نهاية الروابط “الكبرى” / حازم صاغية

نهاية الروابط "الكبرى" / حازم صاغية

يستوقفنا نعي أولمرت، حين كان يهمّ بمغادرة رئاسة الحكومة، فكرة "إسرائيل الكبرى" وواقعها في آن. فقد "كنتُ أعتقد -كما قال- أن كل شيء من نهر الأردن حتى البحر الأبيض المتوسّط هو لنا [أي، ليهود إسرائيل]. لكنْ بعد صراع مع النفس استنتجتُ أنه لابدّ من تقاسم هذه البلاد مع شعب آخر".

 

صحيح أن رئيس حكومة إسرائيل السابق ردّ موقفه الجديد إلى حجج أهمّها تحاشي التوصّل إلى دولة ثنائيّة القوميّة، وهو ما "تتزايد المطالبة الفلسطينيّة به" فيما يثير الذعر لدى إسرائيل. لكن ذلك لا يلغي الأهميّة التاريخيّة لإقراره بلا واقعيّة "إسرائيل الكبرى" وخروجها من مجرى الزمن. وقد يقال في أولمرت إنه فاسد، أو إنه سياسيّ ضعيف، أو غير ذلك، وقد لا يُكتب اسمه بخطّ عريض في تاريخ بلده والمنطقة. بيد أن موقعه الرسميّ كرئيس حكومة، بعد ماضٍ كان خلاله قطباً من أقطاب اليمين القوميّ الإسرائيليّ ورئيساً لبلديّة القدس، يؤكّد الأهميّة المذكورة ويعزّزها.

 

والحقّ أن تراجعاً يطاول الأساسيّات كهذا لم يقتصر على أولمرت، إذ عرفه إسرائيليّون كثيرون صدروا عن خلفيّة سياسيّة وإيديولوجيّة مشابهة لخلفيته، شأن وزيرة خارجيته "ليفني" التي حلّت محلّه في قيادة حزب "كاديما"، وسوف تحلّ من ثمّ في رئاسة الحكومة. فقد جاءت إلى الحياة العامّة من بيتٍ جابوتنسكيّ متعصّب متزمّت لا يرضى بديلاً عن "إسرائيل الكبرى". وهذا ناهيك عن أن حزب "ليكود" نفسه، الذي ترعرع فيه أولمرت وليفني قبل انتقالهما مع شارون إلى "كاديما"، تخلّى عمليّاً عن "إسرائيل الكبرى" بمجرّد إقدامه -حين كان في السلطة- على تنفيذ بضعة انسحابات من "المناطق"، وهي التسمية الإسرائيليّة للأراضي الفلسطينيّة المحتلة. أما "كاديما" فكان تأسيسه، مجردّ تأسيسه، شهادة لغير صالح نظريّة "إسرائيل الكبرى".

 

والحال أن الفارق كبير بين الآثار والحفريّات الجيولوجيّة والتعاليم الدينيّة من جهة وبين الواقع السياسيّ المعاصر وتعقيدات الواقع الاجتماعيّ الذي يستند إليه من جهة أخرى. فالمجتمعات لا يسعها أن تعيش طويلاً على الأولى، تاركةً مثل هذه المهمّة لعدد متناقص من المتحمّسين والمتعصّبين. وصعوبة كتلك تتعاظم في المجتمعات المختلطة، المنقسمة في مراجعها الدينيّة والثقافيّة، أو التي تجاور شعوباً ومجتمعات أخرى تجمعها بها مشكلات يستحيل تذليلها من دون التعاون بين الأطراف المعنيّة جميعاً، أو التي لا تملك كماليّات التصرف في معزل عن مواقف العالم الخارجيّ وعن دعمه. وهذه جميعاً من مواصفات المجتمع الإسرائيليّ، لا يستطيع أن يتجاهلها في عزّ غلوائه الشوفينيّة أو التوسّعيّة. فهو خلاصة أقليّات كبرى، يهوديّة غربيّة ويهوديّة شرقيّة ويهوديّة روسيّة وفلسطينيّة عربيّة. وهو مشتبك مع الفلسطينيّين، متداخل فيهم بقدر ما هم متداخلون فيه، تاريخيّاً وديموغرافيّاً، جغرافيّاً واقتصاديّاً. وأخيراً، هو من أكثر مجتمعات العالم اضطراراً إلى أخذ العالم الخارجيّ، وتحديداً منه الولايات المتّحدة وأوروبا الغربيّة، في اعتباره وحساباته.

 

ما من شكّ في أن القوميّة اليهوديّة امتلأت بجيب متضخّم من الأسطوريّة، وكان لمصدرها الدينيّ أن فاقم فيها هذا الملمح بقدر ما عزّزها بجرعات خلاصيّة اتّخذت على أرض الواقع شكل الضمّ والتوسّع والطرد للسكّان الأصليّين. وهذا مجتمعيّاً بدا من سمات القوميّات المتأخّرة التي نشأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، واتّسع حضورها في أطراف القارّة الشرقيّة والوسطى والجنوبيّة المتأثّرة بالتجارب الناجحة للقوميّات الألمانيّة والإيطاليّة ثمّ البولندية مطالع القرن العشرين. فبسمارك وطبقة اليونكرز (ملاّك الأراضي) الألمان، وكذلك كافور وماتزيني وغاريبالدي، وجوزيف بيلسودسكي وقوّاته العسكريّة، نجحوا في تحويل ألمانيا وإيطاليا وبولندا من كيانات مبعثرة مفتّتة، ومن مناطق نفوذ تتقاسمها الدول المجاورة، إلى دول مستقلّة وموحّدة مركزاً وسياسةً وعملةً وجيشاً.

 

والتجربة هذه كان أثرها قويّاً على اليهود الأوروبيّين، لاسيّما وهم يعانون تصاعد اللاساميّة بما أقنعهم بانعدام كلّ مكان لهم في أوروبا وبحاجتهم للعثور على "وطن قوميّ" يكون لهم وحدهم. وكان جابوتنسكي، من بين الروّاد الصهاينة في النصف الأوّل من القرن العشرين، أشدّهم حسماً وحماسة وجهراً في طلب الدولة القوميّة "الكبرى"، معلناً بصراحة لا مواربة فيها أنها ستقوم على حساب عرب فلسطين، ومتوقّعاً منهم أن يقاوموها حتّى النهاية إذ الصراع والعداوة الذئبيّة، في رأيه، هما من طبيعة الأمور. ولكنْ منذ 1977، حين أحرز تكتّل "ليكود"، للمرّة الأولى في تاريخ الدولة العبريّة القصير، الأكثريّة البرلمانيّة، تعاقب الكثيرون من أبناء جابوتنسكي، مثل بيجن، ومن أحفاده، نتنياهو وأولمرت، على رئاسة الحكومة. غير أن الوقائع العنيدة كانت تتوالى في وضع الحدود للأحلام القوميّة والطوباويات الإيديولوجيّة. فباستثناء بعض أحزاب ومجموعات الهامش الضيّق، هناك إجماع إسرائيليّ اليوم، ضمنيّ وإن لم يكن دائماً معلناً، وعمليّ أكثر منه نظريّاً، على أن إسرائيل المطلوبة هي إسرائيل 1948 مع تعديلات حدوديّة متفاوتة. صحيح أن مدينة القدس التي يريدها الإسرائيليّون "عاصمة موحّدة" لهم هي أسوأ مواقفهم التسوويّة وأقلّها تسوويّة. لكن هذا لا يلغي توصّل سياسيّة ليفني إلى ضرورة "التقاسم الديموغرافيّ" للمدينة المقدّسة عند اليهود والمسلمين والمسيحيّين سواء بسواء. ثم إن مطلب التوصّل إلى حدود نهائيّة ومعترف بها للدولة العبريّة غدا مطلباً يتعاظم التسليم به، معطوفاً على مبدأ تبادل الأراضي. وعلى رغم الاستيطان والجدار، فهذا جميعاً، بما فيه تعهّد إقامة الدولتين، يبقى جزءاً من الإجماع الرسميّ، وإن لم يكن الشعبيّ بعد، واللفظيّ وإن لم يكن الفعليّ دائماً. وإذا جاز القول إن التغيير يحصل على الأرض في اتّجاه معاكس وغير مشجّع، إلاّ أن الشهادة الأخيرة لأولمرت تنضاف إلى التراجعات النظريّة الكثيرة لـ"إسرائيل الكبرى".

 

والراهن أن شوطاً كبيراً لا تزال شعوب منطقة الشرق الأوسط مطالَبة بعبوره للوصول إلى التصالح مع الدول- الأمم القائمة بدلاً من إيديولوجيّات قوميّة، أسطوريّة وشبه أسطوريّة، تحاول عبثاً تقليد التجارب الأوروبيّة التي فات أوانها.

 

فـ"حزب العمّال الكردستانيّ" (التركيّ) لا يزال، مثلاً، يدغدغ عواطف الأكراد، أو بعضهم، بـ"وحدة كردستان". وهذا علماً بأن أيّة مراقبة لواقع الحال، ولعيش الأكراد عقوداً مديدة في ظلّ دول وطنيّة مختلفة، تنمّ عن صعوبات ذلك. يكفي القول إن هدفاً كهذا يصطدم اصطداماً رأسيّاً بثلاث أو أربع دول في الشرق الأوسط!

 

وإذا كان العرب قد بدأوا يقتصدون في الكلام عن "أمّة عربيّة" واحدة و"أمّة إسلاميّة" جامعة، مع أن حظّ الثانية في التضخّم اللفظيّ أعلى من حظّ الأولى، إلاّ أن الإشارات كثيرة على أن الكوابيس لا تموت بسهولة. فحين غزا صدّام الكويت، مثلاً، كان التأييد الشعبيّ، في بعض الدول، لعمليّة غزوه وضمّه، تعبيراً عن رسوخ هذا الوعي جماعيّاً. والشيء نفسه يمكن قوله عن العمليّات الإرهابيّة البنلادنيّة حين حظيت بتعاطف عابر للحدود، لأن مرتكبيها (الذين برّأناهم) "أخوة لنا في الدين". وهو جميعاً مما ينبغي أن يتغيّر إذا ما توخّينا معاصرة عصرنا.

 

عن جريدة الاتحاد 19/6/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This