نهاية ديكتاتور من القرن العشرين! / ويليام جي.دوبسون

أسقطت الثورات العربية التي انطلقت خلال هذا العام ديكتاتورها الثالث، غير أن مقتل القذافي الذي حكم ليبيا لاثنين وأربعين عاماً هو أكثر من انتهاء رجل قوي آخر، فحتى في انهياره الأخير كان القذافي مختلفاً عن الباقي، إذ فيما فضل “بن علي” الهرب من تونس والنجاة بنفسه، وواجه مبارك مصيره بالوقوف أمام المحكمة، أصر القذافي على البقاء في السلطة حتى الرمق الأخير، وهو بالفعل ما حصل عليه، عندما لفظ أنفاسه الأخيرة في شوارع سرت التي ولد فيها. لذا نقول إن نهاية القذافي المأساوية هي أكثر من مجرد زوال حكمه في ليبيا الذي دام طويلًا وبزوغ فجر يوم جديد مع ما يوفره ذلك من إمكانات الديمقراطية والحرية، بل شكل أيضاً فرصة لطي صفحة قاتمة في كتاب الاستبداد الفج والسافر، فقد كان القذافي آخر نوع من جنس منقرض يمثل عينة خاصة من ديكتاتوريي القرن العشرين، فالقذافي ورغم غيابه النهائي عن الساعة لن يدخل النسيان بسهولة، بل سيتذكره العالم بشخصيته الغريبة ومزاجه المتقلب ونظاراته الشمسية السوداء وهندامه غير المألوف، بالإضافة إلى شعره المدهون دائماً، وحتى عندما كان يغادر ليبيا في رحلاته كان سلوكه غريباً ولافتاً، فهو يصحب معه خيمته الفاخرة حيثما حل وارتحل، وكان حريصاً على إحاطة نفسه بحراس من النساء، لا سيما ممرضته الأوكرانية، وعندما تتاح له فرصة إلقاء خطاب ما، لا يكاد يتوقف ونادراً ما تجد من يفهم ما يريد قوله، وقد رأينا كيف استغرق خطابه للعام 2009 في الأمم المتحدة ساعة ونصف الساعة بدل 15 دقيقة المخصصة له.

 

كما أن أفكاره، إن صح وصفها كذلك، ستبقى حبيسة كتابه الأخضر الذي ضمنه نظرياته السياسية التي زعم بأنها تسلك طريقاً وسطاً بين الرأسمالية والشيوعية.

 

وفي الحقيقة كان هذا الكتاب أيقونة أخرى من أيقونات تضخم “الأنا” لدى العقيد الراحل، حيث كان على أطفال المدارس استظهار ما جاء فيه عن ظهر قلب، وتكرار المقولات التافهة التي لم تُترك لافتة إلا وعلقت عليها ولا محطة إذاعية، أو تلفزيونية إلا واستفاضت في شرحها وتأويلها، وبالطبع لم يكن القذافي مجرد قشرة فارغة من المضمون، فهو كان صاحب أفكار دفعته إلى اتخاذ مواقف ودعم جهات معينة مثل، منظمة التحرير الفلسطينية والجيش الجمهوري الإيرلندي، كما درب رجالًا على مناهج الاستبداد والاستفراد بالحكم التي كان يجيدها، وهو في رحلته العجيبة انتقل من تمويل الإرهاب إلى الانخراط المباشر فيه، عندما أمر في العام 1988 بتفجير طائرة “بان آم” الأميركية فوق بلدة لوكربي الإسكتلندية لتخلف 270 قتيلاً، لكن الجرائم التي حولت القذافي إلى زعيم هارب ومنبوذ ودفعته للاختباء في أنبوب لتصريف المياه، حيث عثر عليه، لم تكن تلك المقترفة في حق أطراف خارجية، بل كانت تلك المرتبكة ضد الليبيين، فكان أسلوبه في الحكم، وليس أهواؤه الشخصية وإرهابه الدولي ما بوأه مكانته كديكتاتور تقليدي يرجع إلى القرن العشرين، ومهما بلغت شدة غرابة القذافي التي كانت محط استهجان الغرب، تبقى قسوة حكمه وبطشه أهم صفاته في أعين الليبيين، فحتى مقارنة بأنظمة الشرق الأوسط التي لا تخلو من مستبدين يظل القذافي فريداً من نوعه وأكثر قمعاً من غيره.

 

فلم يكن مسموحاً في الدولة البوليسية التي كانت عليها ليبيا في عهده بحرية الصحافة، ولا بتشكل مجتمع مدني ومعارضة سياسية، وكان الجهاز الأمني دائم الحضور ليصل عدد أفراده حسب بعض التقديرات إلى 20 في المئة من السكان، فيما كان انتقاد القذافي ضرباً من الانتحار، لكن الأنظمة الأكثر ذكاء في المنطقة وخارجها أدركت، حتى قبل وقت طويل من انطلاق الربيع العربي وعبث الثوار بالقذافي كخرقة بالية، أن تبني نهج العقيد سيكون مكلفاً وخطراً، لذا سعت الأنظمة الأخرى إلى إخفاء حقيقتها القمعية خلف واجهة مزيفة من الإجراءات القانونية والشرعية الواهية.

 

فعلى سبيل المثال لم يفرض بوتين نفسه بالقوة على الكريمين، بل احترم الدستور الروسي، وقضى ولايتين رئاسيتين اختار بعدهما من سيخلفه ليعود مجدداً إلى السلطة، ولو فرضنا أن بوتين سيرأس البلاد لفترتين مقبلتين، فإنه سيحكم روسيا لأربعة وعشرين عاماً دون أن يخرق الإجراءات الديمقراطية، وليس بوتين الوحيد في ذلك، إذ يمكن الإشارة أيضاً إلى مثال هوجو شافيز، فعلى السطح تبدو فنزويلا في عهده ديمقراطية منتعشة مع كل مظاهر التعددية وحرية الصحافة والتعبير، وإمكانية التصويت في الانتخابات المحلية وعلى مستوى الولايات وغيرها، لكن شافيز ومقربيه أنتجوا أسلوباً يحافظون فيه على السلطة من خلال التلاعب بالانتخابات ورسم خريطتها مسبقاً للتحكم في نتائجها، وحتى الحزب الشيوعي في الصين الذي لا يسمح بأي مناقشة لحكمه بدأ يرخي قبضته قليلاً على المجتمع، بحيث تنامت حرية الصينيين مع تغير مواقف الحزب من “الطهرانية الاشتراكية” إلى تحقيق الرفاه الاقتصادي، والخلاصة أن تلك الأنظمة أدركت تكلفة المرتفعة للديكتاتورية الفجة والواضحة وأنها تستطيع تحقيق الأهداف نفسها، وهي بقاء النظام، بطرق ذكية، وهو ما لم يفهمه القذافي الذي لم تنسجم طريقة إدارته للدولة مع معطيات العالم المعاصر.

 

وربما يقول البعض إن القذافي وبتأثير من ابنه، سيف الإسلام، الذي درس في الغرب، قد بدأ في إدراك الدرس خلال الفترة الأخيرة، بعدما اشتدت عزلة ليبيا على الساحة الدولية، وتحولت إلى بلد منبوذ وعانى الاقتصاد من تكلفة عالية، فكان أن تحملت طرابلس ابتداء من عام 2003 مسؤولياتها في تفجير لوكربي، وقبلت بتعويض الضحايا وطي الملف، كما تعهدت بالتخلي عن برنامجها النووي وتدمير ترسانتها، وبعد رفع أولى العقوبات الدولية على ليبيا عادت الاستثمارات الغربية في قطاع النفط الليبي، بل إن القذافي عبر عن رغبته في الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، لكن رغم كل ذلك ظل حكم العقيد مذموماً من قبل غالبية الليبيين، واليوم وباختفاء القذافي من الساحة الذي بما مثله من نظام شمولي متضخم “الأنا”، نكون قد طوينا صفحة من صفحات القرن العشرين الذي تعودنا طوال سنواته رؤية القياصرة والملوك والجنرالات والسلاطين يُحكمون قبضتهم على رقاب العباد.

 

عن جريدة الاتحاد الاماراتية 26/10/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق