نهاية آخر قياصرة الروس: ثار التاريخ – عبد السلام الككلي

حكمت المحكمة العليا الرّوسية الأربعاء 1 أكتوبر 2008 بردّ الاعتبار إلى آخر قياصرة روسيا نقولا الثاني‮ ‬وعائلته واعتبارهم ضحايا حملة القمع السياسيّ‮ ‬البلشفية،‮ ‬في‮ ‬بادرة طالما طالب بها أحفاد العائلة القيصرية والكنيسة الأرثوذكسية الروسية ‮التي رتّبت في أوت 0002 نيكولا الثاني آخر قياصرة الروس قدّيسا. ‬وأعلن المتحدّث باسم المحكمة العليا أنّ‮ “‬رئاسة المحكمة العليا‮ “‬أعلى هيئة قضائية في‮ ‬روسيا‮” ‬أقرّت أنّ القمع الذي‮ ‬تعرّض له القيصر نقولا وعائلته لم‮ ‬يكن مبرّرا وقرّرت إعادة الاعتبار إليهم‮”.‬ وبذلك حكم القضاء في‮ ‬شكوى قدمها عام 2005 ‬محامي‮ ‬الدوقة الكبيرة ماريا فلاديميروفنا المقيمة في‮ ‬مدريد والتي‮ ‬تؤكّد أنّها وريثة آخر قياصرة روسيا نقولا الثاني‮. ‬وقال ممثّلها في‮ ‬روسيا الكسندر زاكاتوف ” إنّ‮ ‬الدوقة الكبيرة أعربت عن سرورها وارتياحها بعد صدور قرار رئاسة المحكمة العليا‮‮ ‬لأنّها لطالما كانت على ثقة أنّ هذه المسألة ستلقى تسوية في‮ ‬روسيا وقد رفضت التوجه إلى محاكم دولية‮”.

‬ وقال إنّ‮ “‬القرار اتخذ بعد معركة قضائية استمرت سنوات ويشهد على أن روسيا هي‮ ‬فعلا دولة قانون‮. ‬إن القوى السياسية التي‮ ‬أعاقت على مدى سنوات إعادة الاعتبار إلى عائلة القيصر لم تنجح في‮ ‬التصدي‮ ‬لاحترام القانون‮”.‬ وقال‮ ‬غيرمان لوكيانوف محامي‮ ‬الدوقة الكبيرة إن‮ “‬هذا القرار نهائي‮”‬،‮ ‬مشيرا إلى أن موكلته لا تنوي‮ ‬المطالبة باستعادة ممتلكات عائلة القيصر‮. ‬

لكنّ عضوا في البرلمان الروسي عن الشيوعيين الذين آل إليهم إرث الحزب الشيوعي الذي حكم الاتحاد السوفيتي قال إنّ القيصر الأخير وأسرته كانوا ضحايا عمل إجراميّ وليس حملة قمع من جانب الدولة. وأضاف فيكتور اليوخين “لا أنفي أن جريمة بشعة ارتكبت… لكني أرى أنه من الخطأ تماما معاملة ما حدث على أنّه جريمة سياسية “. وقال “إعادة الاعتبار إلى أحد يتطلب تحديد الجهة التي مارست القمع. وآنذاك لم يكن هناك نظام محاكم ولا حكم ملموس للإمبراطورية الروسية… الحكم البلشفي لم يكن قد تأسّس بعد “.

هذا الانتصار الرمزي يعيدنا إلى ليلة السابع عشر من شهر جويلية 1918 حيث أُعدمت أسرة قياصرة روسيا «آل رومانوف»، وكانت تلك هي «النهاية المأساوية» لجميع الآمال «الديمقراطية» للثورة الروسية، وحسب الرواية الرسمية فإنّ مقتل الأسرة المالكة الروسية كان عمل نفر من الثوار المتحمّسين الذين اعتقلتهم الحكومة السوفياتية وحاكمتهم بتهمة قتل القيصر وأفراد أسرته، و قضت على خمسة منهم بالإعدام رميا بالرصاص غير أنّ كثيرا من المصادر المتطابقة أكدت أن جهاز الشرطة الذي شكله لينين تحت اسم «اللجنة الاستثنائية لمكافحة أعداء الثورة والتخريب» هي التي قامت بالإعدام، وجرى تهشيم ملامح الضحايا إلى درجة عدم إمكانية التعرّف عليهم.. ودُفنوا في مكان بقي طيّ السرية وتذكر المراجع أيضا أنّ الجنود عندما قطعوا الجثث، رشوها بالبنزين وأحرقوها ثم ألقوا بالرماد والأشلاء في حفرة في أحد مناجم الحديد القديم، وقد عثر الجنود في المكان الذي أحرقوا فيه الجثث على عدد كبير من الحلي والمجوهرات كانت القيصرة وبناتها الأميرات قد خبّأنها في طيّات ملابسهنّ.

لقد أحيطت هذه المأساة بالكثير من الأسرار، فإذا كان مؤكداً موت نيكولا الثاني فإنّ أقاويل كثيرة قد انتشرت مفادها أن لينين وضع زوجة القيصر وبناتها في مكان آمن بهوية جديدة.. وأن الدوقة «أناستازيا» قد بقيت على قيد الحياة. لكن سقوط الاتحاد السوفييتي سمح بفتح الأرشيف الذي كان محميّا طيلة وجوده رهن الأقفال مما أزال الكثير من الغموض الذي أحاط بمصير سلالة رومانوف. لقد صنف موت آل رومانوف على إثر هذا الحكم القضائي الرمزي الصادر عن أعلى مؤسسة قضائية في روسيا في صيغة قرار استئنافي في خانة الجريمة السياسية التي تنفذها الأنظمة، هذه الجريمة التي لا تسقط كسائر الجنايات في التقادم ولا تبلى مع من نفّذوها أو من كانوا ضحيتها بل تبقى مع الدهر قائمة يتكفل بها الزمن والذاكرة ويقيم لمقترفيها وللعقول التي دبّرتها محاكمات رمزية تدرجها ضمن تلك العائلة المشؤومة عائلة الاستبداد والتسلط والحكم الفردي والشمولية مع العلم أنّها بأشكالها المختلفة التي تطال المنفيين والمساجين السياسيين والمعارضين داخل الوطن أو المغتربين لا تقتصر على حاكم بعينه أونظام بعينه وإنّما تمدّ ظلالها اللعينة الكئيبة على كثير من العصور وكثير من الأنظمة الشمولية التي يبرّر البعض جرائمها أحيانا بنجاحات اقتصادية واجتماعية ولكن الأنظمة الشمولية مهما كانت نجاحاتها لا بد أن تثمر ثمارها المسمومة من ألوان التعصب وادعاء الحقيقة المطلقة إنسانية كانت أو دينية تلك الحقيقة التي نتوجس من أخطارها بل ومن ردود الفعل المتطرفة من قبل من يدّعون التصدي لها.

لقد كان نيكولا الثاني معزولا في عالمه الخاص يجهل بالكامل كل ما يحدث في بلاده، وكان ثراء العائلة الفاحش متناقضا تماما مع حياة غالبية الشعب الروسي، كما كان نيكولا محاطًا بكنيسة أرثوذكسية محافظة ومتزوّجًا من امرأة غير شعبية تتحدث الروسية بصعوبة مما جعل منه شخصية ضعيفة محاطة ببلاط وأقارب لا هم لهم سوى حماية امتيازاتهم الشخصية ومستوى حياتهم . ولكن هل يبرر كل ذلك أبشع الجرائم عندما تصوّر بوهم أنها تتموضع في اتجاه مسيرة التاريخ وأنها تزعم تقديم السعادة للإنسانية؟

هكذا قام لينين ورفاقه بإعدام أعدائهم العزّل خفية وهم على أقصى درجة من راحة الضمير «مثل بستاني يقتلع الأعشاب الضارة»، وكان ذلك يتماشى مع ما تطرحه أجهزة الدعاية البلشفية مثلما جاء في مجلة «الرعب الأحمر» في الأول من نوفمبر عام 1918 ومفاده: «لا تبحثوا عن إثبات ان المتهم قد ثار ضد السوفييت بالسلاح أو بالكلام. تساءلوا أولاً إلى أية طبقة ينتمي وما هي أصوله وتكوينه ومهنته. هذه هي النقاط التي ينبغي أن تقرر مصير المتهم، وهذا هو جوهر الرعب الأحمر». ذلك الرعب الذي عوض شيئا فشيئا حلم دكتاتورية البروليتاريا بدكتاتورية الدولة- الحزب الواحد وجهازه الرهيب كما جاء في كتاب بيير لوران ” النهاية المأساوية لسلالة رومانوف “.

لن تستعيد ‬الدوقة الكبيرة ممتلكات عائلة القيصر، ‮ولكنّ كلّ طفل روسيّ سيعلم في المستقبل حين يفتح كتاب التاريخ أنّ جريمة بشعة ارتكبت ليلة السابع عشر من جويلية 1918 ضدّ أحد عشر شخصا من بينهم طفلان أعدموا بلا محاكمة ولا دفاع وأنّ من قتلهم قد أفلت من عقاب البشر، ولكنّه لم يفلت من ثأر التاريخ لا هو ولا من خطّط ودبّر الجريمة مهما كانت عظمته.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق