نقد موضوعة الحرية في أطروحات الفلاسفة الليبراليين

يعتقد أغلب الناس أنهم يمتلكون وعيا بمجريات الأمور السياسية، وأنه ليس من السهل مغالطتهم، فهم يعرفون أدق تفاصيل السياسة، ولديهم القدرة على فهم أعقد موضوعات النظر والفعل السياسيين. إلا أن الواقع بكل تناقضاته وتعارضاته المضلّلة والمستعصية، حائز بدوره على مناحي لا تنفكّ تتطلب التفكيك والشرح، بل لعلّ اعتداد البعض بكونه “فطن” سياسيا هو نفسه -في بعض الحالات- شكل من أشكال نجاح الخداع والتضليل الذي ما انفكت تروّج له الأيديولوجيا السياسية التي تظل، دون شك، إحدى أكثر أدوات الفعل الإنساني تأثيرا ونجاعة. ولعلّ القول بوجود درجة معينة من الضبابية والتعقيد في كل من الخطاب والفعل السياسيين، هو ما دعانا إلى ضرورة إعمال أدوات التحليل والنقد في تناول إحدى أكثر الموضوعات النظرية الحديثة إلغازا ولبسا: موضوعة الحرية مثلما تحيلنا إليها الأيديولوجيا الليبرالية، وكما نجدها في متون فلاسفة القرن الثامن عشر.

الليبرالية، لفظ نتداوله يوميا، إذ يكفي أن تفتح صحيفة سياسية، على سبيل المثال، حتى تجد إحالات للأحزاب الليبرالية في أوربا، أو للمرشحين الليبراليين في الانتخابات الأمريكية، أو الليبراليون الجدد في بعض الدول الامبريالية الكبرى. وعليه، فإن قراءة معمقة بإمكانها أن تجعلنا نكتشف الأبعاد العميقة لهذا الاستعمال حتى في البلدان الأكثر نأيا، والأكثر اختلافا عمّا هو متداول.

وإذا كان اللفظ “ليبرالي”(Libérale) يُستعمل ضمن سياقات عديدة، فإن الليبرالية كمفهوم وكإطار للتحليل ليس من السهولة تحديدها. إذ ينبغي علينا مساءلة طبيعة الواقع الذي نصفه حينما نتكلم عن الليبرالية، وذلك في بمعزل عن المحتوى الذي نسعى تحميله للفظ. هل يتعلق الأمر بفلسفة، أم بمذهب، أم بأيديولوجيا، أم بسياسة، أم برؤية شاملة للعالم؟

وبناء على ذلك، فإن هذه المقولات ليست حصرية. إذ تستند الليبرالية إلى فرضيات فلسفية قبلية مخصوصة توجد عند المبادئ الأساسية لكلّ مذهب. وبما أن هذه المبادئ، هي نظريات عامة وكونية في تطبيقاتها، فإن هذه الرؤى تستأديها جماعات اجتماعية معينة، وهي تستخدمها كشرح وكتبرير ذاتيين، وبخاصة في الحقل السياسي. وعلى هذا النحو تتحرك هذه المذاهب ضمن أيديولوجيا يتمثل مطلبها الأخير، في تكوين رؤية عن العالم ليست، في الحقيقة، سوى المناخ الفكري والسياسي لمجتمع أو لحقبة محددة.

يجدر بنا إذن، الابتداء بتعريف الألفاظ والمفاهيم. إذ يُسوّغ لنا البحث في أصل كلمة ما، الكشف عن دلالتها. فلفظ ليبرالية متأتّ من الكلمة اللاتينية (Liber)، بمعنى حرّ. وعليه، بإمكاننا الافتراض أن الليبرالية تشدّد على الحرية بما هي قيمة قاعدية. ولكن هذه الملاحظة الأولى لا توفر لنا سوى تعريف جزئي وسلبي. فأيّ ضرب من الحرية يستأديه الليبراليون؟ حرية ماذا؟ وحرية لأجل من؟

تظهر الفكرة الأولى لليبرالية، كمبدأ أولي للحقوق الطبيعية التي تدافع عنها، من خلال التسمية نفسها، أي الحق في الحرية(Le droit à la liberté). إذ تدّعي الليبرالية، وهي تعلن عن حق كل إنسان في الحرية بما هي تعبير أولي وأساسي عن حقه في الوجود، وعن غريزته في حب البقاء، وكنتيجة لاستقلاليته واكتفائه العقلي، وخاصة بما هي شرط لبحثه عن السعادة.

إنّ ضرورة البحث عن السعادة الحقيقية هي أساس الحرية(1). ذلك أن الحرية تنتج عن طبيعة الإنسان، مثلما ينتج عن خاصيته العقلية نزوعه إلى السلطة، وبالتالي منزلته كفرد.

على هذا النحو، ينبغي على الفرد أن يكون حرا، لأن سعادته مرتبطة به طبيعيا، كما أنه مهيّأ من خلال عقله لسُبل بلوغها. أما على المستوى النظري، فإن الحرية تخلق، عن طريق العقل، إمكانية القطع مع النظام الإنساني ونظام الضرورة الخارجي، أو على الأقل إمكانية تعليق هذا الأخير. ومن هنا تتجلى عن طريق الحرية سلطة الفرد”الفوق-طبيعية”. فقد كتب ريمون بولان(Raymond Polin)بخصوص جون لوك(John Locke)أنه “بإمكان الإنسان-من دون أن ينتهي إلى أن يتعارض مع الطبيعة-أن يعيد تركيب طبيعته بإضافة شيء من الحرية”(2).

وبهذا الفهم، تعني الحرية إذن:

ناحية سلبية مفادها أن الخوف من الآخرين(الناس أو الأشياء)إذا خيّم بكلكله، يكون غير محدد، لأنه لا يدفع أية حتمية، وخاصة الحتمية العقلية.
ناحية إيجابية، يمتلك بموجبها الفرد سلطة الفعل، وفق عقله، على كل الميادين، حيث يلتزم بحبّ البقاء وبمتطلبات سعادته: الحياة/الصحة/الخيرات…الخ. وفي كلمة واحدة ضمن كل ما يدعوه جون لوك عموما “الملكية”(La propriété). وفي هذا المعنى بالذات، يحدد كاتب مقال”الحرية الطبيعية”في الموسوعة (Encyclopédie): “إنّ الحرية الطبيعية هي حق تهبه الطبيعة لكل الناس من أجل استخدام شخصهم وخيراتهم، وفق الطريقة التي يرونها ملائمة لسعادتهم(…). إن القوانين الطبيعية هي إذن، القاعدة والمحكّ لهذه الحرية”(3). وسواء تعلق الأمر بسلطة داخلية ولاهوتية، أو-وعلى نحو مخصوص-بسلطة خارجية “فإن الحرية لا تعدو أن تكون شيئا آخر سوى شكل التدخل الإنساني في الكون”(4).

وعليه، بما أن السعادة انتقلت من نظام التأمّل إلى نظام التملّك الحالي للأشياء الخيّرة، مما هو خالد إلى ما هو زمني، وبما أن هدف الليبرالية هو في النهاية تأسيس سلطة الفرد في العالم، وتحويل المجتمع من أجل تنظيمه وفق حاجات الناس المتجدّدة باستمرار، فإن الحرية تؤول أساسا إلى سلطة تأكيد داخل العالم. فأن تكون حرّا بالنسبة لليبرالية، لا يعني وجود لامبالاة داخلية، وإنما حصول استقلالية خارجية، وخاصة وجود استقلالية إزاء التهديدات الشخصية أكثر منها استقلالية إزاء تهديدات الأشياء.

لذلك يميل الليبراليون، بالتساوق مع السلطات السياسية والاقتصادية، إلى تعريف الحرية، أولا وقبل كل شيء في علاقتها بالإرادة الخارجية. إذ يكتب ديدرو(Diderot)على سبيل المثال في هذا الاتجاه، متأثرا بقراءة جون لوك: “ما من إنسان استمدّ من الطبيعة حق التحكم في الآخرين. فالحرية حاضر من السماء، وكل فرد من نفس الجنس له الحق في تملكها مثلما له الحق في امتلاك العقل(…)، وكذلك في امتلاك أية سلطة أخرى متأتية من أصل آخر غير الطبيعة”(5).

لكل سلطة إذن، أصل اصطناعي سواء كان هذا الأصل غير شرعي(القوة، العنف)أو شرعي(حرية الفرد نفسها)، وهي تشير كذلك إلى تعهّد يُعطى “عن طريق العقل والنظام، لا عن غفلة ودون وعي. إنّ أي خضوع من نوع آخر هو جريمة حقيقية لعبادة الأوثان”(6).

ترى الليبرالية إذن، أنه من الجدير أن نتحدث عن الحرية ضمن تأكيد الاستقلالية، وضمن استقلالية الفرد إزاء السلطة السياسية والاجتماعية، وفي تبعية هذه السلطة للإرادة الفردية. إذ تميل الليبرالية إلى تفضيل إقصاء التهديدات الإرادية والشخصية، ومن ثم السياسية، وإلى الاستخفاف بالتهديدات المادية للأشياء، كما التهديدات الأخلاقية للاتفاقات الاجتماعية.

وبالإضافة إلى ذلك، ينبغي أيضا تحديد معاني الحرية المستخدمة من قبل الليبرالية، وذلك بتمييز الحرية الداخلية أو حرية الاختيار(libre-arbitre)عن الحرية الخارجية أو حرية التوسع(Liberté d’expansion) التي يمكن أن تُدرك وفق معنيين:

أولا، بما هي برنامج ملزم للإنسان نسبة إلى مجتمع ما. وهذه الحرية يمكن أن تسمى حرية ثقافية.
ثانيا، بما هي تعبير عن مجمل طبيعة الإنسان، والتي تظل كلية، فهذه إذن، هي الحرية الطبيعية. إلا أن كلّ من هذين المستويين اللذين للحرية له خاصيات مميزة، وهو يشمل بعض النتائج المختلفة في الغالب، بل والمتعارضة كذلك.
لقد كان هنالك تقصير لدى جلّ المفكرين الليبراليين في طرح مشكل الحرية الداخلية. إذ أن مطلبهم لم يكن الفعل الأخلاقي للفرد، بل سلطته على العالم، فقد كان انشغالهم بأصل هذه السلطة أقل من انشغالهم بنتائجها، وبالتالي بالشروط التي تحفّزها وتدفع بها. وبهذه المناسبة نكتشف كذلك نزوعا قويا لنفي حرية الاختيار، نزوع يتناسب مع تأثير الحتمية الميتافيزيقية أو التجريبية. ولذلك فإذا كنا نجد بعض أثرها عند لوك، فإن نفيها قد كان مطلقا عند هوبز(Hobbes) وعند أغلب الفلاسفة، مثل فولتير، ديدرو، دولباخ، هلفسيوس…الخ. وتبعا لما بيّنه ديكارت(Descartes)، تتطلب العقلانية الليبرالية التحديد الكلّي للإرادة من قبل العقل. إذ ليست الإرادة فقط ضرورية بالبداهة، وإنما العقلانية المدركة بوضوح هي وحدها ما يثير العقل، وهذا ما من شأنه أن يقصي كليا حرية اللامبالاة. يقول ديكارت في هذا الصدد: “عندما أكون حرا، ليس من الضروري أن أكون لا مباليا في اختيار هذا التهديد أو ذاك، ولكن بالأحرى فإن تفكيري منشدّ إلى أحدهم، سواء كنت أعرف بالبداهة أنّ الخير والحقيقي يتقاطعان، أو سواء أنّ الله يضع على هذا النحو تفكيري داخليا، إذ أنني أقوم باختياري بكل حرية(…)وإذا كنت أعرف دائما وبوضوح ما هو حقيقي وما هو خير، فلن أكون في حاجة إلى تروي أي حكم وأي اختيار ينبغي أن أقوم به. وهكذا أكون حرا تماما دون أن أكون لامباليا”(7).

حسب ديكارت إذن، ليس النظام سوى معطى، وكلّ فعل الإنسان إنما يتمثل في اكتشاف التسلسل الضروري من أجل أن يتطابق معه. فالتطابق هو الشرط الداخلي للإنسان. وبناءً على ذلك لن يكون هنالك تراجع للفلسفة الكلاسيكية أمام وجود حتمية روحية، وهذا ما يعلنه جورج غيسدورف (G.Gusdorf) الذي يورد شهادة سبينوزا(Spinoza) وليبنيتز(Leibniz) للتأكيد على ذلك:

“تتجسد الآلية(Le mécanisme)كذلك في مستوى الحقيقة الميتافيزيقية، فالإنسان الآلة، بما هو كائن مفكر هو كذلك هيئة آلية. والعبارة توجد عند سبينوزا، الذي يقول: “النفس الفاعلة وفق قوانين حتمية، أو بما هي إنسان آلي روحي(Automate) ” (8). كما يؤكد ليبنيتز من جهته: “في الإنسان كما في كل شيء في الخارج، كل شيء يقيني ومحدد مسبقا، والنفس الإنسانية هي جنس من إنسان آلي روحي”(9). كما أن نفس هذه الحتمية العقلية هي ما نجده عند لوك، وإنْ بأقل حدة، إذ يميّز(مع وجود بعض الغموض)الإرادة عن الحرية. حيث تشكل الأولى سلطة ممهدة للفعل(10)، في حين تمثل الثانية سلطة تعليق له عن طريق العقل من أجل أن يحدد هذا الأخير الإرادة وفقا لنظام للأولويات، هذا النظام الذي لا يمكن أن يكون سوى نظام للخير الأعظم(Le grand bien). الحرية إذن، هي تعليق الحكم المحدد للإرادة(11)، وغيابها قد يؤدي إلى سيطرة رغبة من الألم تمنع من اعتماد مجموع الخيرات الممكنة، وهذا ما يعيق الحكم بصفة غير شرعية. أما الإرادة فهي تُلحق بالحرية، وهذه بدورها تلحق بالعقل ومن ثم بقاعدة الخير. وفي كل الأحوال لا يمكن مقارنة الحرية سواء بما هو اعتباطي أو لامبالي.

تتأسس حريتنا إذن، على بداهة العقل الذي يُحمل على الخير، لأنه عبء عليه أن يحمل فكرة عن هذا الخير، وأن يتمكن من مقاومة ضغط الرغبة والإشباع المباشر. ومن ثم ترتبط الحرية بكل ضروب الحتمية، كما بالمعرفة التي تتعلق بخير أسمى. وإذا كان تصوّر الحرية الميتافيزيقية بهذا الشكل نابع من الفلسفة الكلاسيكية، وهو يمتد داخل الليبرالية عن طريق مقاربة جون لوك، فإنها لم تصل إلى حد السيطرة على نفي كل حرية للاختيار، التي انتقلت إلى القرن الثامن عشر عن طريق هوبز(Hobbes) بمعاضدة نيوتن(Newton)، حيث سيطر هذا المفهوم على الآلية المادية للفلاسفة.

إنّ وصف التسلسل القائم بين مختلف الأفعال العقلية، إنما يأتي وفق نموذج آلية كلية تنتظم وفق قوانين ضرورية ونافذة تعيد الاعتبار لمجمل الحركية الفيزيائية. حيث تأخذ العلاقات بين هذه الأفعال شكل سلسلات متصلة، وحيث يمكن الحديث عن وجود رابطة بديهية سببية بين مختلف العناصر، وذلك بعد التعرّف إلى تعاقب محض بين ظواهر عقلية متنوعة تنتهي بنا إلى تسلسل سببي ضروري لا يفلت منه أحد. وعلى هذا النحو نكون إزاء علم نفس فيزيولوجي يحل محلّ ميتافيزيقا الإنسان، وكل الابستمية الكلاسيكية، حيث لا يبقى للحرية الداخلية-بما أنها غير محددة-أي مجال، لأنها تشير إلى قطيعة سببية وغير ممكنة أكثر مما تشير إلى استمرار تشظّي البعد الفضائي أو الزمني. إنّ حرية الاختيار سوف تكون “فعلا دون علة”(12)، وكذلك الإنسان بما هو كائن طبيعي محدد في ذاته، إذ يؤوّل فعله دائما كما لو كان نتيجة للعلاقة الأكثر إيجابية، بين التطلع إلى الرغبة الأسمى، والخوف من الألم الأعظم.

لذلك لا نرى أي غرابة حين نجد هوبز ينفي بشدة كل حرية للإرادة: “لا تتفق الحرية مطلقا مع إرادة الناس، سوى مع الإرادة الصارخة(…). إن الإرادة والرغبة هما شيء واحد قد تم اعتباره وفق سمات مختلفة”(13). وإذا كان لوك قد استطاع أن يفلت جزئيا من نتيجة حاصلة عن تعفّن ميتافيزيقي، خاصة من خلال تمييزه بين الإرادة والحرية، فإن ذلك لم يحصل عند هيوم(Hume)وعند الفلاسفة الفرنسيين، بما أن الحرية عندهم لم تكن سوى فعل ما تقتضيه الإرادة بصفة مطلقة.

إلا أن هذا النفي لحرية الاختيار، الذي يحصل عن حتمية عقلية أو بسيكو-فيزيولوجية، لا يمنع من تأكيد حرية خارجية في اعتبارها السلبي بما هي تهديد للفعل، وكذلك في اعتبارها الإيجابي بما هي سلطة فعل. وفي هذا الصدد يلخص فولتير(Voltaire) حركة عصره الفلسفية بصورة بارزة حينما كتب بكل شجاعة:

“إنّ إرادتكم ليست حرّة، ولكن أفعالكم هي كذلك. أنتم أحرار في الفعل حينما تكون لكم سلطته”(14). لقد تم تعريف الحرية حصريا كسلطة خارجية، فهي لا تتعلق بمبدأ غير محدد في الفعل، وإنما بسيرورته اللامتحددة باعتبار أنّ هذه الحرية هي بالأساس حرية توسعية. وهذا ما أدى بالفيلسوف السكولاستيكي جاك ماريتان (Jacques Maritain) إلى اعتبارها بحدة “حرية إثارة”(Liberté d’exaltation) أو “حرية استقلال”(15). وذلك كدلالة وكأداة لاستقلال الإنسان عن الأشياء، وعن الآخرين، حيث تتماهى هذه الحرية مع تأكيد سيطرة الإنسان، والفرد داخل الكون. كما يصف جورج غيسدورف جيّدا هذه المنزلة قائلا: “هي حرية للحق الإنساني، حرية مناضلة وعاملة، وهي موضوع بحث واكتشاف أكثر منه موضوع تملك نهائي. إن تحول الحرية مرتبط بتحول العقل نفسه، هذا الذي كف عن أن يكون ملكة فطرية، تجميع لمبادئ مقدسة، أو لمواضيع تأمل انفعالي، ليصبح وسيلة تحليل وبناء، الوسيلة المفضلة لدى الإنسانية لكي تؤسس النظام أو تعيد تأسيسه في العالم، وفي الإنسان”(16).

هنالك إذن، نتيجتان يمكن استنتاجهما مباشرة من هذا التعريف:

أن الحرية لا تناقض نظام القوانين، إذ هي تفترضه وتستدعيه بما أنه يتم التعبير عنها بما هي شرط للقوانين. فالإنسان لا يفعل في العالم إلا من خلال خضوعه لها، ومن خلال خضوعه للقوانين التي يقتضيها وجوده وعقله. وضمن هذا المعنى لا يتحرج مونتسكيو (Montesquieu) من تأكيد أن الحرية والاستقلال لا يتماهيان، كما أنها”الحق في فعل كل ما تسمح به القوانين”(17). في حين تكمن الاستقلالية في ما يدعوه هوبز “صمت القانون”(18). إن رابطة القانون هي ذاتها رابطة الحرية مثلما يطورهما كانط أولا، الذي ركز الحرية على الخضوع للقانون، ثم هيغل فيما بعد حينما يصبح معه التنظيم الاجتماعي، الدولة، التعبير نفسه عن الحرية.
تتضافر الحرية، بهكذا فهم، مع الحتمية لكي ينتجا فاعلية الفرد في العالم. إذ ليست الحرية والحتمية أطروحتان متضادتان، وإنما هما متكاملتان “فالأمر لا يتعلق باختيار بين الحرية والحتمية. فبالنسبة للعقل، وحدها معرفة الحتميات الطبيعية، ما يمكّن من بثّ الإرادة الإنسانية في الكون”(19).
وبما أننا نطلب أفكارا ليس بالإمكان أن تُعرض لنا(20)، فإنّ مشكل الحرية يصبح مشكل معرفة وحساب، كما تصبح مسألة تحرر الإنسان مسألة تربية وبيداغوجيا. وبألفاظ مغايرة مسألة سوسيولوجيا تتعلق بشروط الحياة والفكر، أو على الأقل فإنّ هذه الحرية تأخذ بالأساس معنى نفعيا وأداتيا. ولهذا فهي تكفّ عن أن تتأكد كما لو أنها كونية حتى تصبح متعينة، أي اجتماعية، سياسية، اقتصادية، ودينية…الخ. وحينئذ نحن إزاء الاهتمام بـ”حريات” أكثر منه اهتمام بحرية مفردة وفريدة.

لكن هذه النتيجة تتطلب استثناءات، لأنه ينبغي تمييز ضربان من حرية التوسع(Liberté d’expansion). إذ بإمكاننا أن نعتبر مع لوك، مونتسكيو وفولتير، الحرية كشرط ثقافي للفرد، أو كذلك مع روسو بما هي شرط طبيعي للفرد، واعتبار إحداها لا يعني بالضرورة إقصاء الاعتبار الآخر، وإنما تصنيفه على نحو تختلف معه معنى النتائج حسيا. فإذا كان التصور الأول ينطلق من حرية الإنسان في حالة الطبيعة(état de nature)، فإن هذه الأخيرة إنما تُثبت ضمن فضاء أو إطار معين، فهي خضوع إلى نظام، إلى قوانين، وبكلمة إلى العقل. فهي حرية تتقبل قانونها لأنها معقولة وحدودها مثبتة-إذ هي لا تؤسسها، وإنما تقبل بها-من قبل حركة الآخر، ومن قبل ما يمكن تسميته الشروط الحياتية. وفي هذا الصدد يقول لوك: “تسود “حالة الطبيعة” قانون طبيعي ملزم لكل واحد، والعقل الذي يمتزج مع هذا القانون، يعلّم جميع الناس-إذا أرادوا اعتناقه-أن هم متساوون ومستقلون، فلا أحد يمكن له الاعتداء على الآخر سواء في حياته، أو في صحته، أو في حريته، أو في خيراته”(21).

وعلى هذا النحو حددت حرية التملك من خلال حاجات وقوى الفرد، وخاصة من خلال ضرورة الإفراط في أي شيء(22). فحرية “حالة الطبيعة” هي حرية مبنينة(structurée)، وهي تتطلب مذهبا بالضرورة. فهي تظهر لا بما هي حرية إنسان يحيا ضمن مجتمع وضمن تاريخ. وهي تنزع إلى أن تكون، عدم تأكيد لقيمة مطلقة في ذاتها، وإنما بكل بساطة، تأكيد استقلال الإنسان ضمن ظروفه خاصة، واستقلاليته النسبية إزاء أية سلطة اصطناعية. وهي غير متطابقة مع الطبيعة الإنسانية، وإنما هي نتيجة لشرطها العقلي. إذ على الإنسان أن يكون متحررا من كل سلطة اصطناعية اعتباطية لأنه حائز في ذاته على المبدأ الكافي لتدبيره. وينزع هذا التصور للحرية إلى أن يكون مضادا للدولة باسم القيم الفردية، سواء كانت واقعية أم خيالية، وكذلك باسم المسؤولية العقلية. ليس للعقد من هدف إذن، سوى تثبيت حدود الحالة، وأن لا يسمح سوى بـ”حالة-دنيا”(état minimal).

وبذلك تكون الحرية إعمال للعقل، أي للأنوار والتربية معا، كما أن جغرافيتها المتعينة تتحول وفق نسق تقدم الفرد والمجتمع. فهذه الحرية تنشدّ أساسا إلى قواعد، وضمن أشكال من قبيل: إعلان حقوق، دساتير، وضمن كل ما يحفز”الاعتدال”(La modération)في المعنى الذي يشير إليه مونتسكيو، فهي لا تعلن بما هي منزلة مطلقة، وإنما كحماية محددة وشكلية.

وعلى النقيض من ذلك، فإن التصوّر الثاني لحرية التوسع هو تصوّر جذري: فالحرية حينما تنطلق من الإنسان الطبيعي، فهي تدركه ضمن حرية كلية ليس لها من حدّ سوى الفرد ذاته. فبالنسبة لروسو، مثلا، يعبّر الإنسان الطبيعي المنعزل عن شرطه الأساسي من خلال حريته؛ بما أن هذه الأخيرة تتلخص ضمن الحكم-الذاتي. فهذه الحرية إذن، هي حرية أصلية لا تسبق العقل فقط، أو أية قاعدة اجتماعية أو سياسية، وإنما كذلك كل قانون أخلاقي(23)، وهي تتماهى على نحو ما مع الطبيعة(24). إنّ كل تحديد إذن، وكل قانون تاريخي، اجتماعي أو أخلاقي يعني انتقاص من طبيعة الإنسان، حتى أننا يمكن أن نفهم من محاولة روسو في مقالة في أصل اللامساواة(Discours sur l’origine de l’inégalité)، محاولة في معارضة الطبيعة بالثقافة، وتمرّد ضد التاريخ، أو هو كذلك ميل إلى القول بتفوّق الحدس والحساسية على العقل، تاركا للحرية مهمّة تنوير الإنسان، هذا الأخير الذي لا يوجد ولا يتواجد إلا ضمن حرية(25). ويُعدِّل العقد الاجتماعي( Contrat social)هذه الجذرية من خلال مشروع أخلاقي، ولكن بغموض: حيث تستمر الفكرة التي مفادها أنه لا وجود لكمال ممكن بالنسبة للفرد، ما لم “يحكم ذاته”، بمعنى ما لم يكن عند أصل كل القواعد والقوانين التي يخضع لها(26). ومن هنا، فإن المجتمع الشرعي الوحيد هو مجتمع ديمقراطي بالأساس، والثقافة الوحيدة الملائمة هي ثقافة الإرادة العامة(La volonté générale).

وهذا الأمر يعني بالضرورة أنّ الفرد يبني مجتمعه ويشكّل الدولة من خلال العقد الاجتماعي. ولكنّ هذا العقد له كذلك هدف أساسيّ، وهو إدماج الفرد في المجتمع وفي الإرادة العامّة: “يكون الاغتراب دون هوادة، وكذلك تكون الوحدة أكثر مما ينبغي، فلا يمكن لمن هو مشارك أن يعلن عن شيء يملكه(…) فكل واحد منا يضع شخصه بصفة مشتركة وكل استطاعته تحت القيادة العليا للإرادة العامة”(27). ولكن هذا العقد هو شكل حركي، وهو يتسع ضرورة-على عكس النظرية الدستورية التي يقول بها لوك، مونتسكيو وفولتير-من خلال المشاركة الفردية لكل فرد في كل قرار اجتماعي أو سياسي على نموذج الديمقراطيات القديمة. فالفرد إذن لا يوجد إلا داخل ومن خلال الإرادة العامة، أي الإرادة الجماعية. وبذلك فإن المجتمع المدني، الدولة تصبح كلها مجالا للحرية يتعارض معه كل شيء خاص، وكل اجتماع مخصوص، وهذا التصوّر الجذري للحرية الفردية يعني اجتماعية الفرد والدولة.

يفضي التأويل الأول للحرية إذن، إلى نظرية”الحالة القصوى”(l’état maximal)التي تشمل بصورة مطلقة كل فرد لا حق له سوى المشاركة في الإرادة العامة(28). وعليه، يلغي الحق المطلق في الحرية “الحقوق والحريات”(29)، وفي معنى ما يتلاشى الفرد المماثل لأي كان، والذي صار اجتماعيا في مجمله فيصبح دون اسم داخل المجموعة.

على هذا النحو يمكن لنا أن نصف روسو بأنه المبشر بالنظم الجماعية للجماهير، وذلك على الرغم من نزعته الفردية، وهذا لم يكن دونما قصد. ولكن ألا تعني مماهاة الحرية بالطبيعة المشتركة إلغاء المبدأ المميز والأساسي للفرد،ومن ثم الانحراف عن الفردانية الليبرالية (Individualisme libérale)؟

سوف تعيد المثالية الألمانية هذا التصوّر الأخير للحرية، إذ هي تأمل في الوصل مع الليبرالية، ولكن ذلك لن يكون سوى زواج من دون مصاهرة تحكمهما سلفا: إنه بالأحرى استراتيجيا مؤقتة، أو هو حيلة من حيل العقل والتاريخ، لأنه يهيئ-تحت غطاء النزعة الفردية-لصعود دولة مطلقة ودينية، بما هي المجال المناسب والحصري للقيم، حيث لن يتم التعرّف إلى الفرد إلا باعتباره كائنا غير متميز، بمعنى أنه كائن خاضع ومندمج في الجمهور. وهذه حركة لا علاقة حقيقية لها بالليبرالية، لأن المساواة في ظل غياب الاسم الذي يتطلبه الجمهور يكمن في نقض المساواة الليبرالية باعتبار أن هذه الأخيرة تعرٌف على الهويات وعلى التمايزات الفردية التي هي ثمار الحرية، ولكن هذه ليست أية حرية كانت وإنما هي حرية ثقافية واجتماعية.

{{الهوامش والمراجع:}}

1 Locke(J), Essai sur l’entendement humain, II, XXI, Vrin, 1972,- p.152.Raymond(P), La politique morale de J.Locke, p.22. -2

3 Ibid., p.405. -3

Georges Gusdorf, Signification humainede la liberté, Payot, 1962, p.169. -4

” Autorité politique”, in Encyclopédie, p.137. -5

كما يصرّح لوك في هذا الصدد أن “الحرية الطبيعية للإنسان، تعني أن لا نتعرف في الأرض إلى أية سلطة تكون عليا بالنسبة له، وأن لا يتم الخضوع لأية إرادة أو سلطة شرعية لأي كان، وأن لا نعتمد كقاعدة سوى القانون الطبيعي وحده”.Essai sur le pouvoir civil, IV, 22, p.77

انظر كذلك روسو: “بما أنه ما من أحد مالك لسلطة طبيعية على مثيله، وبما أن القوة لا تنتج أي حق، فإن التعاقد هو الذي يستمر كقاعدة لكل سلطة شرعية بين الناس”. Rousseau, Du contrat social, I, Gallimard, 1964, I, 4, p.355

Diderot, Ibidem, p.138. -6

Descartes, Méditations métaphysiques, IV, p305. -7

Spinoza, De la réforme de l’entendement, n°85, Bibliothèque de la-8 pléiade, p.189.

Théodicée, n°52, Œuvres philosophiques de Leibniz, T2, p.113. -9

Essai, II, chap.XXI, art, 8-30.-10

Essai sur l’entendement, II, XXI, 30et47.-11

Voltaire, Article liberté, Dictionnaire philosophique, Garnier-Flammarion,12
1964, p258.

De Corpore, XXV, n.12, cité par G.Gusdorf, Ibid., p.189.-13

Voltaire, Ibid., p258.-14

15- J.Maritain, De Bergson à T.D’Aquin, Essai de métaphysique et de morale, P.Hartmann, 1947, p190.

Ibid., p.192. -16

Montesquieu, L’Esprit des lois, XI, 3, Gallimard, 1951, p.395.-17

Hobbes, Léviathan, chap.XIII, Editions Sirey, Paris, 1971, p.81-18 .

من المنطقي إذن، بالنسبة لمؤلف “روح القوانين” أن يعنون كتابين: “في القوانين التي تشكل الحرية السياسية”. الكتابI و.XII

G.Gusdorf, Ibid., p.195.-19

Voltaire, Ibid., p.257.-20

J.Locke, Essai sur le pouvoir civil, II, 6, p.64.-21

Ibid., V, 31, p.82.-22

23- Rousseau, Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité parmiles
hommes, II, p.170.

Rousseau, Du contrat social, I, IV, op.cit, p.356-24.، يقول روسو في هذا المعنى:”أن يتخلى الفرد عن حريته، يعني أن يتخلى عن خاصيته كإنسان”.

25- Ibid., II, pp.193-194.، يقول روسو: “إن الخضوع للقانون الصادر هو الحرية”.

26- Ibid., I, 8,p.365.

27-Rousseau, Du Contrat social, I, op.cit, 6, p.361.

28 -“إذا رفض أحد ما الخضوع إلى الإرادة العامة، فسوف يصبح مهددا من قبل الجسم كله: وهذا ما يعني سوى أن نجبره على أن يكون حرا”. Du Contrat social, I, 7, op.cit, p.364.

Ibid., I, 6, p.360. – 29

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق