نقد نظرية الحكم الإسلامية ( 2 من 2 )

و يمكننا رصد مراحل تشكل النظرية السياسية الإسلامية في أربع مراحل :
الأولى هي المرحلة التأسيسية وهي فترة الوحي و البناء النص للقرآن الكريم وما تلاه من تدوين للسنة العملية والقولية للنبي ، وتعد هذه المرحلة الأهم باعتبارها القاعدة والأساس الذي ستمارس على وفقه النظرية و تتطور وتنضج. الثانية هي مرحلة قيام المدارس الفقهية وتأصيل العلوم الدينية التقليدية التي أسسها أبو حنيفة صاحب مدرسة الرأي و تلميذاه أبو يوسف و أبو عبيد مؤلفا أهم كتابين تراثيين يمكن عدها الأساس في تقنين النص الديني و هما كتابا الخراج و الأموال. الثالثة هي مرحلة الشروح على المتون و اقتفاء أثر المجتهدين الأوائل و أصحاب المذاهب الفقهية الخمسة الكبرى ، الحنفية و المالكية و الشافعية و الحنبلية و الجعفرية. الرابعة هي المرحلة الحديثة و المعاصرة بدأ بـمجلة الأحكام العدلية العثمانية وصولا إلى كتاب علي عبد الرازق الإسلام وأصول الحكم و الذي ألفه بدعم من حزب الدستوريين الأحرار لرفض دعوة بعض شيوخ الأزهر تنصيب الملك فؤاد خليفة وإعادة الخلافة بعدما ألغاها مصطفى أتاتورك في العام السابق وهي زمن الانفتاح على العلوم السياسية الغربية ومحاولة التماهي مع النظريات و النظم الوضعية و السعي للحاق بركب الحضارة الغربية و مسايرة تطورات العصر . و لم يستطع رواد تلك الفترة ترسيخ قاعدة صلبة من الحداثة واضطر علي عبد الرازق تحت ضغط علماء الأزهرإلى التراجع و التوبة عن كتابه و تتابع التراجع لنصل إلى راهن اضطراب الفكر السياسي الديني عبر منظري الإسلام السياسي الأصولي المتشددة ما رافقه من عنف و صدام بين القوى السياسية قد يتحول إلى صدام بين الشعوب والحضارات ما لم نعمل على لجم التوق و الشغف بالتعصب و التزمت و التشدد.

الإشكال الأساسي في النظرية بنيوي في العمق:

إذا كنا نعتقد بأن التدوين الفقهي يشكله الجزئي و المبسط قد بدأ في النصف الثاني من القرن الأول الهجري ــ ما كتبه عبد الله بن إباض. ولم يصل إلينا ـ إلا أن مسألة الخلافة و سياسة الملك لم تبحث بشكل جدي و متكامل إلا في القرن الخامس الهجري على يد أبي الحسن علي بن محمد الماوردي (364ــ0 45 ) ــ هـ الذي ألف أربعة كتب مختصة في الفقه السياسي هي :الأحكام السلطانية ,قوانين الوزارة و سياسة الملك ,نصيحة الملوك , تسهيل النظر و تعجيل الظفر في أخلاق الملك و سياسة الملك. وحققها و قدم لها و بحث فيه الدكتور رضوان السيد المختص في الدراسات السياسية التراثية. وجاء بعده بدر الدين ابن جماعة ولد في حماة سنة639 ـ وتوفي 733 هجرية و كتب تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام. وسبقه زمنيا شهاب الدين أحمد بن الربيع المتوفى 227هجرية كتب في عهد الخليفة المعتصم كتاب سلوك المالك و تدبير الممالك إلا أنه لا يشكل نظرية سياسية كما يقول محققه حامد ربيع: بأنه وثيقة ليست فلسفة سياسية و ليست علما، لكنها تحليل للإدراك السياسي الجماعي الذي قاد الحضارة الإسلامية خلال النصف الثاني من القرن الثالث الهجري.و يرى بعض الباحثين أن مؤلف سلوك الممالك يقوم على الفكر السياسي اليوناني و بخاصة فكر أرسطو و أفلاطون وهو يؤكد شكل الحكومة الملكي الذي يقوم على حكم الفرد مقرونا بالتفويض الرباني للحكام بقول ابن الربيع: إن الله خص الملوك بكرامته و مكن لهم في بلاده وخولهم عبادة.

و جاء قبله جنس مرايا الأمراء و نصائح الملوك وفيه كتابات ابن المقفع المتوفى 139هجرية و اختص بالنصائح و إقرار قواعد أخلاقية موجهة للحكام .ولا يصح تصنيف تلك المؤلفات في مجلد البحث السياسي الديني بقدر ما تنطبق عليها أبحاث فلسفية و أدبية سياسية تداخلت مع الموروث الفارسي التاج في أخلاق الملوك المنسوب للجاحظ المتوفى 252 هـ كتاب في الأدبيات و الأخلاقيات لا يصنف في المبحث السياسي المختص.

لا يستطع باحث في فقه السياسة التراثي نفي التأثيرات المهمة للحضارات التي سادت أرض الإمبراطورية الإسلامية خاصة الحضارة الساسانية كما يؤكد رضوان السيد كما لا ينكر الإفادة من المترجمات اليونانية في صياغة الفلسفة الإسلامية. و هذا لا يبرئ الفقه السياسي من الإشكالات التي و قع فيها، و من و جهة نظرنا فان الأفكار المنقولة و جدت لها صدى و قواعد جاذبة في عمق النص ما مكن الفقهاء من خلق سبيكة صلبة لها كل المواصفات و الميزات الإسلامية. وتأسيسا على ما سبق نرى أهمية العمل في حفريات التراث على مناقشة الأصل و الأس الذي نهلت منه العلوم السياسية الإسلامية.

إن عشرات الكتب التراثية المختصة في الفقه السياسي عبر أكثر من ألف سنة ليست دليلا مؤهلا لتأكيد أحقية الدين في قيادة السياسة، كما و أنها ليست كافية لمقارعة العلوم السياسية المختصة بالنظريات و الأنظمة السياسية الوضعية.
يجب أن يدرك الدعاة الجدد للإسلام السياسي أن تراث الفقه السياسي خلا تماما من مفاهيم المشاركة في القرار والحكم ولم يلتفت إطلاقا إلى مسألة تداول السلطة. وابتعد كل البعد عن الحرية والمساواة كقيم إنسانية مقاييسها مهملة للانتماء الديني والعرقي ولم يتبن المواطنة كمفهوم ومبدأ، ولا تكفي الإشارة القرآنية والدلالات العملية المحدودة في السيرة النبوية للشورى كأساس ومنطلق للمشاركة السياسية خاصة وأن الفقه السياسي أجمع على عدم إلزامية الشورى.

في النظام السياسي الإسلامي:

إشكالية انتفاء المعارضة وعزل الخليفة :
عندما تبايع الأكثرية الخليفة أو الأمير أو القائد تكره أي تجبر الأقلية على المبايعة و مفهوم الأكثرية المقصود هنا هو قرار النخبة الغالبة أي الأقوى أو المسيطرة وهذا عائد لطبيعة التفكير السياسي الديني المرتبط بوحدانية الحق و مطلق الحقيقية ،فبعد مبايعة أبي بكر على الخلافة أجبر ـ أكره علي على البيعة وبعد مبايعة علي أميرا للمؤمنين أجبر الزبير و طلحة على البيعة ،كماأجبر معاوية بن سفيان علماء المدينة و بقية أصحاب الرسول على مبايعة ابنه يزيد و اشتهرت تلك الحادثة ببيعة السيف ، و كانت حجة يزيد في محاربة الإمام الحسين وقتله شديدة اللصوق بضوابط البيعة . و أصبح الأمر فيما بعد صوريا, حيث تنتقل الخلافة ـ أي رئاسة الدولة أوتوماتيكيا لولي العهد دون شورى أو انتخاب من باب أولى و بطبيعة الحال كان الرعايا مبعدين تماما عن مسألة من يتولى قيادتهم و حكمهم ولم يكن للعامة أي دور يذكر في هذا الشأن و استمر الحال على ما هو عليه إلى عام ـ 1876تاريخ أول برلمان في الدولة الإسلامية وقد استمر سنة واحدة ثم حله السلطان عبد الحميد الثاني بعد الخسائر الكبيرة التي مني بها الجيش العثماني على يد الروس واعتبر عبد الحميد البرلمان مسئولا عن الهزيمة . هذا بالاستعراض التاريخي .

في الراهن فإن الحكم الإسلامي في إيران رغم وجود مظاهر ديمقراطية من انتخابات حرة وشفافة نسبيا وتنافس و تعددية إلا أن انتفاء و جود المعارضة خلل جوهري في النظام السياسي الإيراني خاصة والإسلامي عموما.ولا ينكر وجود المعارضة على الدوام في التاريخ الإسلامي لكنها معارضة مضطهدة و محاربة كما هو الحال في الأنظمة الفردية الاستبدادية المعاصرة.

ولما كان نظام الحكم في الإسلام غير محدد وغير واضح لم تتعرف في العهود الأولى طرق لتنصيب الخليفة و لم يتطرق البحث إلى وسائل عزله. و لقد تجلى ذلك النقص في الحيرة و العجز حيال الموقف من الخليفة الثالث عثمان بن عفان و تمت محاصرة بيته لثلاثة شهور ثم فك الحصار بعد تسليمه كتاب عزل والي مصر ولما أكتشف ما في الكتاب من أمر للوالي بقتل حاملي الرسالة عادت الفتنة من جديد و تمت محاصرة عثمان واقتحم قصره و قتل وهو يتلو القرآن .آخذين هنا بعين الاعتبار الروايات السنية عن الموضوع والدالة إلى وجود مؤامرة يهودية هدفها إثارة الفتنة بين المسلمين ، إلا أن الوقائع وما آلت إليه الأمور هي بؤرة البحث و مصب استخلاص النتيجة .

الإباضية و الخوارج:

ينتسب الإباضيون إلى جابر بن زيد الأزدي التابعي العماني و لد عام 22هجرية كما ينسبون إلى عبد الله بن يحيى بن إباض المري الذي عاصر معاوية وخرج على حكام بني أمية عام 128هـ و قتل عام 130 على يد جيش مروان بن محمد و يعتبرهم الشيعة من الخوارج لخروجهم على الإمام علي،وأنكروا التحكيم ورفعوا شعار :قبلت الدنية و لا حاكم إلا الله ولعل هذا هو أهم رابط بينهم و بين الخوارج ويعدهم السنة من الشيعة لسبهم عثمان. والمذهب الإباضي بالنظر إلى تأسيسه و نشأته أقدم المذاهب الفقهية الإسلامية وهو نتاج مدرستي العراق و البصرة خصوصا واستخدم الرأي و القياس بالرغم من أن جابر محدث . أهمية الوقوف عند هذا المذهب هو أن أصحابه دعوا إلى إمامة المسلمين عن طريق حرية الاختيار و الكفاءة الشرعية لهذا المنصب ولم يشترطوا الإمامة في قريش و لا يجوز عندهم الخروج على الإمام العادل أما الظالم فالخروج عليه ليس ممنوعا كما عند الأشاعرة.و ما زال أتباعهم حاضرين كثرا وهم قريبون من أهل السنة .

ومن غرائب النظام السياسي الإسلامي أن الخوارج و هم فئة ضالة بنظر أهل السنة و الشيعة، اعتقدوا بأن الخليفة لا يكون إلا بانتخاب حر وصحيح يقوم به عامة المسلمين، لا فرق بينهم و يستمر خليفة مادام قائما بالعدل مقيما للشرع مبتعدا عن الخطأ فان حاد وجب عزله و قتله. و الإمامة في نظرهم جائزة وليست واجبة تقتضيها المصلحة العامة فإذا أمكن أن يعيشوا فيما بينهم بالعدل و الإنصاف لا ضرورة للحاكم فإذا فسد الحال وجبت الإمامة .

إلا أنهم أسسوا لمذاهب العنف و القتل و تسرعوا في أحكامها الجائرة و قتلوا المخالف و لم يرحموا طفلا أو شيخا أو حاملا و كانوا شديدي التعصب و الالتزام. و تقتفي أثرهم بعض الفئات الإرهابية الضالة في عصرنا الراهن.
والواقع أن رؤية الخوارج لنظرية الحكم رؤية بدائية غوغائية تعود بمآلها إلى التصورات العشائرية و مجتمعات الإنسان ما قبل الدولة. يتجلى ذلك من خلال قولهم بعدم وجوب الإمامة و أمرهم بقتل الخليفة أو الإمام عندما يحيد أو يخطئ

نتيجة البحث :

لقد أثرى العلماء و الفلاسفة المسلمون الحضارة الإنسانية بمؤلفات قيمة و ساهموا في إغناء التراث الحضاري الإنساني ومازالت علوم أبن خلدون الاجتماعية صالحة ليومنا هذا و مازالت آداب الحكم حرية ً بالقراءة والفهم. ولا ينسى العالم حكاماً مسلمين قل و ندر أن تعرف البشرية أمثالهم كيوسف بن أيوب الفارس النبيل صلاح الدين الأيوبي.
ألا أن الأزمة تستمر وتعود من جديد كلما تجدد البحث السلفي في النصوص و زاد الإصرار على أولوية ووحدانية المرجعية الدينية و تجاوز العلوم و المعارف التي اشتغل عليها وأنتجها العلماء و الفلاسفة، و حصر البحث في قائمة من الكتب التراثية المذهبية و تصنيف الناس على أساسها و يمارس العنف بفتاواها ويعمل من أجل إعادة عجلة التاريخ إلى الخلف. إن ارتباط السياسي بالديني كان على الدوام لمصلحة السياسي و كل الجرائم الإنسانية التي ارتكبت بقرار سياسي تمت تحت مظلة قرار ديني أو أيديولوجي.

وحتى عصرنا الراهن لم يتمكن العلماء و المختصون في علوم الشريعة و مذاهبها من إبرام نظرية حكم متكاملة تمتلك الآليات و الوسائل الإجرائية العملية المنظومة في أطر و قواعد مضبوطة و محددة.وكل ما دار الحديث حوله ومازال منصب في إقامة مراد الوحي الذي يعتقد بتفاهة الحياة الدنيا مقابل عظمة وسرمدية الحياة الثانية بعد الموت.وما زال البحث قائما في اجترار صور و أشكال مبعثرة لأساليب الحكم التي عرفها تاريخ الدولة الإسلامية التي غابت عنها على الدوام إرادة العامة و مراقبتها.وما نظرية ولاية الفقيه التي ينص عليها الدستور الإيراني إلا وجه جديد لقالب قديم منح الحاكم أو الملك صلاحيات مطلقة بتفويض رباني.

يقول سيد القمني مختصرا المسيرة التاريخية لنظرية الحكم في بلادنا التي سيطر عليها نظام الحكم الفردي المستند إلى مرجعية دينية وما أل إليه الراهن كمسيرة طبيعية لتولي الهيمنة المرجعية: (في معظم عالمنا الإسلامي ديكتاتوريتان تتصارعان على استمرار الديكتاتورية و ليس إقامة الديمقراطية:

1. ديكتاتورية عسكر و أسر حاكمة و يمثلون الخليفة الإسلامي التاريخي، و يحاكون نظامه.

2. ديكتاتورية دينية سواء حليفة للسلطة أو معارضة لها ، و يمثلها الإمام أو الشيخ.

و كلاهما الحاكم أو الخليفة، و الشيخ أو الإمام، في حالة صراعية حول من يأخذ أكثر من نصيب الآخر من الفريسة، لكنهما لا يختلفان مصيرياً و لا منهجياً ، إنه صراع الإمام و الخليفة منذ فصل معاوية بين سلطة الحكم و إمامة الصلاة و عين للصلاة الجامعة شيخاً إماماً ) “الحوار المتمدن 2208″

لقد كانت الديمقراطية وما تزال غائبة و مغيبة ولم تعرف أنظمة الحكم الإسلامية تاريخيا مفهوم سيادة الشعب ولا مشاركته، وفي عصرنا الراهن تزداد قيم الحرية و المشاركة السياسية غربة وحصارا حيث استطاعت الأنظمة السائدة التغلغل في الوجدان الشعبي المكون من دغمائية دينية بحتة وأوجدت حالة من العداء مع الفكرة والمفهوم الديمقراطي باعتبارها مستوردة وغريبة لم تعرف المنقولات التراثية دليلا عليها ولم تثبت ممارستها.وفي الجانب الآخر ما زالت الأحزاب الدينية تعد الديمقراطية عربة تستقلها للوصول ثم تتركها عند أخر محطة تريد الوصول إليها وهي كرسي الحكم ،وبعد تلك المحطة تحيل المركبة للتقاعد وتحيي أساليب وطرائق الحكم الموروثة ضاربة عرض الحائض بالمبادئ و القيم التي أوصلتها وكانت تنادي بها وتناضل من أجلها .ولعل الفتوى التي أصدرتها جماعة أنصار السنة في الشهر الثاني من العام 2008 في مصر ـ وهي جماعة سلفية تعتقد بوجوب الرجوع إلى الكتاب و السنة في كامل توجهاتها الدنيوية و الدينية ـ بجواز توريث الحم على أساس أنه ينطبق مع التوجهات الشرعية، دليل رمزي على ما أسسنا له و استنتجناه .

إن البحث السياسي الديني يدور حول السياسة و أخلاقياتها وغاياتها يدعم السلاطين في الأغلب ولا يدخل في عمق البحث السياسي و علومه إلا من خلال الدراسات الوضعية الشرقية و الغربية.

نماذج حديثة للنظرية السياسية الإسلامية:

من وجهة نظر سنية:

أولا :أنها نظام رباني في أسسها و قواعدها ،ليست من وضع البشر بل هي من و ضع خالقهم
((أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يقنون )) المائدة 50
ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ))الملك 13

ثانيا : أنها نظام أخلاقي يقوم على الفضيلة و احترام حقوق الإنسان .
ثالثا :أنها نظام عقائدي يقوم على أساس عقيدة التوحيد.

رابعا: أنها نظام شامل كامل .

خامساً: أنها نظام العدالة والمساواة.

سادسا : أنها نظام عالمي صالح لكل زمان و مكان

وأما أهداف هذه السياسة الشرعية الإسلامية فهي أهداف سامية،أهمها:

أولا: إقامة الدين لله وتحقيق العبودية الخالصة لرب العالمين.

ثانياً: إقامة العدل ودفع الظلم عن الناس.

ثالثاً: إصلاح الدنيا وعمارة الأرض.

والمتأمل لمقاصد قواعد النظام السياسي الإسلامي يجده يهدف إلى ثلاثة مقاصد مهمة (درء المفاسد وجلب المصالح والحث على مكارم الأخلاق).

وإما قواعد هذا النظام السياسي فهي الشورى والطاعة والعدل والحرية.

ولهذا يجب أن تكون سياستنا سياسة شرعية قائمة على أصول الكتاب والسنة وان نضع القوانين الملائمة لزماننا ومقتضيات واقعنا الحالي شريطة أن لا نبيح لأنفسنا سنّ قوانين تتعارض مع الشريعة أو مقاصدها، وذلك لتحقيق الغاية والهدف الأسمى وهو إقامة المجتمع المسلم على منهاج النبوة ــ15ــ الخلافة الراشدة) ـ

يتطرق النموذج لعموميات تصلح عناوين كبيرة لبحث ديني لا ينحصر ولا يتخصص في العلوم و المبادئ السياسية ولا يصلح بحال من الأحوال كنظرية سياسية للحكم.ذلك أن القواعد والأهداف والمهام المطروحة تسبغ الطابع الديني العام المعاد و المكرر عند الإنشاء أو التأسيس لأي من المناهج و العلوم و المعارف الإنسانية من منطلقات إسلامية . فهو يصلح منطلقا لعلم الاجتماع و أساسا لعلم النفس وضابطا لعلوم الاقتصاد ، ومؤسسا لمناهج الثقافة.هكذا هو الحال في غالبية الدراسات الإسلامية الحديثة المتنطعة لشرح و بيان النظرية السياسية للحكم من منظور ديني إسلامي، تضع عناوين وشعارات تصلح لتكون وعاءا ولباسا يوضع فيه ما يتواءم معه و ما يتفق مع التوجهات المرحلية و الإستراتيجية المؤقتة للمستقبل المنظور .

و بالنظر إلى نماذج لمدارس فقهية شيعية :

بكونها نموذج متطور ومحاولة جادة وقيمة ينطوي على إضافة وتجديد هامين إلا أنه يبقى أسير الدليل الشرعي المختلف علية و المتناقض أحيانا عند المرجعيات الشرعية المذهبية وهو في الواقع يظهر بجلاء ووضوح العملية التركيبة المتبعة من قبل الباحثين الإسلاميين عندما يدخلون أعمق من العناوين و الشعارات و يكونون أكثر تحديدا في مجال البحث و التخصص يلجئون للدراسات و الأبحاث و النظريات الوضعية شرقية كانت أم غربية و يحاولون صبغها أو تلوينها باللون الديني ويمارسون الشرح و التوصيف باعتبارها مباحث و معارف إسلامية ، و إذا كانت تلك الطريقة و ذلك الأسلوب خطوة متقدمة و توجها سليما َ باتجاه البحث العلمي فإن المأخذ الأساس عليها هو محاولة أسلمة النظريات و العلوم بحيث تنطبق عليها محاذير الوقوف عند المرجعيات الدينية فقد يغدو المخالف لما تم تبنيه خارجا عن الدين مفارقا للجماعة ، كما يحظر نقدها أو تخطيئها .

هكذا تستمر إشكالية البحث الديني السياسي و يتفاقم تناقضه مع المفهوم المركزي للسياسة باعتبارها علما و فنا مرنا متغيرا يراعي الحاجات و المصالح البشرية غير ملتزم بثوابت مطلقة غيبية لا تعدل ولا تتغير ومن باب أولى ألا تناقش.

موجز حول مسألة التعددية:
في مجمل بحثنا لنقد نظرية الحكم الإسلامية قدمنا نماذج مطولة من الدراسات و الأبحاث التي تدور في فلك الموضوع و تغوص داخل تفاصيل بنيانه و تراكيبه , وذلك توخيا للموضوعية في الدراسة و البحث ،و نستطيع الوقوف حيال تلك المطروحات بعين التقدير و الاهتمام لما تقدمة من طرح جديد و محاولة لتأسيس نظرية متكاملة تكون ذات مرجعية مقبولة و معتمدة من الأكثرية الملحقة بضرورة سيادية الإسلام السياسي . ولقد سعت الأبحاث المنقولة لإسناد أطروحاتها بالدليل الشرعي من المصادر الأولية الكتاب و السنة و أدلة المذاهب الفقهية و أراء ومواقف أقطاب الفكر الديني الحديث و المعاصر وذلك بهدف حشد التأيد اللازم و الكافي لتبنيها والتعامل بها .

وبالنظر بعمق نجد بعض المسائل الإشكالية الحائلة دون انتقال تلك النظريات إلى عالم التطبيق و الواقع .فهي بداية مازالت تبحث في أساسيات لعلها باتت مسلمة في علوم السياسة و مناهجها فمثلا لم يتمكن فريق من أقطاب الإسلام السياسي من حسم مسألة التعددية في الحكم دون الخروج من دائرة الدليل أو قيد النص حيث مازال تفسير النصوص محل جدل و اختلاف لم يستقر بعد على رأي أو توافق .مازالت تلك المحاولات الجادة تبحث في قضايا و أمور تجاوزها نظام الدولة المعاصرة و تخطى البحث فيها ، فأشكال المبايعة و الأمارة لم تعد ذات بال في المنظومة السياسية الحديثة للمجتمعات و إذا كانت ما تزال مطروحة و معتمدة في بعض الدول العربية فلا يعني ذلك سوى تخلف تلك الدول و أنظمتها عن ركب العلاقات السوية بين الحاكم المجتمع المدني .

تظهر الأبحاث السياسية الدينية عموما بجلاء محاولة فرش النص و إطالته أفقيا ليكون مناسبا لتغطية وجهة نظر ما في سعي متكلف يظهر العجز عن مغادرة الأنموذج التراثي في الحكم ( استدل القائلون بجواز التعددية: بالقرآن، والسنة، وقواعد الشريعة ومقاصدها، وكذلك بالمعقول:

أولاً: القرآن الكريم:
1. قال الله تعالى: ” وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ “سورة آل عمرن الآية رقم 104.

وجه الدلالة: يأمر الله تعالى جماعة من المسلمين أن تكون متصدية لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر الرباني يفيد الوجوب في قوله: ” وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ ” وأمة يقصد بها جماعة، وفي هذا دلالة على مشروعية العمل الجماعي، والناس بطبيعتهم يختلفون في الأفكار والسياسات لتحقيق أهدافهم، فتتشكل الأحزاب السياسية كوسيلة شرعية للقيام بهذه الفريضة.)

كم يبدو التكلف واضحا في إسناد حكم التعددية لآية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فالآية شديدة العمومية و لم يتطرق أي من التفاسير التقليدية المعروفة ـ عند السنة ـ للوصول إلى تلك الدلالة البعيدة المنال من النص القرآني الكريم .
وللأسف فان حجج المعارضين للتعددية السياسية أقوى و أوضح وأشد، وتمتلك و البراهين المختلفة و المتعددة بدأ من التفاسير المنقولة و الموروثة للنصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة وصولا إلى التطبيق العملي تاريخيا في مختلف حقب و عصور الحكم الإسلامي .ويستدل أصحاب الرأي المناهض للتعددية بحزمة واسعة من العناصر تبدأ بقوله تعالى :” إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ “سورة الأنعام الآية رقم 159.

كذلك قوله تعالى : “ولا تكونوا من المشركين* من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ” سورة الروم الآيتان 31 ـ32

و التوجه العام في الفكر السياسي الديني منصب نحو التوحيد و الوحدة و ينفر من التعدد و الاختلاف وهذا منطق شديد البساطة و الوضوح فالأصل واحد و المرجع معروف ومحدود والاجتهاد يبقى محصورا بالمفهوم الأصولي في حدود الفهم الصحيح القائم على الدليل و مخالفته لا تكون من باب الرأي الأخر بل من نافذة الخروج عن الجماعة.

موجز حول طاعة ولي الأمر :

ولي الأمر مصطلح شديد الأهمية في فقه السياسة الشرعية تقوم على بنيته القواعد و الأسس الناظمة لأنظمة وطرائق وأساليب الحكم الشرعية ن فالخليفة أو الإمام أو الولي وصولا إلى الملك و السلطان قائمون على تنفيذ أوامر و توصيات و توجهات المقام الأعلى وهو الوحي الإلهي وما نزل موازي له ( ألا إني أوتيت القرآن و مثله معه) وعلى مبدأ ضبط العلاقة بين الراعي و الرعية و مهام وواجبات كل منهما دارت الأحكام السلطانية وتطور مفهوم ولي الأمر في المذاهب السنية ليسترسل وصولا إلى أمير الجماعة وقائد الجند وحتى المسئول الموكل من قبل سلطة أعلى لإدارة شأن ما عام أو خاص .في حين تطور ذلك المفهوم في المدارس الشيعية باتجاه معاكس ليضيق ويحصر بالإمامة ووكلائها لحين ظهور المهدي المنتظر ، ويرى بعض علماء التفسير أن ولي الأمر يكون في المرتبة الأولى صاحب العلم و الفقه الشرعي وهذا منطق وسط بين المذاهب فهو يميل نحو الفهم الضيق للمدارس الشيعية و ينفتح نحو الحاكم بوصفة خليفة أو وكيلا لتنفيذ إرادة الوحي عند السنة .

“” ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولى الأمر منكم “” سورة النساء الآية 59
تدل الآية بوضوح على تراتبية في الطاعة فطاعة الله في المقام الأول و منها طاعة الرسول (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )( قل أطيعوا الله و الرسول ) سورة آل عمران الآيتان 31 ـ 32
أما و لي الأمر بمختلف دلالاته فلا طاعة له إلا في حدود طاعة الله فإذا خالف أمر ه فلا طاعة له، ولكن عندما يكتسي ولي الله كسوة العصمة تتبخر تلك القاعدة و ينوب الولي نيابة عامة لا تنتقص هكذا يتداخل دائما السياسي بالديني و يختلط الأمر الدنيوي بالسماوي وتجد النظريات السياسية الدينية نفسها مضطرة للف والدوران حول نفسها و حول النص في مسعى للخروج من أسره مرة و الاستناد إليه أخرى. لقد وجدنا ضرورة لعرض نماذج مختارة من الأطروحات الحديثة المتناولة للنظرية و النظام السياسي الإسلامي لنكون أكثر موضوعية وأشد قربا وعمقا من مادة بحثا وذلك في محاولة جادة للبعد عن النتائج المسبقة والأحكام النمطية ،وحرصنا على الوصول إلى نتيجة مدعومة بالمعلومة والبحث الأكاديمي .

مجمل القول فإنني أعتقد بأن الحقيقة مسيرة دائمة لا تتوقف، يصعب بل يعجز احتكارها ، وهي في ذات الوقت مجزئة تقبل القسمة و الزيادة والطرح والجمع، متغيرة بقدر ما هي ثابتة ويبقى الإنسان وحريته وكرامته وحقوقه هي القيم الأسمى التي تدور في فلكها.

هوامش :

1 ــ يعرف هشام جعيط القداسة بأنها الشعور بالخوف أمام حضور الجلالة وليست مسألة أخلاقية . كتاب : الوحي القرآن النبوة ـ صفحة 111

2ــ محمد أركون الإسلام و أوربا : ترجمة هاشم صالح 1995

3ـ الشيخ أبو بكر جابر الجزائري العالم المفسر الداعية المصلح رئيس قسم التفسير و أستاذ الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة

4ــ هذه الرواية موجودة في العديد من تفاسير القرآن الكريم الشيعية كتفسير نور الثقلين للحويزي ومجمع البيان للطبرسي و الميزان للطبطبائي

5ــ تفسير فتح القدير لمحمد بن علي بن محمد الشوكاني ج2ص483

6ــ المصدر السابق المجلد الرابع ص328

7ــ الميزان في تفسير القرآن للعلامة محمد حسن الطبطبائي النسخة الألكترونية

8ــ رواه مسلم برقم 153ـوصحح مثله الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 157

9ــ رسالة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ص4

10ــ الدر السنية في الأجوبة النجدية 7/ 239

11ــ تحرير الأحكام صفحة 55

12ــ منهاج السنة 1/142

13ــ جريدة الشرق الأوسط21/8/2003

14ــ كتاب الحكومة الإسلامية للإمام الخميني صفحة 43

15ــ فقه السياسة الشرعية في ضوء الكتاب والسنة : الشيخ ضياء الدين عبد الحميد محمد

اخترنا تلك الصيغة المعبرة عن السياسة الشرعية لكونها مختصرة و تحتوي على كل العناصر المطلوبة بدون إطالة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق