتى المتخصّص في العلوم.

يرى سمير أبو زيد في «العلم والنظرة العربية الى العالم» أن العائق الحقيقي لتقبل المجتمعات العربية الحديثة والمعاصرة للعلم، هو «نظرة هذه المجتمعات الى العالم». الفرد العربي يرفض العلم، لا لشيء، إلا لأن «نظرة المجتمعات العربية الى العالم» ترفض العلم. فكيف السبيل إذاً لإعادة الاتفاق بين النظرة العربية والعلم؟

هذا هو السؤال المركزي الذي حاول المؤلف الإجابة عنه من أجل التأسيس العلمي للنهضة العربية، انطلاقاً من أن أي نهضة حضارية لأي مجتمع يجب أن تبنى على «أسس فكرية» يشترك في تحقيقها ويتبنّاها أفراد ذلك المجتمع. واستناداً الى فرضية أساسية قوامها أن الجهود التي بذلت في فكر النهضة العربية الحديثة لتأسيس العلم في المجتمعات العربية باءت بالفشل لأن العلم السائد في مرحلة النهضة كان «العلم الحتمي الميكانيكي» الذي يتناقض مع النظرة العربية الى العالم.

لعملية التأسيس في رأي المؤلف شروط، باستخلاصها من التجربة الأوروبية، يمكن تحديد عوامل النقص التي أدت الى فشل عملية التحول الى العلمية في عصر النهضة العربية، كما يمكن تحديد الشروط الضرورية لإنجاح المحاولات العربية الراهنة.

في هذه العملية يبرز مفهوم «الاتساق» باعتباره المفهوم الجوهري في «النظرة الى العالم». فإذا كان لكل إنسان أو لكل ثقافة نظرة الى العالم، فإن هذه النظرة يجب أن تكون متسقة مع ذاتها ومع العالم الواقعي. من هنا فإن نجاح الحضارة العربية الإسلامية القديمة في العالم القديم كان بسبب «الاتساق» مع الذات ومع العالم. كما أن توقف هذه الحضارة عن التقدّم العلمي، كان بسبب تحوّل طرأ على طبيعة العلم أدى الى «عدم الاتساق» بينها وبين العلم. وكذلك تمكن الفكر الأوروبي الحديث من تأسيس العلم الجديد في أوروبا بالعصر الوسيط بسبب نجاحه في تحقيق «الاتساق» بين نظرة المجتمعات الأوروبية الى العالم والعلم الحديث. وظهور العلم المعاصر في أوروبا، فيما بعد، جاء نتيجة عدم الاتساق بين نظرة المجتمعات الأوروبية المعاصرة والعلم الحديث.

وهكذا يمكن تفسير الظواهر التاريخية كافة لجهة نشأة العلم وسقوطه، سواء في المجتمعات العربية أو في المجتمعات الأوروبية، قديماً وحديثاً، من خلال مقولة «الاتساق» بين العلم وبين نظرة أي مجتمع من المجتمعات الى العالم. وتتكوّن هذه النظرة من تصورات هذا المجتمع للموجودات أولاً، وتصوراته لأسلوب المعرفة ثانياً، وتصوراته ثالثاً للقيم المجتمعية التي تحدّد كيفية عمله في المجتمع.

أما النظرة العربية الإسلامية فتتكوّن من عناصر اعتقادية تتمثل أولاً في اعتبار العقل الأداة الأساسية للمعرفة، وبكونه مطالباً بالرد على أسئلتها، وثانياً في اعتبار المعرفة العلمية عملاً أخلاقياً وواجباً دينياً يقرّب الإنسان من الخالق، وثالثاً في أن الإنسان محكوم بالمبادئ الأخلاقية المنزلة وأنه يملك حرية الاختيار مع خضوعه في الوقت نفسه لقوانين الطبيعة، ورابعاً في الإيمان بمبدأ التطور والتقدّم العلميين في حدود الأخلاق.

التأسيس العلمي للنهضة ليس، في رأي المؤلف، مجرد تحقيق إنجازات بحثية علمية وتكنولوجية، ولا إنشاء منظمات علمية في المجتمع، وإنما تحوّل فكر المجتمع كله أو غالبيته نحو تصورات علمية من شأنها أن تجعل تحقيق هذه الإنجازات أمراً طبيعياً.

بهذه النظرة الإيديولوجية جهد المؤلف من خلال كتابه أولاً الى محاولة إزالة أحد عوائق التحول الى العلمية في العالم العربي، وهو عدم الاتساق بين النظرة العربية والعلم. وثانياً محاولة وضع الشروط الصحيحة في نظره، للتحول الى العلمية في أرض الواقع. ومن أجل ذلك لا بد من الاعتماد على نموذج من التراث حتى تنجح عملية التأسيس من دون أن يعني ذلك أن النموذج المختار يمتلك فكراً معاصراً.

على هذا الأساس، ذهب المؤلف الى أن منهج الشيخ عبدالقادر الجرجاني قد حقق الاتساق المطلوب بين الفكر والعلم وضرب لنا المثل في الأسلوب الأمثل لمعالجة مشكلة عدم الاتساق، بطرحه التعامل المباشر مع القضايا العلمية انطلاقاً من نظرة الذات الإسلامية. وهذا هو النموذج العملي، القائم في الواقع، للمنهج العلمي الذي يهدف المؤلف الى تأسيسه في الفكر العربي.

في المحصلة نرى أن المؤلف، وإن كان قد أضاء بكتابه على جوانب أساسية لجهة الإنجاز العلمي والعوامل التي تسهم في تقدمه في مجتمع ما وتؤدي الى تقهقره وتراجعه في مجتمع آخر، ما يؤسس لبحث جدي وعلمي في إخفاق النهضة العربية وعثارها المزمن. إلا أن الكتاب، على الرغم من ذلك، يكرّر المحاولات التوفيقية التاريخية في الفكر العربي وبشكل أقل إبداعاً وعبقرية من الأسلاف. وهو كذلك لم يُضف ما يشكّل تحولاً ذا شأن في طرح مسألة الإخفاق النهضوي العربي، فضلاً عن أنه يعاني هفوات غير هيّنات لجهة المنهج واللغة، الأمر الذي يطرح تساؤلات كبرى على هامش القضايا التي أثارها. فهل العودة الى منهج الشيخ عبدالقادر الجرجاني كفيلة بحل الإشكال النهضوي العربي المزمن؟ وهل يعود إخفاق النهضة العربية فعلاً الى نظرة العرب الى العالم؟ وهل للعرب نظرة واحدة موحدة الى العلم وإلى العالم؟ أليس ثمة أسباب اقتصادية وسياسية واجتماعية تقف وراء التقدّم العلمي، وبالتالي تغيّر النظرة الى العلم وإلى العالم؟ هل تقدّم الغرب وأنجز ما أنجز بفعل نظرته الى العالم أم أن هناك تحولات اقتصادية وإنتاجية وسياسية أفسحت في المجال أمام ذلك التقدّم؟ وإذا كانت النظرة الى العالم هي أساس التقدّم العلمي، فلماذا تبدّلت نظرة الغربيين وواكبت التطور في حين بقيت النظرة العربية على ما هي عليه؟ أليس في ذلك ما يتفق مع التفسيرات الاستشراقية المتحيّزة التي حكمت على الفكر العربي بالتقهقر والجمود الأبديين؟

هذه الأسئلة وغيرها لا نعثر لها على أجوبة لدى المؤلف.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق