نيتشه والفلسفة اليونانية

إن أوّل فيلسوف كتب لدى القدامى، انكسيمندريس، إنما كتب كما سيكتب بالتحديد الفيلسوف الحقيقي نظراً لأن الملزمات الخارجية لم تحرمه لا من الموضوعية ولا من البساطة. إنّ ما يكتب بأسلوب مهيب لهو محفور في الحجر، فكلّ جملة تشهد اشراقة عبقرية وتعبّر عن التأملات السامية التي يقف عندها، ففكره و أسلوبه يشكّلان حدوداً قصوى على طريق هذه الحكمة الفائقة، وهذه البصيرة الثاقبة، والمقتضبة تسم بطابعها جملة انكسيمندريس هذه: أنّ ما تتولّد عنه الأشياء، إنما يجب أن تتوجّه نحوه أيضاً لكي تبلغ نهايتها بالضرورة، ذلك إنها يجب أن تكفّر عن أخطائها، حسب نظام الزمن.

وحول ما سبق يعلّق نيتشه قائلاً: كيف سنفسّرك أيتها العبارة اللغزيّة التي نطقها متشائم أصيل؟ إنها صيغة إلهية محفورة في فجر الفلسفة الإغريقية. ثم يضيف: إنّ الأخلاقي الجدّي الوحيد في عصرنا(*) يقدّم لنا ملاحظة مشابهة: ” إنّ المقياس المناسب للحكم على كلّ رجل، هو أنّه كائن كان يجب ألّا يوجد، ولكنه يكفّر عن وجوده بكلّ أنواع الآلام وبالموت، فماذا نستطيع أن ننتظر من كائن كهذا؟ ألسنا جميعاً خطاة، محكوم علينا بالموت؟ إننا نكفّر عن ولادتنا مرّة أولى بحياتنا ومرّة ثانية بموتنا.” إنّ من يفكّ لغز هذا الدرس حول وجه مصيرنا المشترك، ويتعرّف على الآفة الأساسية والمكونة لكلّ حياة إنسانية في واقع أنّ كلّ وجود لا يتحمّل أن يقع تحت نظر متيقّظ وأن يكون خاضعاً للفحص عن كثب.

إذاً علينا من الآن فصاعداً أن نعتبر، مع انكسيمندريس، أنّ كلّ صيرورة هي طريقة مذنبة للتحرّر من الوجود الأبديّ، وهي ظلم يجب التكفير عنه بالموت. يقول نيتشه هنا: إنّ على كلّ شيء عرف الصيرورة أن يزول مجدّداً، وهذا ينطبق على الحياة الإنسانية كما ينطبق على الماء، أو الحرارة والبرد. ” والضوء أو الهواء”.

فحيث يمكن أن نقع على صفات محددة يمكننا أن نتنبّأ بزوالها بالاستناد إلى جملة من البراهين التي تقدّمها لنا التجربة. لذلك – يقول نيتشه – إنّ أيّ كائن حيّ يملك صفات محدّدة يتكوّن بها لا يمكن له إطلاقاً أن يكون أصلاً ومبدأ للأشياء، فالكائن الحقيقيّ – كما يستخلص انكسيمندريس أيضاً – لا يمكن أن يملك أيّ صفة محدّدة، و إلا فإنّه يكون قد ولِد ويصبح بذلك محكوماً بالزوال والموت ككلّ الأشياء الأخرى. ولكي لا تنقطع الصيرورة، لابدّ للكائن الأصلي إلّا أن يكون غير محدّد، فخلود الكائن الأصليّ وأبديته لا تقوم على كونه مستمرّا وعلى كونه لا ينضب، بل على العكس فإنّ خلود الكائن الأصليّ يقوم على خلوّه من الصفات المحدّدة التي تقود إلى الموت. لذلك نجد اسمه لا يحدّده لأنه ” لا محدود “. إنّ الكائن الأصليّ المحدّد بهذا الشكل هو ما وراء الصيرورة ولهذا السبب تحديداً فإنّه يضمن للصيرورة أبديتها ومسارها المستمرّ. إنّ هذه الوحدة النهائية وسط هذا ” اللامحدود “، أصل كلّ الأشياء، لا يمكن للإنسان فعلاً أن يحدّدها إلا بالسلب وذلك نظراً لأننا لا نستطيع أن ننسب إليها أيّ مستند مستخلص من عالم الصيرورة الملموس. وهذا يسمح لنا بمقارنة “اللامحدود” ومساواته “بالشيء ذاته” لدى كنط.

يقول نيتشه: إنّ من يعتبر نفسه قادراً على مساجلة الآخرين على الطبيعة الفعلية لهذا العنصر الأوّلي، متسائلاً حول ما إذا كان عنصراً وسيطاً بين الهواء والماء أو لربّما بين الهواء والنار، إنّ من يفعل ذلك لا يكون قد فهم فيلسوفنا على الإطلاق. وهذا ما ينطبق أيضاً على أولئك الذين يتساءلون بجدّية حول ما إذا كان انكسيمندريس قد عالج عنصره الأوّل كمزيج مكوّن من جميع العناصر الموجودة. علينا، بل وبالعكس، كما يقول نيتشه: أن نركّز انتباهنا على ما يدلّ على أنّ انكسيمندريس لم يعد يتناول مسألة أصل الكون من وجهة نظر الفيزياء فقط. بتعبير آخر، يجب أن نركّز انتباهنا على هذه الجملة الموجزة التي أوردناها في البداية. فإذا رأى في تعدّد الأشياء المولودة مجموعة من المظالم التي يجب التكفير عنها، فإنّه يكون أوّل يونانيّ يتلمّس بشجاعة عقدة المسألة الأخلاقية الأكثر تعقيداً. وكيف يزول شيء له الحقّ في الوجود؟ يتساءل نيتشه، ومن أين يتأتّى هذا النموّ وهذه الصيرورة المستمرّان؟ من أين يتأتّى هذا التعبير عن الانكماش المؤلم الذي تحمله الطبيعة على وجهها؟ من أين يتأتّى هذا النحيب الجنائزيّ الدائم الذي يتردّد في كلّ مجالات الوجود؟. فبعيداً عن هذا العالم حيث يسود الظلم وإنكار الوحدة الأصلية للأشياء، التجأ انكسيمندريس إلى برج ميتافيزيقي حيث يستطيع- كما يقول نيتشه – أن ينحني على العالم، أن يسرح نظره حوله لكي يخلص، بعد صمت تأمّلي، إلى طرح هذا السؤال على جميع الكائنات: ” ما هي قيمة وجودكم؟ وإذا لم تكن له أيّ قيمة، فلماذا أنتم هنا؟ إنّني ألاحظ أنه لمن خطئكم أن تتأخّروا في هذا الوجود، عليكم أن تكفّروا عنه بموتكم، انظروا مقدار تشويه أرضكم، فالبحار تغور وتجفّ، وهذا ما تشير إليه الأصداف العالقة بالجبل، والنار تهدم من الآن عالمكم الذي سيستحيل دخاناً لكي يضمحلّ، ولكنّ عالم اللا استقرار هذا سيعيد بناء نفسه بشكل مشابه لما سبقه، وهو يتجدّد بدون توقّف، من سيكون بإمكانه أن يحرّركم من لعنة الصيرورة؟” . إنّ رجلاً يطرح مسائل من هذا النوع وينجو فكره باستمرار متعالياً فوقها من فخاخ الواقع الطارئ، لكي يباشر بنهضته الأسمى ماوراء الكواكب، لم يتبع بالتأكيد شكل حياة عادية.

ويعتقد نيتشه بالتقليد القائل إنّ انكسيمندريس كان يتنزّه بثياب فائقة الأبّهة، ويعلّق:كان يبرهن بتصرّفاته وعاداته عن اعتزاز مأساويّ فعلاً، لقد عاش كما كتب، وكانت طريقته في الكلام لا تقلّ احتفالية عن طريقته في الاكتساء، لقد كان يرفع يده ويثبت رجله كما لو كان هذا الوجود مأساة وهو ما ولِد إلّا ليأخذ فيها دور البطل. ويضيف نيتشه: لقد كان انكسيمندريس في كلّ شيء الممهد الأكبر لأنبادوقليس، لقد انتخبه مواطنوه لكي يدير شؤون مستعمرة من المهاجرين، وقد يكون أنّهم ُسرّوا بإمكانية أن يكرموه ويتخلّصوا منه في الوقت نفسه وقد هاجر فكره أيضاً وأسّس مستعمرات، ففي أفسس وفي إيليا، لم يتمّ التخلّص منه، وإذا لم يكن بالإمكان التصميم على البقاء بقربه، فمن المعروف أنّه كان بإمكانه أن يأتي بك إلى المكان الذي يمكنك أن تتابع منه بدون مساعدته.

إنّ طاليس يعبّر عن الحاجة لتقليص سيادة التعدّد وردّه إلى مجرّد امتداد وتقنّع للصفة الوحيدة الموجودة: الماء، لكن انكسيمندريس – كما يرى نيتشه- قد تخطّاه بقفزة واحدة، فانكسيمندريس يتساءل أوّلاً كيف يمكن لهذا التعدّد أن يكون ممكناً بالرغم من كلّ ذلك، ذلك أنه ليس هناك إلا وحدةً أبدية، ويستخلص الجواب من طبيعة هذا التعدّد المتناقضة كليّاً والتي تلتهم نفسها وتنفي ذاتها، إنّ وجود هذا التعدّد يصبح بالنسبة إليه ظاهرة أخلاقية، فهو ليس مبرّراً ولكنه ما يفتأ أن يجد تكفيره بالموت، ولكن حينئذ – يضيف نيتشه – يُطرح عليه السؤال التالي: ” لماذا نجد أنّ كلّ ما عرف صيرورة لم يتلاش بعد ومنذ زمن طويل، خاصة وأنه قد مضى عليه زمن أبديّ؟ من أين يتأتّى للصيرورة هذا المدّ المتجدّد أبداً؟ وهو لن يستطيع الإفلات من هذا السؤال إلا بافتراضات روحانية جديدة: لا يمكن للصيرورة الأبدية أن تجد أصلها إلا في موجود أبديّ.

إنّ الشروط التي تحدّد سقوط هذا الموجود في الصيرورة داخل الظلم تبقى هي نفسها أبداً، وانطلاقاً من ذلك تصبح زركشة الأشياء منسّقة بشكل لا يمكن معه التنبّؤ بأيّة نهاية لنفي هذا الموجود الفرديّ خارج رحم “اللامحدود”.

أخيراً، يقول نيتشه: لقد بقي انكسيمندريس هنا، أي إنّه بقي في الظلمات العميقة التي كانت تنتشر كالأشباح الجبّارة على قمم مفهوم كهذا للكون، فكلما أردنا أن نحيط عن كثب مسألة كيف يمكن للمحدود، بادئ ذي بدء، أن يتولّد من اللامحدود ويخونه، وكيف تولد الزمنية من الأبدية، والظلم من العدالة، كلما زاد الليل ظلماً.

(*) – إشارة إلى الفيلسوف شوبنهاور.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق