نعم للديمقراطية ولكن من أين نبدأ وكيف؟ / كرم الحلو

هل سيبقى العالم العربي مستعصيا على الديمقراطية؟ وهل ثمّة في تاريخه وفي بنيته السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية ما حال ويحول دون اندراجه في التحول الديمقراطي الذي يشهده العالم منذ نهايات القرن الماضي إلى الآن؟ وهل من سبيل إلى دمقرطته وكيف؟

أسئلة اشكالية توجه المنهج التحليلي لكتاب العربي صدّيقي حيث عمد المؤلف إلى اعادة نظر شاملة في الدمقرطة في بلدان العالم العربي في ضوء سؤالين مركزيين: أي طريق يجب أن تنتهجه الدمقرطة في المنطقة العربية؟ وهل المفاهيم التي تنتمي إلى مجموعة مصطلحات الديموقراطية الغربية تنطبق على البلدان العربية؟

في رأي المؤلف أن ما يميز حركة الدمقرطة العربية عودتها باستمرار إلى الأطر والمفاهيم النظرية الغربية، وأن التقليد الأكاديمي الغربي بخصوص الدمقرطة في العالم العربي ما يزال يتجاهل التطورات المحلية للمسألة، وقد يكون من السابق لأوانه الحديث عن مدرسة عربية في الدمقرطة التي ما تزال في بدايتها. فضلا عن ذلك لا نزال مستهلكين للنظريات والأيديولوجيات الغربية. وحدها «الاسلاموية» تمتلك رواية محلية أصلية، ومع أن ثمة قاسما مشتركا بين الديموقراطية والمفاهيم الاسلامية بخصوص الشورى والاجماع، ما زال يرى إلى الديموقراطية كأمر لا ينسجم والسياق العربي، وهي لا تزال عربية في المخاض وقيد الولادة وبحاجة إلى أرض صلبة تقف عليها.

ان قياس الديموقراطية بالاختبارالانتخابي وحده، أمر مشكوك في صدقيته، اذ لم تنجح الانتخابات في العالم العربي في زحزحة التفرد والاستئثار بالسلطة، وظلت سمة الاصلاحات السياسية العربية «انتخابات من دون ديموقراطية»، وهي وضعت في السلطة الأوتوقراطيين والمتعصبين ايديولوجيا والإثنيين.

ونظرا إلى انتفاء «وصفة» عالمية لتوسيع المشاركة وتقلص السلطوية، ذهب المؤلف إلى أن الانتقال التدريجي الميثاقي في مقابل التغيير الدرامي للنظام يبدو من حيث المبدأ أحد أفضل أشكال الانتقال المتاحة أمام العرب، ويمكن أن يقدم إلى الدول والمجتمعات العربية الوعد والأمل. أما محاولات لبرلة العالم العربي من فوق إلى تحت، ومن الخارج، فلم تؤد سوى إلى عمليات تجميلية متعثرة.

وتوقف المؤلف أمام ظاهرة الانتخابوية العربية 1998-2008. ففي حدود العام 2007 كانت ثلاثة بلدان خليجية قد أجرت انتخاباتها أول مرة في تاريخها، واستأنف بلد خليجي رابع انتخاباته بعد انقطاع ثلاثين سنة، وجرت انتخابات في كل من الجزائر والأردن والمغرب وسورية وانتخابات رئاسية في موريتانيا، وكذلك أخذت المبادرة الانتخابية طريقها إلى الوحدات السياسية الواقعة تحت الاحتلال في فلسطين وفي العراق. لكنها انتخابات لا تنتج ديموقراطية، ولا تشكل طريقا لتداول السلطة، وما هي الا «استبداد ملبرل» وأداة اضافية في عدة الحكام، أو قشرة ديموقراطية لمضمون غير ديموقراطي، بالاضافة إلى أن التطور الديموقراطي العربي ليس خطيا وهو يخضع للتقدم والتراجع حتى الانهيار في ما يمكن أن يفسّر بالفكرة الخلدونية في «الكر والفر«.

أما عملية الدمقرطة بواسطة الغزو على ما حصل في العراق، فقد كانت الأكثر لا شرعية وتكلفة وعنفا في التاريخ فضلا عن أنها هددت مستقبل البلد في الصميم.

ويدرس المؤلف محفزات الدمقرطة العربية في ضوء البنية التحتية للمجتمعات العربية المشكلة من «الخبزيين» اللاهثين وراء الرغيف و»الحيطيين» العاطلين عن العمل. فالأفكار التي يتضمنها هذان المصطلحان تقدم اطارا جديدا لفهم عملية اللبرلة تحت – فوق الجارية في الوطن العربي. فمن الملاحظ الدور المحفز الذي بات انحلال ديموقراطية الخبز يؤديه في معظم المخاض الديموقراطي العربي، فقد كانت المبادرات الديموقراطية الناتجة عن انتفاضتي الجزائر والأردن في الثمانينيات العامل الأكثر أهمية في اجبار نظامي البلدين على الدمقرطة. وسيظل التغيير السياسي في الوطن العربي على المدى القصير يتغذى من ظاهرة انتفاضات الخبز. كما أن ثورة الفضائيات والانترنت تقدم اليوم مواقع جديدة للنضالات المنطلقة من القاعدة، تحت – فوق، في مقابل الدمقرطة الموجهة، فوق تحت. فهذه الوسائل العصرية توسّع الامكانيات المتاحة لاضعاف الأوتوقراطيات العربية.

يخلص العربي صدّيقي أخيرا إلى أن ثمة ممارسات ديموقراطية عربية مضيئة في غير قطر عربي، لكن الأحزاب العربية مدعوة إلى المشاركة الانتخابية كما أن الأنظمة بدورها مطالبة بمواصلة اصلاح الممارسات الانتخابية. وفي هذا الاطار يجب انشاء بنك للبيانات والمعارف والمهارات بصدد الدمقرطة، كما يجب تأسيس مواثيق شرف ملزم لجميع الأطراف بالتقيد بنزاهة الأداء الانتخابي، وارساء قواعد لعبة ديموقراطية مبنية على تبادل الثقة بين الحكومات والمجتمعات.

في رؤية اجمالية نرى أن الكتاب يسهم في تسليط الضوء على اشكالية الدمقرطة العربية منذ الربع الأخير من القرن الماضي وبصورة شبه شاملة، طارحا تصورا واقعيا ومعقولا لامكانات التحول الديموقراطي في العالم العربي، الا أننا في المقابل نأخذ على المؤلف:

أ- طوباوية طرحه لجهة «مناشدة الأنظمة والمعارضة تليين مواقفهما والتناظر والتحاور مع مروجي الديموقراطية في الغرب، وتأسيس مواثيق شرف للممارسة الانتخابية تلزم الجميع، حكومات ومجتمعات بنزاهة الأداء الانتخابي. كأنما التحول الديموقراطي منوط بالتمنيات والنوايا الطيبة وليس مسألة صراع قوى ومصالح وتطور تاريخي في البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يمهد لهذا التحول.

ب- ضآلة الخلفية الايديولوجية للمؤلف وخياراته المحدودة في الرؤية إلى مأزق الدمقرطة العربية التي لم تأخذ في الحسبان عوامل ايديولوجية اساسية وفاعلة في المجتمعات العربية، كالبنية الاجتماعية الابوية والاثنية والعقل العربي وشكل تعامله مع المجتمع والانسان والكون.

ج ان الانتفاضات الجماهيرية التي يراهن عليها المؤلف، وان كانت ترغم الحكام على الاذعان للمطالب الشعبية، قد لا تؤول إلى دمقرطة فعلية للمجتمعات العربية، اذ هي في الغالب ذات خلفية اصولية رافضة للمبادئ المؤسسة للديمقراطية الحرية بكل اشكالها، المساواة، قبول الآخر فانتصار هذه الانتفاضات لا يؤدي حكماً إلى الدمقرطة، بل ربما قاد إلى تسلطية أشد قسوةً من الانظمة الراهنة.

د ان اي تحول ديموقراطي حقيقي لا يمكن الا أن يستلهم مبادئ ديموقراطية الغرب العلمانية، ما ليس متاحاً الآن في ظل الاصوليات المتيقظة والتهديد الصهيوني المتواصل للأمة العربية وبؤس الشريحة الاكبر من العرب.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل 13/3/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق