نقد “الثوابت” آراء في العنف والتمييز والمصادرة – رجاء بن سلامة

ولم أكن لأنشر هذه المقالات القصيرة المتواضعة في مجموع لولا هذا الضّيق، ضيق الصّدور بالحرّيّة والمساواة، ولولا محدوديّة جمهور الصّحافة الرّقميّة رغم انتشارها النّسبيّ لدى بعض الشّرائح الاجتماعيّة. ولم أكن لأنشرها لولا الضّياع الذي عليه شبّاننا وفتياتنا عندما يطرحون القضايا الرّاهنة، وعندما يتاح لي الاستماع إليهم في مقاعد الجامعة التّونسيّة،ألاحظ غربتهم وحيرتهم، وفقدانهم للحجّة، وقابليّتهم للتّأثّر بالأطروحات المناهضة للحرّيّة والمساواة والسّائدة في المنابر الإعلاميّة العربيّة، وقابليّتهم للتّأثّر بالحلول الآتية من الماضي في ظلّ أوضاعهم المادّيّة المتردّية، وتحت وطأة شبح البطالة والفقر الذي يهدّدهم.
المؤلفة

{{الناشر : رابطة العقلانيين العرب ودار الطليعة}}

{{تاريخ النشر : 2005}}

{{عدد الصفحات : 151}}

{{رجاء بن سلامة تمارس (نقد الثوابت) وتفكك (بنيان الفحولة)}}

{{إما أن ندفن موتانا أو نقلدهم في موتهم}}

{{كاظم جهاد / كاتب من العراق – السفير}}

رجاء بن سلامة أستاذة جامعيّة وناقدة ومنظّرة للكتابة من القطر التونسيّ الشقيق لم تكفّ نصوصها النقديّة والفكريّة عن إبهاري منذ أن تعرّفتُ على بعضها منشوراً في أعمال جماعيّة دأبت على نشرها جامعة منوبة للآداب بتونس. وبعد عدد من المقالات والدراسات المبثوثة في بطون المنشورات الجامعيّة راح عملها يتّسع وينتظم في مؤلّفات بالغة النّباهة شيّقة التأليف ما برحتْ مشاكل توزيع الكتاب العربيّ تحول للأسف دون وصولها إلى أكبر عدد ممكن من القرّاء.

في كتاب رجاء بن سلامة الأوّل، <<صمت البيان>>، الصّادر عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة في 1998، تجد حفنة من موضوعات جاحظيّة وتراثيّة تعيد هي طرقها من خلال السيميائيّات الحديثة وفلسفة دريدا في الكتابة، منها <<مبدئيّة الصمت وسلبيّة اللسان>>، و<<الكتمان والإظهار>> في الشعر، و<<غراب البَين>> في المتون الشعريّة القديمة، و<<مرجعيّة الخبَر الموضوع>>، وصورة <<البكّاءة المتغزّلة>> في أشعار النساء في الأدب العربيّ القديم. وفي جميع هذه الدراسات تسعى الناقدة وقارئة الموروث إلى البحث عن المخفيّ والمسكوت عنه الذي يشكّل بالأحرى محرّكاً أوّل للكتابة. ففيما تؤوّل، مثلاً، خبر موت عمر بن أبي ربيعة كما جاء في كتاب <<الأغاني>> ومصنّفات للأخبار أخرى تراها تتقصّى ما يعتمل في رواياته المتعدّدة أو يكمن وراءها من استيهامات جماعيّة وتعويضات رمزيّة. وإذ تتوقّف عند الشعر النسائيّ القديم تستنطق البكاء والغزل باعتبارهما الوظيفتين الوحيدتين اللتين كان مؤرّخو الشعر العربيّ القديم ونقّاده يقرّون بهما للنساء الشواعر.

وفي كتابها الثاني، <<الموت وطقوسه من خلال صحيحَي البخاريّ ومسلم>> (منشورات دار الجنوب، تونس، 1999)، ترجع إلى السنّة تقرأها أنثروبولوجيّاً ونصوصيّاً لتخرج منها بموقف إسلاميّ ناضج من الموت وبطقوسيّة كاملة تتعهّد بعمل الحِداد وتهب الجنازة مكانها اللائق بين الأحياء بما يتيح تكريم الميت من جهة وتمكين الحياة من مواصلة سيرورتها السرمديّة من جهة أخرى.

عبر هذين العملين الوجيزين وجملة مقالات منشورة في المجلاّت الأكاديمية والمؤلّفات الجماعيّة أعربت بن سلامة عن مرونة عالية في القراءة النقديّة بلغت ذروتها في عملها الضخم الصادر عن دار الجمل بألمانيا قبل عامين، في ستمئة وأربعين صفحة من القطع الكبير، تحت عنوان <<العشق والكتابة>>. هو أثر ضخم تعبّئ فيه معرفتها العميقة لمناهج النقد الأدبيّ الحديث ولتفكيكيّة دريدا ولنظريّات جاك لاكان في التحليل النفسيّ لتعيد اكتشاف أواليّات كتابة العشق في الشعر والنثر العربيّين القديمَين، مبيّنةً كيف تتضافر دوالّ معيّنة لإنتاج سياقات نصّية تخترق الحقَب والتيّارات وتنشئ فينومولوجيا لكتابة العشق ندرَ أن وقف عليها ناقد مفكّر بهذه الدرجة من الإحاطة والدقّة. هذا كلّه يدفعنا إلى دعوة جميع المعنيّين بالشعر والنقد وأمور الكتابة والإنشاء النصّي بعامّة إلى المسارعة إلى التزوّد من مناهل هذا السّفْر العجيب والاحتفاء بكشوفه الباهرة.

واليومَ، تطلع علينا رجاء بن سلامة بكتابين أساسيّين هما أيضاً في اعتقادنا، يكمل أحدهما الآخر ويتضافر معه، على ما بينهما من اختلاف في الأداء وطبيعة الكتابة. تنوّع الكاتبة هنا موضوعات بحثها، لكنّ دأب التعمق والاجتهاد وطراوة اللغة وخصوبة المفاهيم يظلّ هو نفسه. الكتاب الأوّل، الصادر حديثاً في منشورات دار الطليعة ببيروت تحت عنوان <<نقد الثوابت آراء في العنف والتمييز والمصادرة>>، يضمّ مجموعة من الكتابات الموجزة نشرتْ في الصحافة الورقيّة والألكترونيّة، تجمع بين لغة السّجال النقديّ والاحتجاج الفكريّ والسياسيّ، وتوائم بين تقنيات المقالة و<<المانيفستو>> أو البيان الاستنكاريّ. وبالتزامن معه تنشر الكاتبة مؤلَّفاً آخر عنوانه <<بنيان الفحولة أبحاث في المذكّر والمؤنّث>>، صدر منذ أسابيع عن دار بترا للنشر والتوزيع في دمشق. ولئن كان المِؤلَّف الأخير يلتقي مع الأوّل في مجالات اهتمامه وطبيعة موضوعاته، فهو يمتاز عنه بكونه يضمّ مجموعة دراسات متأنيّة تطلق الكاتبة فيها العنان بوضوح أكبر لمراسها التحليليّ وتعرب عن قدرتها على تجذير المفاهيم وترصّد أصول الظواهر وانعقاد الأنساق الاجتماعيّة والسياسيّة والفكريّة. هكذا ترينا في الكتابَين، وفقَ سرعاتٍ للتفكير والأداء البيانيّ متباينة عن قصد وتمليها مقتضيات خطابيّة أو إستراتيجيّات كتابة، ترينا أنّ كلّ شيء، من تهميش المرأة في الفضاء العربي الإسلاميّ إلى الفوضى الظاهريّة للحركات الأصوليّة الترهيبيّة والإرهابيّة، إنّما يظلّ مندرجاً في تراث وينطلق من خطاب تسويغيّ يمدّه بالحاجة ويسبغ عليه فاعليّة وقوّة. وتفكيك البنيات والمقولات الدّاعمة لهذين التراث والخطاب هو ما سعت إليه الكاتبة في دراساتها هذه.

وقد تقتضي الضرورة أن أتقدّم بإيضاح إضافيّ لما دعوتُه بقدرة الكاتبة على تنويع أواليّات بلاغتها وأدائيّات خطابها بما يتلاءم واختلاف سُرعات الكتابة أو وتائرها. ففي المقالات الموجزة والبيانات الفكريّة تراها تلجأ إلى الصيغ النافذة والمفهومات السريعة الأثر، وتثبت قدرة واضحة على تكثيف مسائل فقهية وحجاجيّة وفلسفيّة كان سواها سيزيدها تعقيداً وإطالة. وفي الأبحاث المطوّلة، تستنفر ببالغ الهدوء والتحكّم معارف لغوية وتاريخية وقضائية ودينية وفلسفية وتحليلنفسيّة تبين عبرها عن الالتواء الفكريّ والحيف التاريخيّ الذي تقوم عليه الممارسات التي تخضعها هي للتفكيك والنقد. وإذا بالتحريم أو التجريم الذي يتمتّع في نظر ممارسيه ببساطة العُرف أو ببداهة القانون الطبيعيّ إنّما تكافلت لإرسائه ترسانة من الأحكام الفقهيّة والتراكمات البلاغية والأدبيّة انتهت إلى تأسيس بنيان متمترس ومنيع. لكنْ، وكما تقول الكاتبة، ما من بنيان مرصوص بصورة مبرمة ونهائيّة، وهذه المقولة تشجّعها على البحث، بمثل هذا العناد المنهجيّ الإستثنائيّ، عن ثغرات الخطاب التقليديّ تخرج هي على الملأ بالتباساته الصارخة ومغالطاته التأسيسيّة.

{{ردم الهوّة بين دائرتين}}

في كتابها <<نقد الثوابت آراء في العنف والتمييز والمصادرة>>، تصرّح الكاتبة بادئ ذي بدء بانطلاقها من الإحساس بالحاجة إلى نقد الثوابت أو المقدّسات التي يقوم عليها الخطاب العربيّ الإسلاميّ في أغلب نماذجه. ثوابت يتمّ التأكيد عليها في الخطاب الدينيّ وغير الدينيّ تأكيداً رادعاً يمنع من تجاوزها ويحيلها إلى <<مخزون ثقافي>> ينتصب على هيأة سلطة تراكميّة تلفظ خارجَها كلّ ما يتنافى وإيّاًها ويهدّد بزعزعتها. ومع أنّ وسائل الإعلام الجديدة من فضائيّات وشبكات <<أنترنيت>> تفتح <<مجالاً غير مسبوق من حريّة التعبير لا تتيحه في الغالب الصحافة الورقيّة>>، فإنّ الخطاب التقليديّ تمكّن من الاستحواذ عليها وصار يجد فيها فضاء مثاليّاً لتأكيد الثوابت والمقدّسات وتكرار المخزون، تأكيداً هو مزيج من الترغيب والترهيب غير مسبوق أيضاً.

ولا تخفي الكاتبة أنّ وراء مشروعها النقديّ والفكريّ هذا نيّة في ردم الهوّة بين دائرتين منفصلتين في الثقافة العربية: دائرة الناشطين في مجال حقوق الإنسان ودائرة المثقفين والأدباء والشعراء. الأوائل لا يكادون يهتمّون بالثقافة بالرغم من حاجتهم البديهيّة لتدعيم مطالبهم بمعرفة فلسفية وتاريخية واجتماعيّة، والتّالون قلّما يهتمّون بحقوق الإنسان، بل يُبدون في الغالب تعفّفاً أو تخوّفاً من الخوض في المعترك السياسيّ، إنْ لم يكونوا متواطئين مع هذا النظام السياسيّ أو ذاك. وهذا كلّه ممّا يفسّر في نظر الكاتبة ضعف الثقافة المدنيّة والسياسيّة لدى النخبة العربية التي <<تظلّ مكبّلة بقوانين الانتماء القبليّ وقوانين الأخذ بالثأر ونبذ الحوار وأبلسة الأجنبيّ والغريب>>.

وبعيداً عن الإثارة والاستفزاز وثقافة الشعارات، تحدّد الكاتبة مسعاها بالإفادة من أحد أهمّ دروس التحليل النفسيّ، درس يتمثل في <<جعل الذات البشرية تواجه أوهامها وتعي حدودها حتى تعي ممكنات تحرّرها>>. وإذا كانت لا تنفي، في فهم حقيقيّ للعلمانيّة أو <<اللائكيّة>> أن <<نوعاً من التديّن الذي يجب أن يبتدعه المواطنون لا يتنافى مع المساواة والحرّية>>، فهي ترى في الأوان ذاته أن <<الشريعة الإسلامية، مع ترسانة الأحكام الفقهية التي تقوم عليها، لا تنسجم البتة مع هذه المَطالب>>. هذا كلّه يقتضي فتح الباب واسعاً لثقافة علمانيّة ولتحرير الإيمان نفسه، لدى مَن به يعملون، من ثقل ثقافة تشريعيّة دينيّة ربّما كانت تتلاءم وشروط <<التنزيل>> التاريخيّة ولكنّها تكبّل المرء في سيرورته الرّاهنة والمستقبليّة.

{{تكافل أنماط القمع}}

إنّ محورين كبيرين يخترقان كتابات رجاء بن سلامة في هذين العملين الفكريَّين، هما تهميش المرأة تهميشاً يتأسّس في تراث ويتدعّم بممارسات قضائية وفقهية وخطابية ذات بنيان، والأواليّات البلاغيّة والنفسيّة التي يقوم عليها الخطاب الأصوليّ الجديد. وبهذين المحوَرين ترتبط موضوعات أخرى، كحقوق الإنسان وحريّة الكتابة وسواها. وتبين المؤلّفة، وهنا إحدى نقاط القوّة العديدة في مقالاتها هذه، عن تكافل تأسيسيّ، أي موجود في الأساس ويهب نفسه قوّة قانون، بين تهميش المرأة والمحاولات الجارية للحدّ من حريّة الكتّاب. فالمؤسّسات التي تقضي بأنّ المرأة غير المحجّبة <<آثمة وعاصية>> هي نفسها التي تصادر اليومَ حريّة القول لدى الروائيّين والشعراء. والتعصّب، الذي يعني في اللغة التحيّز إلى <<عصبة>> بذاتها، ترجعه الكاتبة على سبيل التفنّن بالكلمات إلى <<العصابة>> التي توضع على العين كي لا ترى، أو لكي لا ترى سوى الظلام. وهذا التعصّب بما هو فرض للعصابة والحجاب الفعليّ والفكريّ هو نفسه الذي يشرّع لرفض رؤية جسد المرأة متّهماً إيّاها بالفتنة إن هي أسفرتْ عنه، ويحرّم سريان المكتوب الذي يُتّهم، كلّما ارتبط بصبوات الكيان والرّوح، بالخروج على <<ما هو معلوم من الدّين>>. فالنزعة التماميّة التي تميّز المتعصّبين والمعصوبين إنّما هي رفض للحياة البشرية باعتبارها متناهية، أي محدودة ومدعومة بنقص أو فقد تأسيسيّ بفضله تنشأ الرغبة وينعقد التواصل الإنسانيّ الأصيل. تواصل يجد المعبّر الأكبر عنه في الشوق للآخر وفي اعتناق الكتابة باعتبارها حاملاً أساسيّاً للشوق، بما يصنع الإنسان لا باعتباره كائناً ذا رموز فحسب، كما يقول تعريف فلسفيّ للإنسان، بل كذلك كائناً ذا صبوات. ومن هنا تذهب الكاتبة إلى أنّ رفض الحسّيّ أو الأنثويّ والدعوة إلى حجبه إنّما هو رفض للجمال بعامة، ف<<الحسيّ الذي يُعَدّ أنثويّاً هو في الحقيقة بشريّ، لأنّ البشر كيفما كانوا ليسوا أرواحاً لطيفة ولا أذهاناً مجرّدة، بل أجساد مثلومة تسعى إلى المتعة أو إلى قسط من المتعة. الحسيّ المرتبط بالمرأة أو بالكتابة له علاقة بالأشواق والرغبات ومن شأنه أن يحجب الحقيقة المثاليّة التي تُقدَّم على أنّها واحدة، ولذلك تستهدفه الميتافيزيقيّات في تجليّاتها المختلفة>>. هكذا ترى الكاتبة تكافلاً وثيقاً في المصير بين الشعراء المطرودين من دائرة <<اللوغوس>> الإسلاميّ والمجانين والنساء ومن يمثّلون أقليّات عرقيّة ودينيّة.

وترى رجاء بن سلامة أنّ رفض المرأة والشعر والجنون في دوائر العقل الدينيّ والمؤسّسات والشرع إنّما يقوم على نوع من الهوَس بالمعنى الطبيّ للمفردة، باعتبار الهوَس <<خوفاً ممّا لا يخيف>>. فبقدر ما يعزو الخطاب التحريميّ للحسيّة الأنثويّة السّافرة مخاطر لا تملكها، فهو <<يفترض في الرجل الذي ينظر إلى المرأة غير المحجّبة هشاشة مطلقة، فيخشى عليه من فقدان توازنه وكأنّه وحش دنسيّ غير قادر على التحكّم في نوازعه>>. وهذا الهوَس لا حدود له، بل هو قائم في أساسه على التوسّع والتمادي والانتشار: من هنا <<سدّ الذرائع>> الفقهيّة واعتبار <<ما قد يؤدّي إلى الحرام حراما>>. فالتعلّة التي بها يحرّم الأصوليّون في العربيّة السعوديّة قيادة المرأة للسيّارة مثلاً هي كون هذه الممارسة ستدفعها بالضرورة إلى السّفور ومن بعد إلى الزّنا. هذا كلّه يقود إلى تطهّر هوَسيّ سرعان ما ينقلب إلى تطهير يبلغ أحياناً حدود القتل.

وتدرس المؤلّفة <<الحجاب الجديد ومفارقاته>>، لترينا أنّ هذه الخرْقة إنّما هي أكثر من خرقة. هي <<حاجز فضائيّ وفاصل بين مجالَين اجتماعيّين>>. حاجز يتواصل اليوم، بل يتفاقم، مع أنّ قراءة إمعانيّة للقرآن والسنّة والتاريخ ترينا أنّ للحجاب في الإسلام جذوراً تاريخيّة لم يعد لها ما يبرّرها في أيّامنا. فمع أنّه تمّ بالأصل <<فرض الجلابيب للتمييز الطبقيّ بين الحرائر والإماء>>، و<<لحماية قريبات الرّسول من تحرّشات المنافقين>>، مع ذلك استمرّ الحجاب وتحوّل إلى مؤسّسة أو منظومة فقهيّة سياسيّة تعمل في اتّجاه التضييق على المرأة وعلى تشييد هرم اجتماعيّ يشغل الرّجل أعلاه، تليه المرأة يليها العبد فالأمَة فالطفل فالمجنون. هذا كلّه يحيل الزواج إلى نوع من الرقّ ضمن تراتب مجحف لا يزال قائماً في صلب حياتنا المعاصرة. والمشكل أو العائق الأساس إنّما يتمثّل في <<قوامة>> الرّجل على المرأة بما تعنيه هذه <<القوامة>> من وصاية ومصادرة للكينونة وإلغاء للتكافؤ في القيمة والحقوق والواجبات. والمفارقة أنّ هذا الاعتبار ما فتئ <<ينتصب في قلب الشريعة سدّاً مانعاً ومنيعاً، مع أنّ النساء خرجن إلى العالَم وبدأن يمارسن التعلّم والتعليم والعمل وأصبحن جديرات بالمساواة التامّة>>.

ولتعزيز خطورة المرأة وتصوير حسّيتها على أنّها مكمن لانهيار الرّجال تأسّست في التراث ترسانة من التصوّرات التخريفيّة عملت الكاتبة على الكشف عنها بتحدّ وجرأة. فالتراث ينطوي بالفعل على استيهامات وصوَر تخترق أعمال ابن تيميّة وأمثاله، بل حتّى أعمال الغزاليّ الذي تتوهّم فيه فاطمة المرنيسيّ انطلاقاً من قراءة متسرّعة داعية إلى احترام المرأة في كيانها الشهوانيّ. وهذه الصّوَر والأطروحات تؤكّد جميعا <<ناريّة المرأة>> وتحيل فتنتها إلى النار والاحتراق. وفكرة ناريّة المرأة هذه هي التي تسهّل تشبيهها بالشيطان، <<باعتبار أنّ الأخير خلقَ من نار، وباعتبار أنّه تجسيد أو إسقاط للشوق خارج الجسد>>. ومع أنّ العصر الأمويّ وجانباً كبيراً من العصر العباسيّ شهدا انطلاقة شعر غزليّ رائع نهض به في شقّه الإباحيّ شعراء من أمثال عمر ابن أبي ربيعة وبشار ابن برد وأبي نؤاس وفي شقّه العذريّ مجنون ليلى ورفاقه، فسنرى في القرن العاشر إلى شاعر كالمتنبيّ وهو يسخر من الغزل ويفضّل صحبة المطيّة على المرأة (فالأولى لديه أكثر تواءماً والمطامح)، وفي القرن الثاني عشر نرى إلى فيلسوف كالغزاليّ وهو يعتبر النكاح سبيلاً إلى <<كسر الشهوة والإنجاب>> ويعدّ العشق <<مرض قلب فارغ لا همّة له>>. وفي القرن الثالث عشر سيكتب ابن الجوزيّ مؤلفاً في <<ذمّ الهوى>>، وفي القرن الرابع عشر سينسب الحافظ مغلطاي العشق إلى النساء وحدهنّ.

{{تحليل الهذيان الأصوليّ}}

وفي مواقع عديدة من كتابها هذا، تعمل رجاء بن سلامة على تحليل خطاب الأصوليّين الجدد وتفكّك طبيعة العلاقة الاستلابيّة أوّلاً بأوّل التي تقوم هنا بين المفتين، الفضائيّين خصوصاً (أي الناشطين عبر الشبكات الفضائيّة)، ومريديهم. إنّنا لا نقف لدى الأصوليّين أمام خطاب مجرّد بل أمام <<حالة>> بالمعنى القويّ للمفردة، وأمام بنية علائقيّة تتوسّل الكاتبة بأدوات التحليل النفسيّ للإبانة عن شاكلات انعقادها وعملها. يمكن أن نعتبر خطاب بن لادن أو الزرقاويّ أو القرضاويّ وسواهم هذيانيّاً، شريطة ألاّ ننسى أنّه هذيان منظَّم منسجم داخليّاً وإن كان في الأوان نفسه ينتج تأويلاً خاطئاً للعالَم ولطبيعة الصّراع ووسائله. هو عالم بسيط بل بدائيّ (ومن هنا تأثيره على بسطاء العقول أو على عقول البسطاء)، تحكمه ثنائيّات الخير والشرّ والنور والظلام وما إليها، يضيف هو إليها زيادة أسطوريّة ناتجة عن إسقاطه على عالَمنا المعاصر أجواء فتوح الإسلام وحروب الردّة وما يشاكلها. هو إذنْ رفض للتاريخ وتأثيم شامل يفيد من صناعة الإثم ويجعل منها سلاحه الوحيد. والعلاقة التي تقوم بين المفتي والمريد تتمثّل أساساً في فتنة يمارسها الأوّل على الثاني وتماهٍ مع الأوّل يطمح إليه الأخير، لا سيّما وأنّ الأّول أو الأكبر يزعم التفوّه بكلام إلهيّ وينذر مواهبه الخطابيّة والتنويميّة لبسط ظلّ اللّه ومقولاته على الأرض. وهكذا فإن <<أوّل ما يطالب به الزعيم الرّوحيّ هو التضحية بالعقل، قبل التضحية بالنفس>>. هكذا تتواصل عبر الفضائيّات ومجمل وسائل الإعلام الجديدة التي استوعبَ الأصوليّون جيّداً أواليّات عملها واستخدامها، عمليّات <<غسل دماغ وتلقيم لليقينيّات وشلّ للتفكير النقدي>>. هو إخصاء فعليّ يقع فيه مَن رفض الإقرار بمبدأ الإخصاء الرمزيّ، أي القبول بمحدوديّة الكائن وباختبار الواقع أو محنته، وهو الشرط اللاّ غنى عنه لمحاولة تغيير الواقع، فإذا به يتخلّى عن كلّ مقدرة على استخدام عقله وعن كلّ مبادرة حرّة أو واعية. كانت نرجسيّته المستلبة توهمه بأنّه عثر أخيراً على جماعة مصطفاة يكون هو بدوره مصطفى فيها ومختاراً ومعاداً إليه اعتباره ككائن، وها أنّ الجماعة نفسها تجرّده من كلّ مسافة نقديّة ومن كلّ وازع مستقلّ.

للخروج من هذا الحاضر المشلول الذي يجد بيان شلله في استعباد المرأة واستبعاد الكتابة عندما تكون فعل مروقٍ ومساءلة جذريّة، وفي شيوع الهذيان الأصوليّ، لا تجد الكاتبة أكثر علاجيّة ومساساً من ممارسة نوع من الحِداد الفعّال والشّافي، <<فإمّا أن ندفن موتانا ونعي زوالهم ونعيش الحِداد عليهم، وإمّا أن نظلّ لاهثين وراء بقائهم، مستسلمين للكآبة، مقلّدين الموتى في موتهم، رافضين الحياة ومباهجها>>. حِداد قد يكون من واجب التنويريّين الجدد، الذين أضع رجاء بن سلامة في مقدّمتهم، أن يجترحوا صيَغه ويبلوروا أشكاله.

يضمّ كتاب رجاء بن سلامة الجديد الثاني، <<بنيان الفحولة أبحاث في المذكّر والمؤنّث>>، مجموعة دراسات هي أكثر امتداداً وأناة من المقالات المتضمّنة في <<نقد الثوابت>> الذي عملنا على عرضه في مقالتنا الأولى. وتحدّد الكاتبة نفسها غايتها من وضعه في الكشف عن علاقات السّلطة والتّراتب المتعلّقة بالمذكّر والمؤنّث، وذلك بالاستناد إلى مفاهيم من قبيل <<العنف الرّمزي>> و<<الهيمنة الذّكوريّة>> تقول هي إنّها وجدتْها <<مجدية في طرح قضايا سياسيّة محسوسة أهمّها قضايا التّمييز والعنف وحجاب النّساء بمختلف مظاهره القديمة والحديثة>>. والحقول السّياسيّة والثّقافيّة والفكريّة التي تتّضح فيها الهيمنة الذّكوريّة سياسيّاً ومعرفيّاً، مثلما ورثناها عن السّلف وكما أعادت بناءها المنظومات الأصوليّة في إنكارها الحداثة، هي ما تدعوه المؤلّفة <<بنيان الفحولة>>: <<إنّها صروح عتيدة وقلاع لامرئيّة لا يكفي التّنديد بها، بل لا بدّ من النّظر في كيفيّة بنائها للوعي بالمسلّمات التي تنبني عليها، والتي لم يمكن التّسليم بها إلاّ بفضل جهاز تبريريّ يذرّ الرّماد في الأعين ويضفي طابع البداهة على علاقات الهيمنة واللاّمساواة>>.

{{الاستبداد المنظَّم}}

تميط الكاتبة اللثام عن عدد من الممارسات الاستبداديّة في الفعل والخطاب وترينا امتداداتها المعاصرة. من هذه الممارسات ظاهرة <<الوأد>>. فلئن لم تُحرق النّساء في العالم العربيّ الإسلاميّ كما في أوروبّا بتهمة السّحر والشعوذة، وإذا كان القرآن أبطل الوأد الذي كان يستهدف الأطفال الإناث في الجاهليّة، فإنّه لَيمكن في نظرها أن نذهب إلى أنّ الوأد الرّمزيّ أو الواقعيّ ما زال يترصّد النّساء. ثمّ أنّ الحجج التي تسلّط المنع على أجساد النّساء وعلى حركتهنّ في الفضاء العموميّ بقيتْ هيَ هيَ: فالآية 24/31 التي تتنبّأ بعقاب الفارسة وكلّ من يمتطين الدوابّ في العلَن هي نفسها استُعملت بعد أربعة عشر قرناً ك<<حجّة سلطة>>، أي كحجّة لا تقبل الجدال بل هي مقدّسة، لإدانة المتظاهرات السّعوديّات، عندما قامت مجموعة مؤلّفة من سبع وأربعين سيّدة سعوديّة في 6 نوفمبر 1990 بقيادة قافلة من السيّارات. كنّ متظاهرات يطالبن بإنهاء الحظر المفروض على قيادة النّساء للسّيّارات، فقمعتهنّ الشرطة، وسرعان ما خرجمفتي المملكة الشهير بن باز بفتوى بالمنع عمل فيها ب<<سدّ الذّرائع>>، أي بالتذكير بأن <<جنحة>> بسيطة كهذه يمكن أن تقود إلى ما هو أدهى منها (الزّنا مثلاً).

ترينا الكاتبة، كما سبقت الإشارة إليه في عرضنا للكتاب السّابق، أنّ تهميش المرأة مؤسّس في تراث ومدعَّم بترسانة فقهيّة وبلاغيّة كاملة. وهي تذكّر بأنّ الإسلام، شأنه شأن اليهوديّة والمسيحيّة، وإنْ على شاكلته الخاصّة، قدّم دعامة دينيّة لسلطة الرّجل على المرأة، وللنّظام الأبويّ بعامّة. وما دعاه المحلّل النفسيّ التونسيّ فتحي بن سلامة، الذي تستشهد به المؤلّفة، بالتّوجّه التّوحيديّ المتمثّل في <<أخذ الصّفات الإلهيّة للأنثويّ الأموميّ وتحويلها لصالح إله خالق أبوي>>، نقول إنّ هذا التوجّه إنّما يتّضح في نظرها من خلال الآيات التي تقابل بين اللّه من ناحية والآلهة الأنثويّة القديمة من ناحية أخرى، وهي آلهة كانت هامّة في الهيكل الإلهيّ العربيّ ماقبل الإسلاميّ وجاء القرآن ليبطل المقارنة بها وليقيم نظاماً مجازيّاً يستند بأكمله على خواصّ أبويّة أو، بأيّة حال، ذكوريّة. وأفضليّة الرّجل على المرأة، التي تعلن عنها آيات عديدة منها: <<ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف، وللرّجال عليهنّ درجة، واللّه عزيز حكيم>> (2/228)، لها مظاهر عدّة: فهي أفضليّة <<أنتولوجيّة>> (خلق الذّكر قبل الأنثى، أو خلق الأنثى الأولى من ضلع الذّكر الأوّل)، وسياسيّة تعود خاصّة إلى <<مبدأ القوامة>>، الذي كان له شأن هامّ في المجالين الخاصّ والعامّ، والذي نجد إعلاناً عنه في سورة النّساء: <<الرّجال قوّامون على النّساء بما فضّل اللّه عليهنّ بعضهم على بعض>>.

تنوّه بن سلامة بأنّ هذه الآية هي التي تسنّ ضرورة طاعة الزّوجة زوجها وحقّ الزّوج في تأديبها ومعاقبتها. ولكنّ مبدأ القوامة الذي تنصّ عليه الآية هو الذي يرجع إليه المفسّرون القدامى للقول بأنّ المرأة، شأنها شأن كائنات أخرى تعد <<قاصرة>> أو <<إشكاليّة>> (المجنون والطفل وغير هؤلاء من المقصيّين)، ممنوعة من تولّي <<الولايات>> الخاصّة والعامّة. هذا الإقصاء تدعمه <<مؤسّسة الحجاب>> التي تؤكّد الكاتبة في أكثر من موضع على أنّها لم تكن تعني في عهد الرّسول مجرّد قطعة قماش مسدلة على جسد المرأة، بل تعني تقسيم الفضاء الاجتماعيّ وعزل النّساء الحرائر في المجال الخاصّ. وتظهر فضائيّة مفهوم <<الحجاب>> في الآيتين 33/53، 3233 اللّتين تفرضان هذا الفصل على نساء الرّسول، وتأمرهنّ ب<<أن يَقَرن في بيوتهن>> ولا يتبرّجن.

{{عودة الحجاب}}

وليس الحجاب المعاصر في نظر بن سلامة مجرّد عودة للحجاب، ولا مجرّد إحياء لأحكام الفقه: <<فمنذ الثّورة الإيرانيّة انتشر النّموذج المتناقض للمرأة المحجّبة ولكن العاملة، المرأة التي تحمل رواسب مؤسّسة الحجاب دون أن تكون سجينة البيت، التي تظهر ويكون جسدها مع ذلك مشطوباً ممنوعا>>. فال <<حجاب>> أو <<الخمار>> أو ما أصبح يسمّىب <<الزّيّ الإسلامي>> الذي ازداد انتشاراً في السنوات الأخيرة هو عمليّة <<وسم>> جندريّ أو جنسانيّ للأجساد، أكثر منه عمليّة وسم إيديولوجيّ: <<إنّه محاولة لإعادة تنظيم الفوارق بين الرّجال والنّساء بإحياء المنع الذي يشطب جسد المرأة>>. إنّه كذلك <<محاولة لإخلاء الفضاء العامّ من الرّغبة، ولكنّها محاولة تؤول إلى الفشل ولا بدّ، وعلى نحو بائس: فانتشار الحجاب يبسط ظلال عالم الحريم على المدينة الحاضرة، واختزال المرأة في كونها أنثى تتبرّج أو لا تتبرّج يحوّلانها إلى <<مواطنة>> من نوع خاصّ، لا تتحرّك ولا تسعى إلاّ بما تسمح به آلة التّأثّم والتّأثيم المكبِّلة>>.

أمّا التأسيس البلاغيّ والفقهيّ وليس القضائيّ فحسب لهذا الاستبعاد للمرأة، فنجد ما يبين عنه في هذا السعي الذي يخترق التراث إلى الإعلاء من شأن العقل ومقاومة التّناقض واعتباره محالاً، ومحاولة حماية الشّعر من الجنون والهذيان والخطل، والمديح المتمادي للاعتدال والتّناسب، وغير ذلك من المبادئ العقليّة المتوخّى منها أن تساعد في إقصاء كلّ ما يهدّد مقوّمات المجتمع الأبويّ بمراتبيّاته المختلفة. ويمرّ هذا المسعى الوقائيّ خصوصاً باحترام السّلف وتهميش الغريب والأنثويّ. وهو يتّضح أكثر ما يتّضح من خلال مفهوم <<عمود الشّعر>> ومفاهيم الفحولة وصوَرها التي اعتمدها النّقد العربيّ القديم. وضمنَ ما تنبني عليه منظومة التّمييز بين ما هو فحوليّ وغير فحوليّ يمكن في اعتقاد الكاتبة أن ندرج الأنثويّ الباعث على القلق لتضمّنه سمتين متناقضتين متكاملتين: فهو، من ناحية، إفراط في الافتقار والنّقص والتعبير الدائم عن الشوق، <<ولا يخفى أنّ الشّوق أمر يتحدّى العقل، لشدّته وتولّده المستمرّ، ولذلك تحاصره الأخلاق الدّينيّة>>. وهو، من ناحية أخرى، إفراط في الزّينة وفي الزّيادة، <<والزّيادة مخيفة كالنّقص، لأنّها تهدّد باضمحلال الأساسيّ والحقيقيّ، ولكنّها في الوقت نفسه ناتجة عن الرّغبة في سدّ الافتقار والنّقص>>. لهذه البواعث رأى القدامى أنّ ذا الرّمة كان يمكن أن ينتمي إلى الفحول <<لولا إفراطه في الغزل، أي في كتابة الشّوق والافتقار>>. ولأنّ أبا تمّام أولع باللّفظ، وبالزّينة، قيل عنه إنّه <<طلب البديع فخرج إلى المحال>> وإنّه أخلّ بالمعنى وخرج إلى ما لا يقبله العقل، فأوقعه هذا الشغف بالزّينة خارج إيديولوجيا الشعر الذكوريّة.

وتستغرب المؤلّفة من أنّ القيم البيانيّة التي تكرّس المركزيّة العقليّة القضيبيّة مازالت فاعلة إلى اليوم، وبالخصوص، وبصورة مفارقة، في الدّراسات التي تدافع عمّا تكتبه النّساء، وتفترض وجود <<كتابة نسائيّة متفرّدة>>: كتبت بن سلامة أن <<الماقبليّات البيولوجية التي هيمنت على الفكر قديمه وحديثه وجعلت المرأة وعاء سلبيّاً والرّجل فاعلاً إيجابيّاً تعود، ولكن بطريقة لاشعوريّة، وفي مستوى المفاهيم الوصفيّة والإجرائيّة. إنّها دراسات تدافع عن المرأة، فيفلت منها الأنثويّ، وتندّد بسلطة الرّجل، فتفلت منها سلطة القيم القضيبيّة الخفيّة، وتحافظ على الثّنائيّات التي يقيمها النّظام البيانيّ، فتفلت منها الكتابة>>.

{{ثقافة التّمييز}}

لدى الكلام عن التمييز والعنف الممارسَين في العالم العربيّ على المرأة، تذكّر الكاتبة بثلاث معطيات أساسيّة: فأوّلاً، التّمييز في حدّ ذاته عنف، أو هو بالأحرى نوع من <<العنف الأساسي>> لأنّه لا يستهدف ملكيّة الآخر، بل يستهدف ماهيّة الآخر. وثانياً، التّمييز عنف بنيويّ هادئ ولكنّه قد يؤسّس ويبرّر العنف المحتدم بمعنى الاعتداء على أجساد النّساء. وثالثاً، ثمّة بين العنف والتّمييز ما يشبه الدّائرة المفرغة، فأحدهما يؤدّي إلى الثاني. وفي معرض تشخيص النظام الاجتماعيّ أو الأسرويّ العربيّ، وهو نظام أبويّ بامتياز، تؤكّد بن سلامة على أنّه نظام مختلف عن النّظام الدّيموقراطيّ من حيث أنّه ينبني على عدم التفرقة بين الوظائف والسّلطات: فالنّظام الأبوي <<لا يعني سلطة الأب فحسب، بل يعني التباس وظيفة الأب بوظيفة صاحب السّلطة، والتباس وظيفة الزّوج بوظيفة صاحب السّلطة أيضاً. فواجب طاعة الزّوجة لزوجها يجعل هذا الزّوج زوجا وسيّداً في آن، وهو في الوقت نفسه يحدّ من إمكانيّاًت التّقاضي بالنّسبة إلى الزّوجة، بما أنّ للزّوج حقّ تأديبها. أن يكون الواحد خصماً وقاضياً في الوقت نفسه هو قانون الغاب وقانون سيادة القويّ على الضّعيف>>. هو نظام يجرّد المرأة من ملكيّة جسدها، وهذا التجريد هو الذي يؤدّي إلى مراقبة المجموعة لحياة المرأة الجنسيّة مراقبة دقيقة، وهو الذي يؤدّي إلى جرائم الشرف. والكاتبة تخلص إلى القول إنّه لا وجود لمساواة دون فكرة كونيّة تنطلق من وحدة الإنسان كإنسان. فالخصوصيّة النّسويّة التي تلحّ على الفوارق بين الرّجل والمرأة هي في عرْفها كالخصوصيّة الثّقافيّة التي تجوهر الفوارق بين الثّقافات المختلفة. ومعها نلاحظ آسفين أنّ أهمّ النّسويّات العربيّات <<هاجمن التّحليل النّفسيّ، وفضّلن الغزالي على فرويد، ولم ينتبهن إلى الأساس الكونيّ الذي تنبني عليه المعرفة التّحليلنفسيّة، والمفاهيم الهامّة التي توفّرها لنفي كلّ تقوقع داخل الخصوصيّة الجنسيّة والثّقافيّة، وكلّ اختزال للإنسان في ما هو بيولوجيّ، أقصد خاصّةً مفهوم الازدواجيّة النّفسيّة ومبدأ عدم التّطابق بين البيولوجيّ والنّفسي>>.

هذا كلّه ينتهي إلى قيام ثقافة للتمييز بين الجنسين تنتشر وتتدعّم في الخطاب الأصوليّ بخاصّة. ومن ميزاتها كما تعْرضها بن سلامة أنّها باسم الدّين تدعو إلى عودة النّساء إلى القيام بأدوارهنّ النّمطيّة التّقليديّة، وتجوهر الفوارق بين الرّجل والمرأة، وتلغي الثّقافة والتّاريخ إلى حدّ تشبيه ثنائيّة رجل/امرأة بالثّنائيّة الزّمنيّة الطّبيعيّة: ليل/نهار (كما في خُطَب الشعراويّ)، وتستخدم هذه الجوهرة لغاية سياسيّة هي اعتبار عمل المرأة خارج البيت أمراً مخالفا لنظام الكون. وأصحاب هذا الخطاب إنّما يشيّؤون في نظرها القرآن ويختزلون رسالته الأخلاقيّة إلى حفنة من الأحكام، ويرفضون بل يكفّرون جميع الأفكار الداعية إلى الفصل بين مجال العبادات والمعاملات التي يجب أن تخضع إلى سنّة التّطوّر والتّحوّل، كما يرفضون دعوات إعادة التّفكير في علاقتنا اليوم بالنّصوص المقدّسة. ومن أقسى المفارقات أنّه، في حين يذهب بعض هؤلاء المشرّعين الجدد إلى اعتبار هذا الضّرب قاعدة من القواعد التي تنظّم عمليّة تأديب الزّوجة، فإنّ بعضهم الآخر يشعر مع ذلك بالحرج، نتيجة صعوبة إقناع الجميع بجواز هذا العنف الجسديّ، فيشرّع لأمر غريب ألا وهو <<الضّرب المشوب بالحنان>>. هكذا كتب الشّيخ محمّد متولّي الشعراويّ: <<والمرأة عندما تجد الضّرب مشوباً بحنان الضّارب فهي تطيع من نفسها>>!

{{تجذير الحداثة أو ثقافة السّفور}}

أمامَ هذا الانفصام بين ثقافة سلفيّة لم تعد صالحة للحاضر بقضّها وقضيضها وحاضر يعمى عنه الكثيرون، تبحث الكاتبة عن بدائل ممكنة <<أكثر ملاءمة مع الذّات المسؤولة التي نريد أن نبتنيها>>. وهي ترى أنّه لا تكفي مقترحات الإصلاح الدّينيّ واللاهوتيّ لمواجهة بنى الفحولة وتعبيراتها الدّينيّة، بل لا بدّ أوّلاً من إقبال النّساء فعليّاً على المطالبة بحقوقهنّ السّياسيّة والمدنيّة وإصرارهنّ على المشاركة. ولا بدّ ثانياً في نظرها من أن تواصل الحركة الحقوقيّة العربيّة إنتاج ثقافة مدنيّة جديدة مبنيّة على المساواة، ومن أن تعتمد استراتيجيّات ناجعة لترويج هذه الثّقافة على أوسع نطاق. وهي تطالب ببذل نوع من الجهد النّفسيّ يمكّننا من فقدان أوهامنا ومن إيقاظ الواهمين بالأصل الفردوسيّ المفقود. ذلك أن <<مشاركة هؤلاء في جزء من أوهامهم لا تزيد إلاّ في تعميم الوهم وزيادة التّمسّك الماليخوليّ به، والماليخوليا هي العجز عن الحِداد، أي العجز عن قبول واقع الفقدان، واقع فقدان الوهم وواقع اليتم واستحالة عودة الماضي. وهذا هو شأن الفحولة الجريحة التي ترفض واقع النّقص وتصطدم به>>.

ينبغي في اعتقاد الكاتبة تجذير سلوك حداثيّ، باعتبار الحداثة <<حركة خروج واقتلاع للنّفس من وضعيّة سابقة>>، وباعتبارها <<استقبالاً للمختلف، وعزوفاً عن ارتهان الحاضر بالماضي>>، وأخيراً باعتبار الحداثة <<حركة تعرية وتعرّ. إنّها وضعيّة نقديّة تأويليّة تعرّض كلّ المسلّمات في كلّ الميادين إلى الانهيار>>.
وفي تأويل بالغ الحيويّة للكلمة والظاهرة، ترى الكاتبة ختاماً أنّ السّفور يمكن أن يكون اسماً أو عنواناً لتجربة الخروج إلى العالَم بعد تعرية الذّات من أوهامها أو بعد المرور بسياق خلاّق لإعادة ابتكار الذّات. وهذا الإمكان لعيش الحداثة باعتبارها سفوراً لا تأتي هي به من تلقاء نفسها أو من مجرّد البحث المعجميّ، فالسّفور كان بالفعل حركة وشعاراً شاملاً لعدد من النهضويّين والحداثيّين العرب، خصوصاً أولئك الذين جمعتهم جريدة تحمل اسم <<السّفور>> تأسّست في 15 مايو 1915، وكتب فيها لطفي السّيّد وطه حسين ومنصور فهمي وعلي عبد الرّازق وأحمد أمين ومحمّد تيمور وآخرون، وكانت تدعو إلى السّفور بالمعنى الشّامل: <<سفور المرأة، والسّفور في كلّ أبواب التّقدّم والصّلاح>>، وكانت، كما يذكّر به محمّد يوسف نجم الذي تستشهد به المؤلّفة، ترى أن <<المرأة ليست وحدها المحجّبة في مصر، ولكن نزعات المصريّين وفضائلهم وكفاياتهم ومعارفهم وأمانيهم كلها محجّبة>>.

{{لا بــــد مـــن آلام عــظــــيـــمـــة}}

{{وضاح يوسف الحلو-النهار}}

لم تكن رجاء بن سلامة لتنشر مقالاتها النقدية في كتاب تحت عنوان “نقد الثوابت، آراء في العنف والتمييز والمصادرة” (دار الطليعة، بيروت 2005) لولا صلف المجتمعات السياسية العربية حيال الحرية والعدالة والمساواة والسؤال، وشدة الرقابة السلطوية التي تقبض بأصابع غير مرتعشة على خناق الفكر الحر.
تلهج النخب المثقفة المرتبطة بالسلطات في المجتمعات العربية بثوابت فكرية مفخخة، وتلجأ الى اساليب “قاتلة” فتصير حجر عثرة امام كل رغبة في التغيير والاصلاح. هذه النخب السلطوية تجمد وتشيّىء ما لا تجمده وتشيئه المجتمعات الاخرى.
تبقى الثوابت في العالم العربي وتستمر مبهمات، لكن الثابت في الثوابت العربية والاسلامية هو كل ما يبرر العنف السلطوي، والارهاب، وتقييد الحريات وتعريض كل الذين يناقشون القضايا الفكرية الى تهمة الخيانة والكفر والمروق في حين ان الثوابت في الديموقراطيات هي المساواة والحرية والقدرة على كسر كل محرّم.
تتخبط حرية التعبير في العالم العربي في بؤس الثقافة السائدة مما يجعلها تضيق صدرا بمطالب الحرية والمساواة والمساءلة. الى ذلك، يتضمن الكتاب مواقف من الفتاوى التي تضخمت على نحو يعمل على تكبيل العقل والحياة السياسية والعامة، وخصوصا حين تمزج بين الدين والدنيا مع تغليب الدين على الدنيا. وتدافع المؤلفة عن الحق في الحياة، والحق في حرية المعتقد وحرية السيادة على الجسد، علما ان ابحاثها ليست اكاديمية صرفة اذ هي تحاول البرهنة، وعرض الحجج، والامثلة المستقاة من الحياة الراهنة ومن فلسفة حقوق الانسان وادبياته. تحاول بن سلامة المساهمة في ايجاد ثقافة حداثية جديدة تزحزح العبء الذي رزحت تحته الاجيال العربية السالفة والحالية فيمنعها من الخروج الى ضوء العقل. المقصود بالعبء هو عبء التقليد المركب الذي يصنع ثقافة ترفض الحداثة او ما بعدها مع ما يستتبع ذلك من رفض للحرية. واذ تتراجع المؤلفة خوفا او حذرا امام نقد الثوابت من باب الاستفزاز او الاثارة، تلجأ الى المنطلقات الاخلاقية بغية جعل الذات البشرية تواجه اوهامها وتعي حدودها حتى اكتناه ممكنات تحررها.
ان اطروحة التوفيق او المواءمة بين الشريعة والحرية والشريعة والمساواة هي تلك الاطروحة التي يكررها بعض المطالبين بالقيم الديموقراطية لكن الواقع المعيش هو عكس ذلك. فالثوابت المؤسسية التي تصادر اعمال الروائيين والشعراء والخلاقين عموما هي نفسها التي تمارس الافتاء بحق المرأة غير المحجبة على اساس انها آثمة وعاصية، وهي ممارسات ظلامية. يقول بعض المفكرين، ومنهم بن سلامة، ان الثوابت الديموقراطية تنبني على المواطنة، حيث يلتحم العقل والفكر والوجدان لتأكيد الثوابت الايجابية، وللذهاب الى ابعد حد في الاعتقاد بسلبية دور الانسان السلطوي في تلقي المعطيات الموروثة عن السلف، وان الديموقراطية اولا وقبل كل شيء، هي سيادة الشعب من اجل الشعب، وسيادته في اعتباره مكونا من مجموعة من المواطنين، فكيف يكون ديموقراطيا من ينظر الى دولة “دولة محكومة بسلطة التشريع الاعلى الصادر عن الله والقرآن والسنة”. اخيرا لا ترى الدكتورة بن سلامة ان الثوابت العربية ستتعرض للتغيير في مدى منظور لأن الاجهاز على السلبية الحياتية في العالم العربي الكبير لا يزال في حاجة الى كفاحات كبرى. ودون ذلك آلام عظيمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This