نكون مثل أساتذة قساة عندما نقرأ ما كتبه أجدادنا الأدباء / حسن داوود

لم أتردّد حين طلبتْ منّي مروى أرسانيوس الإشتراك في سلسلة الندوات التي ينظّمها لقاء «98 أسبوعا» حول مجلة «الهلال». لذلك الإسم وقع القِدم، رغم عدم معرفتي بالوقت الذي توقّفت فيه المجلّة عن الصدور أو إن كانت ما تزال تُصدر أعدادها إلى اليوم. أمّا مادّة ذلك القِدم، أو وثيقته، في ما خصّني، فأحد مجلّداتها القديمة الذي يضمّ أعدادا منها. لم أعد أعرف من أين تحصّل لي ذلك المجلّد، هل أنّني اشتريته؟ هل أتاني هديّة من أحد؟ هل استقرّ عندي بعد جولة إعارات أوقفتها باستئثاري به، كما يحدث عادة، أو أحيانا، بين هواة تجميع الكتب أو قرّائها؟

بعد أن فقدته، في أيّار2008، بالحريق، أو بالإحراق، الذي التهم مكتبي في الجريدة حيث أعمل، بدأت أتردّد في تعيين سنته، هل هي 1923 أو 1927؟ لكنّني، لأبقي نفسي مطمئنّة إلى أنّني لن أضيّع تاريخه الصحيح، أقول إنّني أستطيع أن أبلغه بأن أجري حسابا بسيطا، هكذا طالما أنّني أذكر أنّ «الأمير» فاروق، «وليّ عهد الدولة المصريّة» كان في عمر الثامنة آنذاك، بحسب ما كُتب تحت صورته المنشورة على صفحة كاملة، هذا وقد أضيفَ إلى كلمات التعريف تلك: «وعنده الآن من الهدايا الملوكيّة ما يملأ الغرف ويفوت الحصر«.

لم يسبق لي أن كنت من قرّاء مجلّة الهلال، مع أنّني كنت كثيرا ما أشتري الكتب التي تصدر عن دارها، مكتوبة بالعربيّة أو منقولة إليها. لكن، مع ذلك، أتاح لي المجلّد ذاك أن أكون من جماعتها، أو، على الأقلّ، أن أذكر شيئا عنها حين يدور الحديث عن موقعها في زمانها. ألآن أفكّر أنّها سبقتني، أو سبقت زمني، فكنت أرى في تلك السنوات أنّها ممّا يقرأه مَن هم أكبر عمرا منّي، ظانّا أنّ المجلّة لا يتعدّى زمنها بين قرّائها جيلا واحدا، غافلا هكذا عن أنّها، باستمرارها في الصدور لنحو مئة سنة، طوت أجيالا ظلّت تنتسب إليها، وذلك بخلاف ما حصل لي.

لكنّني، رغم تفويتي لها، أعرف أنّني كنت قريبا مّما تمتلىء به صفحاتها. ذاك لأنّ بعض كتّابها، في زمن المجلّد ذاك، وبعض آخر منهم، في زمن الأعداد التي قرأتها لألبّي دعوة مروى، كانوا هم أنفسهم الذين أعرفهم من كتبهم. أمّا عن كونهم مصريّين جميعهم، من دون إستثناءات تذكر، فلا يغيّر في ذلك شيئا. ذاك لأنّنا، وهذا ما انتبهت إليه بعد تحوّلات بلداننا في هذه السنوات الأخيرة، كنّا نرى أنّ الثقافة تأتي من مصر، وأنّ الكتّاب هم كتّابها. أسماء مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ومحمود تيمور وطه حسين (وإن كان ينطبق على هذا الأخير ما رأيته منطبقاً على المجلّة من أنّها لأولئك الذين سبقوني، أي الذين هم أكبر عمراً منّي، ربّما بسبب إقحامه في الأدب ما لم أكن أعتبره من أصله) كانت هي حاملة الأدب، وليس كتّابا من لبنان مثل جبران خليل جبران والياس أبو شبكة كنّا نراهم، ربّما، أكثر حداثة ممّا تطيق ذائقتنا العربيّة.

أحببت أن أعود إلى قراءة شيء من ذلك الزمن، على الرغم من أنّ الأعداد التي أخذتُها من مروى تتراوح بين السنوات 1965 و1975 متقدّما بذلك عن مجلّدي المحترق بما بين أربعين إلى خمسين سنة. لكن، برغم ذلك، أجد أنّني ما زلت في الزمن الماضي ألذي أحبّ أن أكون فيه. كان الصديق محمّد أبي سمرا قد سألني مرّة عن ذلك التعلّق بالعيش الذي انقضى فأجبته، بحسب ما زلت أذكر، أنّ الماضي، لكونه مضى، لم يعد من خطر فيه. ونحن إذ نتذكّره، نكون نستعيده صافيا لن ياتي منه شيء يهدّدنا.

أمّا في ما يختصّ بقراءة أعداد مجلّة مثل الهلال فذلك يشبه أن نحدّق في صور قديمة لأشخاص نعرفهم، لكن مع فارق أنّ ما يفعله الزمن بالناس لا يطاول الكلمات والنصوص. بحياد عاطفي قرأت ذلك الجزء من رواية توفيق الحكيم «عصفور من الشرق»، إذ كان قد سبق لي أن اتّهمت الحكيم، بيني وبين نفسي، بأنّه نحل كتابه هذا عن «آلام فرتر» لغوته. لكن ما دعاني إلى إلفة أعداد الهلال تلك، قصص لكتّاب لم أكن قد قرات لهم شيئا من قبل، ولم اسمع، إلا اشتباها، بأسمائهم. من هؤلاء مثلا كاتب تلك القصّة عن أهل حلب الذين قاتلوا الفرنسيين للإستقلال عنهم. عنوان القصّة هو «كرابيج حلب، أمّا بطلها فأبو داوود الذي نقلته القصّة من بائع لتلك الحلوى إلى مقاتل استشهادي انضمّت إليه من ثمّ زوجته أمّ داوود ثمّ تبعهما إبنهما داوود، حيث، ويا للمفاجأة، ماتوا، أو استشهدوا ثلاثتهم في القصة التي لا تحتمل مقدّماتها الطريفة هذه النهاية المفجعة، أو المفترض أن تكون مفجعة ما دام أنّني، أنا قارئها المتأخّر، لم يصبني منها كمد ولاحزن.

هكذا ينبغي أن يكون الماضي المسالم: ساذجا وخفيفا لا يقوى على بناء خاتمة تليق بما سبقها من أحداث. مرّة أخرى، ذاك مماثل للبوزات التي يتّخذها أهل الماضي حين يقفون أمام المرآة، غير مدركين أنّ زمنا سيأتي يكون الناس فيه أكثر ذكاء ولؤما ويروحون يكتشفون كم هو مفضوح ومكشوف ذلك الإصطناع الذي أضافوه على هيئاتهم.

نكون كأنّنا نشاهد صوراً قديمة لبشر لا يخلّصهم من تمسخرنا عليهم إلا مشاعر الحنين التي نبذلها لزمانهم. هذه القصة الأخرى، التي نسيت عنوانها، ذكّرتني بتلك الحقبة من الأفلام المصريّة التي تحكي عن شابّ وفتاة يلتقيان فيتحابّان، لكن حين يصبحان على قيد خطوة من عقد القران يأتي من يخبرهما أنّهما أخوان، بالرضاعة أو بسواها، فينفرط عقدهما، متأسّفين طبعا، لكن من دون أن تقحم القصّة نفسها، ومثلها الأفلام، في وصف المشاعر التي تنتابهما، هذه التي نراها الآن جديرة بأن توصف بأنّها أكثر المشاعر تعقيدا.

بسطاء هم كتّاب ذلك الزمن. ألطموح الذي يقودهم طموح خفيف، إن نظرنا إليه الآن، مستخدمين مكرنا الذي يبدينا مثل أساتذة قساة. وقد وددت أن أرفع أعدادا من المجلّة، فاتحا إيّاها على الصفحات المخصّصة لأزياء ذلك الزمان، خصوصا منها تلك التي تصوّر نساء بلباس البحر، ليراها أولئك الحاضرون في الندوة. أولئك النسوة القديمات كنّ يظهرن، لتمثيل عاطفتهنّ، كأنّهنّ، وهنّ واقفات، يعانقن شيئا في الحلم.

حتّى تلك القصّة التي قرأتها للجالسين، لشدّة ما استحسنتها، وقلت إنّها ربّما كانت أوّل محاولة لإدخال الحساسيّة الجديدة في الكتابة، كنت كأنّني أنظر إليها من مكان مرتفع عنها. وإذ أهزّ راسي معجبا، في أثناء ما كنت أقرأ، كنت، في الوقت ذاته، كأنّني أطبطب على كتف يوسف إدريس، ألذي هو أحد كتّاب زمنه الكبار.

أشخاص الماضي أولئك يعرضون أنفسهم لنا بسطاء وبلا حيلة. ورغم ذلك، يقول واحدنا إنّه حصّل شيئاً من قراءته ثلاثة أعداد أو أربعة من المجلّة. إنّه حصّل معرفة. أحببت كثيرا دعوة مروى لي أن أتكلّم عن أعداد قديمة من مجلّة الهلال. «يا ألله… إنّني سأحصّل الثقافة والتسرية معا» رحت أقول فيما أنا أقلّب الصفحات أوّلا، ثمّ وأنا أدوّن ملاحظاتي على ما أقرأ ثانياً.

 

[أعدّت «98 أسبوعا» سلسلة ندوات حول مجلّة الهلال. ألسطور أعلاه ولّدتها قراءة بعض أعداد المجلّة. نذكر أنّنا سبق لنا في «نوافذ« أن نشرنا بعضاً من تلك النصوص المشاركة في الندوات. وهنا، في هذا العدد، نصّ حازم صاغيّة حول عدد من المجلة مخصّص للمقاومة.

 

عن ملحق نوافذ  جريدة المستقبل البيروتية 10/4/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق