نهاية العالم

تلوح فكرة نهاية العالم بين حقبة وأخرى من حقب التاريخ، ففي ظل الأزمات الأخلاقية والاجتماعية الكبرى يلوذ الإنسان بالأفكار الخلاصية المبهمة، وهي ظاهرة طال تكرارها، ونجد لها أثرا واضحا في الأدبيات الدينية والتاريخية والأسطورية، وصارت تبعث الآن مرة أخرى، فيتحدث المتكهنون، وأصحاب العقول الراكدة، عن قرب الموعد الذي سيكون في عام 2012، فيا له من ارتماء في أحضان الوهم السلبي، والفكر السحري الذي ما زال يخيم هنا وهناك، وفي ظل دائرة تتسع من التنبؤات يخيم الذعر الجماعي، وتزدحم النفوس بتأويلات مفرطة للنصوص الدينية، ويزجّ العلم في إعطاء شرعية زائفة لبعض التأويلات، فيقع تضخيم ظواهر طبيعية باعتبارها من علامات تلك الكارثة.

فكرة النهايات الكارثية لها صلة بالتاريخ الدوري الذي رسخت الأساطير البدائية، وأخذت به العقائد السماوية بمعنى الثواب والعقاب، وجرى الترويج له في الوعي البشري قبل أن يتغذّى بالرؤية العلمية والنقدية التي نقلته من مرحلة الركود إلى مرحلة الفاعلية، ومع ذلك فالحركات الأصولية، سواء أكانت اجتماعية أم دينية، أم أخلاقية، تعرض دائما أفكارا حول النهاية المحتمة للعالم، دون أن تأخذ في الحسبان الصيرورة التاريخية لمسار الجنس البشري عبر ملايين السنين، فتهمل التطور الخلاق الذي حققه الإنسان، وتلجأ إلى تضخيم مواقف خاطئة تنتزعها من المجموع الكلي للتاريخ، وتجعل منها دليلا على حلول النهاية، فلا تغيب عن ذلك فكرة العقاب الإلهي على الشرور التي يقترفها البشر، ومن الطريف أن يتخذ غضب بعض الجماعات الأصولية شكل سخط رباني مدمر لا يعرف المهادنة، فذلك هو العجز بعينه، حينما يتوهم المرء بأن قوة إلهية تنوب عنه في الانتقام مما يراه خطأ في مسار الحياة والتاريخ.

وقف عدد من المفكرين والكتاب مؤخرا لتبديد مفعول هذه الظاهرة التي تنتشر في أوساط العامة، وبعض الجماعات الدينية المتعصبة، وآخر ما قرأت مقالة الكاتب البريطاني الشهير” ماكيوان” الذي حاول تبديد سحب الشك حول ذلك، وطرح رؤية عقلية واضحة، حيث أورد أمثلة على تعثر العقل هنا أو هناك، ومن ذلك ما أورده عن سعي الرئيس الإيراني أحمدي نجاد إلى “تجديد رؤى القرون الوسطى الخلاصية والأخروية تجديدا واقعيا، فخصص مكتبه ملايين الدولارات لإعادة بناء مسجد صغير في ضاحية من ضواحي قم يتوقع ظهور الإمام المهدي فيه بعد غيبته الطويلة، وبالمقابل يرعى أصوليون أميركيون من تكساس تربية قطيع عجول في جوار جبل الهيكل قرب المسجد الأقصى علامة على قرب نهاية الزمان”. وينتهي “ما كيوان” إلى القول بأنه من “المخيف في مثل هذه الأخبار هو مزج الدين بالسياسة. وهو مزيج يدعو المؤمنين إلى استعجال الكارثة باعتبارها علامة من علامات قيام الساعة”.

لن يصمد هذا الضرب من التفكير السحري، ولن يتحقق مضمونه، فالعالم ماض في مسار صاعد، والظواهر السلبية التي ترافق ذلك، بما فيها التغييرات المتوالية في نظام القيم، لن تحول دون ذلك، وفكرة الخلاص بذاتها لا موقع لها في التفكير العلمي إلا من خلال الحلول الأرضية للمشكلات الإنسانية، فما نجده هي صراعات قيمية واجتماعية وثقافية وأخلاقية تتصل بأصوليات تعيد إنتاج ذاتها في أطر مغلقة، فتتوارد الأنباء الزائفة عن قرب عودة المسيح، أو المهدي المنتظر، وما ذلك إلا تكريس للركود العقلي الذي يمسك بالتلابيب أحيانا، فيصار، مثلا، إلى القول بأن أميركا غزت العراق للحيلولة دون ظهور المهدي الذي تؤكد سائر الأدلة على قرب ظهوره، كما ترى بعض الجماعات الدينية المتشددة، بدل القول إنها قوة استعمارية جديدة تريد بسط نفوذها الإمبراطوري الدنيوي على العالم، فيما تطرح السينما الأميركية تنبؤاتها العلموية المسطحة حول ذلك بروح الاستهلاك القائم على الإثارة، ولطالما قيل، في الأدبيات الأصولية المسيحية، بأن قوى عالمية شريرة هي التي تؤخر اندلاع معركة “أرمجدون” الفاصلة بين أتباع الشر وأتباع الخير. وكلها أضغاث تأويلات لا مكان لها في الوعي النقدي الذي راح يثلم سطوة الخرافية بكل مظاهرها يوما بعد يوم.

وما دمنا في نهدف إلى المشاركة في تبديد هذه الأوهام، فمن المفيد القول بأن حوادث مماثلة كثيرة قد ظهرت في التاريخ، وثبت زيفها، فقد شاع بأن يوم القيامة سيكون في أحد أيام عام 1666 فكان أن ظهر اليهودي “سباتي بن زيفي” مبشرا بذلك، فبدأ دعوته في مدينة “أزمير” حوالي منتصف القرن السابع عشر الميلادي، وطبقا لتأويلات توراتية متشددة شاع بأنه المسيح المنتظر، وسيكون دوره قيادة اليهود، وجعل القدس عاصمة كونية، وينبغي على كل الملوك، والأباطرة، الامتثال. فشرع ساباتي، وهو في الثانية والعشرين في إعلان نفسه مسيحا جاء لتخليص بني إسرائيل، فاستأثر باهتمام الطائفة اليهودية في أزمير، ثم وسع نشاطه في الأناضول، وقد انكب على تأويل التفسيرات اللاهوتية للتوراة.

ولكي يأخذ مفهوم النبوة دلالته الكاملة، كان ينبغي عليه سلوك مسار الأنبياء من قبله، وهو الهجرة، فرحل إلى القسطنطينية أولا لإقناع الطائفة اليهودية في عاصمة الإمبراطورية، ومنها يمّم ناحية سالونيك حيث تزدهر التأويلات العددية للتوراة بين اليهود، ثم وصل أثينا، فمصر، وتوجه إلى فلسطين حيث طاف حول القدس بحصانه سبع مرات معلنا نهاية ولاء اليهود للسلطنة العثمانية، فعمّت أخباره سائر البلاد الواقعة تحت سيطرتها، بل وتجاوزتها إلى أوربا، إذ أصبح مثار اهتمام من طرف عدد كبير من الناس بين مؤيدين له قائلين بقرب يوم القيامة، ومعارضين اعتبروه دجالا.

واصل ساباتي عرض أفكاره الغامضة لأسفار التوراة مستفيدا من الميراث اليهودي والمسيحي والإسلامي حول فكرة المسيح المنتظر. وتمكّن من جذب أنصار نافذين بالمال والجاه إلى حركته، وعاد إلى أزمير في العام الذي ينبغي أن تتحدّد فيه نهاية العالم طبقا للنبوءات. ولم تلبث المدينة أن شهدت وصول عدد كبير من الوفود القادمة من شتى أرجاء العالم لمبايعة ملك الزمان الجديد، فجرى تتويجه ملكا لملوك العالم، فكان أن أصدر أمره بتقسيم العالم إلى ثمان وثلاثين دولة، وبتعين ملوك لإدارتها. ورغب في أن تكون القدس عاصمته.

ألقي القبض على ساباتي وأُحضر إلى القسطنطينية، واستُجوب حول معتقداته، وطُلب إليه إظهار معجزة تؤكّد دعواه، فيتجرّد من ملابسه، وتطلق عليه السهام، فإن استطاع حماية نفسه من الموت، فسوف يقع الأخذ بما يقول به، ولتجنّب العقاب الذي ارتسم في الأفق، سارع ساباتي بإعلان إسلامه مُنكرا كلَّ ما بشّر به طوال عشرين عاما، ودرءا لمزيد من الشبهات تسمّى بـ” محمد” وعرف باسم “محمد البوّاب” لأنه السلطان العثماني عيّنه قيما على أبواب قصره، ولأبطال دعواه العالمية، فقد طلب منه تفكيكها، فلم يتردّد في أن يخبر أتباعه بأن “يهوه” أمره بدخول الإسلام، وأنه أطاع الأمر، وطلب نسيان اسمه القديم “ساباتي” بعد أن حاز على اسم “محمد”. وشاعت عنه جملة من التعاليم الدينية الموجّهة لأتباعه، وفيها جرى اعتباره السيد والملك والمسيح الحقيقي، وأنه من ذرية داود، وينبغي ترتيل مزاميره يوميا. ولم تغب دعوته عن عيون الإمبراطورية التي تمكّنت من محاصرته، لكنها لم تجتثها من جذورها، فكان أن أبعد إلى “ألبانيا” وهنالك قضى نحبه في عام 1675. وقد كان لساباتي بن زيفي أسلاف في ذلك، وسيخلفه كثر في تلك الإدعاءات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق