نظرة على المنظمات والجمعيات النسائية في سورية(1/2)


 

 

لا ينصّ الدستور السّوريّ صراحة على المساواة بين المرأة والرجل، ولكنّ المادّة 25 منه تنصّ على أنّ “المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات”. أمّا المادة 45 فتكتفي بالقول ” تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطوّرها ومشاركتها في بناء المجتمع العربيّ الاشتراكيّ.”  بينما تقول المادّة 44: 


“1- الأسرة هي خليّة المجتمع الأساسية وتحميها الدّولة.


2 – تحمي الدولة الزواج وتشجّع عليه وتعمل على إزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه وتحمي الأمومة والطفولة وترعى النشء والشباب وتوفّر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم.”



ولكنّ الممارسة السياسية تشير إلى شكل من المساواة بين الجنسين، نظريا على الأقلّ. فأحد نائبي الرئيس السوريّ سيّدة، وكذلك مستشارتاه للشؤون السياسية والإعلامية وللشؤون الثقافية. وثمّة وزيرتان في الحكومة السورية، وثلاثون امرأة في مجلس الشعب، (1)  كما تشغل النساء مناصب في قيادة حزب البعث وفي القضاء والتعليم الجامعيّ، وفي سلك المحاماة(2).  وترأس أحد أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة  امرأة (3).


وشجّع حزب البعث الذي يحكم سورية منذ عام 1963على تحقيق شكل من أشكال المساواة بين الجنسين. وفي السبعينات كان يتمّ تجنيد النساء في القوات المسلحة على نطاق واسع. وتشكّل النساء نحو خمس العاملين في الحكومة، لكنّ معظمهنّ يعملن في وظائف كتابية وإدارية. وترأس الهيئة السورية لشؤون الأسرة سيّدة بمرتبة وزير. وبلغ عدد السفيرات السوريات في الخارج بين عامي 2000 و2005 خمس سفيرات، أي ما نسبته 11% من سفراء سورية في الخارج.



وفازت المرأة أيضا بنسبة ضئيلة جدا في الانتخابات البلدية لم تتعدّ3% من المقاعد، وهي تسهم في الاقتصاد الوطني، وتخرج أكثر فأكثر إلى سوق العمل. ووفقا لإحصائيات هيئة تخطيط الدولة السورية، فإنّ 35% من النساء هن نساء عاملات. 



وصادقت سورية على بعض الاتفاقيات الدولية ذات الصلة  بموضوع المرأة كاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الطفل. ومنها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة (سيداو)، ولكنها تحفّظت على بعض البنود التي رأت أنها تتناقض مع الشريعة الإسلامية. ومن بين المواد التي تمّ التحفّظ عليها المادة /2/ والمادة /9/ الفقرة الثانية التي تمنح المرأة حقّ منح الأطفال جنسيتها، والمادة /15/ الفقرة الرابعة التي تقر بحق المرأة بحرية التنقل والسكن، والمادة /16/ البند الأول الفقرات (ج-د-و-ز) المتعلقة بالمساواة في الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه فيما يخصّ الولاية والنسب والنفقة والتبنّي والمادة /16/ البند الثاني حول الأثر القانوني لخطوبة الطفل أو زواجه لتعارضها مع أحكام الشريعة الإسلامية وكذلك على المادة /29/ الفقرة الأولى المتعلقة بالتحكيم بين الدول في حال حصول نزاع بينها. 



ويحتجّ مناصرو تمكين المرأة وحماية حقوقها على أنّ هذه التحفّظات تعني تأكيد الذكورة السورية على أنّ المرأة السورية هي “ناقصة عقل ودين” (وفق المثل الذكوري الشائع)، وخادمة وتابعة للذكر السوري، لذلك لا يحق لها الحصول على: “حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة، عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى في البلد، من أيّ عمل تمييزي” (4).



ويسير المجتمع السوري أكثر فأكثر نحو التديّن وهيمنة الفكر الإسلاميّ على مناحي الحياة السياسية والاجتماعية. ويشنّ رجال الدين الذين يتمتّعون بدعم من الحكومة السورية حملات منظمة على اتفاقية سيداو. ومن بينهم الشيخ المعروف بنفوذه القويّ في الأوساط الأكثر محافظة في سورية، محمد سعيد رمضان البوطي، الذي هاجم مؤخّرا اتفاقية سيداو باعتبارها ” مؤامرة حاكتها الصهيونية العالمية” وطالب المجتمع الإسلاميّ بالتصدّي لهذه الاتفاقية ومحاربتها.


ويؤدّي النفوذ المتزايد لرجال الدين في سورية إلى الحدّ من مقدرة المرأة على دخول مجال الحياة العامة والتقدّم بمطالب سياسية. وعلى سبيل المثال، فإنّ انتخابات 2007 أسفرت عن سقوط كلّ المرشحات اللواتي تقدّمن بترشيح أنفسهنّ بشكل مستقلّ، حيث لم تفز في الانتخابات أيّ امرأة من المرشّحات المستقلات اللواتي رشّحن أنفسهن  لعضوية البرلمان، بينما فازت النساء الثلاثون على قائمة الجبهة الوطنية الحاكمة، التي يعتبر فوز أعضائها نوعا من التزكية.



وتحدّد الشريعة الإسلامية الأحوال الشخصية للمرأة في سورية- كما في معظم الدول العربية والإسلامية. وتمّ إصلاح عدة قوانين مدنية في السنوات الثلاثين الماضية بهدف تحقيق المساواة بين الذكور والإناث. ولكنّ العديد من هذه الإصلاحات لم تطبّق لأنّ التقاليد الاجتماعية تمنع تطبيق القوانين التشريعية أو الوضعية. وفي أعقاب مؤتمر بكين شكّلت الحكومة “اللجنة الوطنية لمتابعة شؤون المرأة ما بعد بكين”. وتتولّى هذه اللجنة إعداد تقارير للأمم المتحدة حول تقدم سورية نحو المساواة بين الجنسين، وترفع التوصيات إلى الحكومة السورية حول هذه المسألة. ولاحظت هذه اللجنة ضرورة العمل على تنفيذ أفضل للإصلاحات التي تمّ تدوينها قانونيا.



وكانت آخر أمثلة خضوع السلطة السورية للسلطة الدينية، قرار مجلس الشعب السوري بتثبيت التحفّظات السورية على اتفاقية سيداو. فلم تكد تمرّ أيام على “الملتقى الوطني حول جرائم الشرف”، والذي خلق جوّا من الارتياح بين السوريين المهتمين بقضايا المساواة ومسائل حقوق المرأة والمواطنة والإنسان حتى قرر البرلمان السوريّ وبالإجماع التحفّظات الواردة بالمرسوم 330 على اتفاقية مناهضة كافّة أشكال العنف ضدّ المرأة “سيداو”.



لقد شكّل هذا القرار مفاجأة غير متوقّعة، إذ أنّه جاء بعد أسابيع من إعلان عدد من أعضاء المجلس أنهم سوف يقدّمون مشروع قرار يعطي المرأة السورية حقّها في منح الجنسية لأبنائها. وأثار نشر الخبر في الصحف السورية عاصفة من الاحتجاج بين المنظمات النسائية السورية ومناصري قضية المرأة بشكل عام. والاستياء ناتج أساسا من أن يصدر المجلس “بالإجماع” قرارا يؤكّد على رفض التحفظات وبين أعضائه ثلاثون سيّدة وعدد من الرجال الذين لا يخفون تأييدهم لحقوق المرأة. 



الجمعيات والمنظمات النسائية



تعتبر سوريا واحدة من أوائل الدول العربية التي شهدت نشاطا نسويا طليعيا منظما. وتعود طلائع الحركات النسوية إلى مطالع القرن الفائت، “متأثرة بالخطاب النهضويّ العربيّ وبتوفّر الفرص لمجموعة من السيّدات اللواتي تلقّين قسطا كافيا من التعليم، مثل ماري العجمي صاحبة أوّل صحيفة نسائية، وعادلة بيهم، ونازك العابد، وثريا الحافظ.” ويعود تأسيس أوّل اتّحاد نسائيّ عربيّ إلى عام 1933، وترأّسته سيّدة سورية، عادلة بيهم الجزائري رئيسة الوفد السوري. ودعم الرجال المستنيرون حركة تحرّر المرأة السورية، فحين قامت مسيرة نسائية بزعامة ثريا الحافظ لرفض الحجاب، قام بعض الشباب الجامعيين بحماية المسيرة. ودعّم الكتاب والمثقفون أيضا حركة تحرّر المرأة، وكانت المطالبة بحقّ النساء في الانتخاب الشغل الشاغل لهذه الحركة بعد الاستقلال وحصلت المرأة على هذا الحقّ بالفعل في عام 1949. وقبل ذلك بعام كانت النساء الشيوعيات وصديقاتهن قد أسّسن رابطة النساء السوريات لحماية الأمومة والطفولة.



الاتحاد النسائي


الاتحاد النسائي هو المنظمة المركزية بين المنظمات النسائية. وهو منظمة شبه حكومية، مثله في ذلك مثل اتحادات العمال والفلاحين والشبيبة والطلاب. وقد تأسس عام 1967 على يد ائتلاف من الجماعات النسائية السياسية والاجتماعية. والاتحاد منظمة تغطّي كافة أنحاء البلاد ولديه عدد كبير من العضوات الناشطات. ومع أنّ الاتحاد ليس جزءا من الحكومة على الصعيد الرسمي، إلا أنّ الدولة تقدّم له دعما كاملا. ونفّذ الاتحاد عددا من المشاريع التنموية في مجالي الطفولة المبكّرة والتعليم.



ويهدف الاتحاد، وفقا لأدبياته، إلى تحقيق مجموعة متكاملة من الأهداف التي تتصل بالمرأة ونشاطها ومكانتها. وفي مقدّمة هذه الأهداف “تنظيم طاقات المرأة وجهودها في العمل الجماعيّ الموحّد، وتعميق الوعي القومي لديها ورفع مستواها الثقافي وتنمية خبراتها لتتمكّن من الإسهام الفعّال في الحياة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية بما يحقّق إقامة المجتمع العربيّ المتوازن العادل في الحقوق والواجبات، والعمل على توفير الخدمات اللازمة للمرأة لتكون مطمئنة في المنزل وفي العمل، والاهتمام بالمرأة السورية خارج القطر وإقامة صلات تنظيمية معها، والعمل مع جماهير النساء والمنظمات النسائية في البلاد العربية من أجل تحرير المرأة العربية وإيجاد الوسائل العلمية والعملية الهادفة إلى خدمة قضية المرأة العربية، والتعاون مع المنظمات والحركات النسائية في العالم.”



ورغم أن الاتحاد يشكّل أداة رافدة للسلطة السورية وأجهزتها، فإنّ نشاطه في مجال الدفاع عن المرأة ليس سلبيا. وقام الاتحاد بتسهيل عمل المرأة وأنشأ رياض أطفال بأجور رمزية، وساهم في إدخال المرأة في مؤسسات الحكومة المختلفة. ولكنه صمت عن كثير من التجاوزات التي تتعرض لها المرأة، مثل جرائم الشرف وقانون الجنسية. ومع ذلك، فقد تحرّك مؤخرا، ربما تحت ضغط عضواته من جهة والتنافس القائم بينه وبين جمعيات نسائية غير حكومية مثل رابطة نساء سورية، إلى العمل في هذا المجال، وكان أبرز إنجازاته نشر دراسة بارزة عن العنف ضدّ المرأة، بتمويل من صندوق الأمم المتحدة لتنمية المرأة (يونيفيم). 



وقد وجدت الدراسة أنّ واحدة من بين كلّ أربع سيّدات متزوّجات تتعرّض للضرب عادة من زوجها أو أبيها. وتتزامن الدراسة أيضا مع نداءات لشنّ حملة لزيادة الوعي بهذه المشكلة. وتتمشّى نتائج المسح السوري على ما يبدو مع دراسات في مصر وبريطانيا والولايات المتحدة ولكنّ القائمين على الحملة قالوا إنها تفعل شيئا جديدا بجذب الانتباه لهذه القضية.



ووجدت الدراسة أنّ حجج اللجوء للعنف تتراوح بين إهمال الواجبات المنزلية ومحاصرة الزوج بأسئلة أكثر مما ينبغي. وقالت اقلّ من واحد في المائة من النساء اللائي شملهنّ الاستطلاع إنّهن تعرّضن للعنف من شخص غريب تماما. وقالت عضو في مجلس الشعب السوري إنّ تشجيع المرأة على الإبلاغ عن العنف من أفراد العائلة ليس سهلا، مضيفة “حسب القانون الرجل يسجن إذا اشتكت عليه المرأة ولكن عيب أن تشتكي في مجتمعنا وهي حالات نادرة أن يشتكي أفراد الأسرة على بعضهم البعض للشرطة”(5).



ويقدّر بعض الخبراء، وفقا للدراسة، أنّه تقع ما بين 200 و300 جريمة “شرف” في سوريا سنويا معظمها في المجتمعات الريفية أو البدوية. ويعني هذا أنّ نصف جرائم القتل التي ترتكب في سوريا سنويا ترتكب ضدّ نساء وباسم الشرف.
 



الهيئة السورية لشؤون الأسرة


الهيئة السورية لشؤون الأسرة هيئة حكومية تتبع لرئيس مجلس الوزراء، وتهدف إلى تمكين الأسرة للقيام بدورها “في سبيل بناء الإنسان القادر على تنمية الوطن”، كما تقول رئيس الهيئة السابقة منى غانم، ولا يقتصر ذلك على استثمار المال “وإنما يحتاج إلى استثمار الوقت العاطفة والرعاية. وقد أحدثت الهيئة السورية لشؤون الأسرة بالقانون42 لعام 2003 لكي تعمل مع ومن اجل تمكين الأسرة السورية وتحقيق المشاركة الفاعلة للأسرة في عملية التنمية. 



وقد لعبت الهيئة منذ تأسيسها وحتى اضطرار رئيستها السابقة منى غانم إلى الاستقالة دورا كبيرا في عملية تمكين المرأة وإبراز قضيتها باعتبارها إحدى القضايا المركزي في سورية. وكان لغانم أثر كبير، بسبب شخصيتها وعلاقاتها المؤثّرة، دور كبير في عمل الهيئة كمنظمة منبر أي كصلة وصل بين الحكومة والمجتمع المدنيّ وجميع الفاعلين المعنيين بشؤون الأسرة. 



وكانت غانم بخبرتها وذكائها تعلم أنّ الهيئة لن تسير بالأساليب البيروقراطية التي تسير مؤسسات الدولة عادة، فاعتمدت على فريق عمل من السيدات السوريات المجرّبات والعمليات وشديدات النشاط والتأثير بين نساء سورية اللواتي يحملن رؤية واضحة بخصوص الأسرة السورية وضرورة تطويرها على أساس المواطنة: أي في مواجهة العنف الممارس ضدّ المرأة والطفل فيها، وعلى أساس تأمين مستلزمات تمكين المرأة واشتراكها الفعال في مجتمعها، وكلّ ذلك على أساس ضرورة تأمين الحقوق المتساوية والواجبات المتساوية والفرص المتساوية مع الرجل لها. وبحجّة تطوير الكادر على أسس صحيحة، “تمّ إقصاء الكثيرات والكثيرين من ذوي الرؤيا واستبدالهم بـ”ذوي الشهادات” الذين لا يحملون أية رؤية لقضية الأسرة في سورية، اللهم إلا بعضهم الذي يحمل رؤية تقول بضرورة منع الأسرة السورية من الخروج من ظلام السيطرة الذكورية المطلقة إلى نور العدالة والمساواة!” (6). المشكلة كانت أنّ تلك السيدات لم يكن من حزب البعث الحاكم ولا مقرّبات للسلطة، بل إنّ معظمهنّ يأتين من رابطة النساء السوريات التي حلّتها الحكومة قبل فترة. وكان أن أدّى ذلك إلى انزعاج من قبل بعض الدوائر في الحكومة السورية، مما جعل غانم تضطرّ أوّلا إلى التخلّي عن فريق عملها، ومن ثمّ إلى الاستقالة (7).
 



 



مراجع وملاحظات:



1- أي ما نسبته 8.8 بالمائة، بينما كانت في الدور التشريعي الثاني (1973-1977) 3.1 بالمائة
2- نسبة النساء في القضاء يبلغ 13.4 بالمائة، وبين محامي الدولة 14.5 بالمائة.

3- وصال فرحة بكداش، الأمين العام لأحد فصيلي الحزب الشيوعي

4- راجع بسام القاضي، موقع نساء سورية

5-  سعاد بكور، رئيسة الاتحاد النسائي العام، نصف جرائم القتل في سوريا ضد النساء.. باسم الشرف، وكالة رويترز

6-  بسام القاضي، الهيئة السورية لشؤون الأسرة، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.. تمنعان ندوة حول مناهضة العنف ضد المرأة، موقع نساء سورية

7-  نفسه

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق